الطفولة في العراق: تشوه جسدي ومستقبل غامض

بغداد
بلاد الموت الصامت

حالات موثقة في سجلات رسمية مثبت فيها الأسم الكامل للأم، وتأريخ الولادة، وجنس المولود، ونوع العوق، والتشخيص الطبي، وايضا التسلسل الرقمي اليومي الذي يشير الى ان هناك اعداداً تدون يوميا لحالات تشوّه غير معروفة طبياً كما يقول الاطباء العاملون في مستشفى الفلوجة العام، والتي ادت الى اثارة الفزع والخوف بين النساء خاصة، واللواتي اكدن على أنهن يفضلن عدم الحمل على ولادة اطفال مشوهين، قدرهم انهم كانوا تحت مطرقة الحرب الوحشية العمياء والتي لم تفرق بين الاهداف العسكرية والمباني السكنية، فالكل يخضع لقانون القوة الهمجية حتى ذلك الجنين الذي لم يفقه معنى ان يولد في منطقة مستهدفة بدءاً بجنين في بطن امه ومروراً بهوائها واراضيها ومياهها ومواطنيها.
السجلات تشير الى وجود انواع عديدة من العوق مثل تشوهات في الدماغ، او اختفاء الرأس بالكامل، او اختفاء الاطراف او طفل هو عبارة عن كتلة من لحم تختفي فيه كل ملامح الانسان. الاسلحة المحرمة التي استخدمت في الفلوجة يعد اليورانيوم أحد العناصر الكيميائية المشعة ونظرا لأن اليورانيوم المنضب واليورانيوم الطبيعي يحتويان على نظائر اليورانيوم الثلاثة نفسها، ولكن بنسب متفاوتة، فان هناك تشابها في الصفات الكيميائية بين اليورانيوم المنضب واليورانيوم الطبيعي.
وهناك أحجام مختلفة لأجزاء اليورانيوم المنضب وأكاسيد اليورانيوم، فمن أحجام كبيرة نوعا ما إلى أجزاء دقيقة جداً، يمكن استقرارها في الرئتين عن طريق التنفس. وحسب الأبحاث الطبية والعلمية، فإن أكثر أعضاء الإنسان حساسية وتأثرا بزيادة نسبة اليورانيوم في الجسم وتأثيراته الكيميائية هما الكليتين، حيث تموت وتدمر خلاياهما الأمر الذي يؤدي إلى نقصان فعاليتهما في تنقية السموم من الدم. كما يدخل اليورانيوم الى الجسم عن طريق بقايا تلوث من اليورانيوم المنضب على اليدين ومنها إلى الفم عند تناول الطعام، وتترسب كميات اليورانيوم المنضب التي امتصها الدم في الكليتين وفي أعضاء أخرى من الجسم، وينتقل إلى الكليتين نحو 6.4% من اليورانيوم المنضب القابل للذوبان عن طريق الاستنشاق، ونحو 0.3% من اليورانيوم المنضب غير القابل للذوبان عن طريق الاستنشاق أيضا، كما توضح النتائج الحديثة أن 2% إلى 5% من اليورانيوم المنضب القابل للذوبان يدخل جسم الإنسان مع الطعام عن طريق البلع بالفم يتم امتصاصه بواسطة الأمعاء، وقد يتأثر الكبد أيضا بالمعادن الثقيلة مثل اليورانيوم المنضب، كما اكدت دراسات علمية وعملية بعد حرب الخليج ان المواد المشعة تعد الأكثر خطورة لعدم القدرة على علاج التغيرات البايلوجية التي تحدثها في الجسم أو إعادة الخلايا إلى طبيعتها الأولية قبل الإصابة ,ومدى تأثيرها السيئ الذي يستغرق عشرات السنين، والذي يزيد من صعوبة علاجها هو اختفاء الأثر فور الإصابة وظهوره على المدى الطويل وعلى الذرية، يذكر ان الكثير من الجنود الامريكان العائدين من حرب الخليج كانوا ينجبون اطفالا مصابين بتشوهات خلقية.
ومن المعلوم ان الدخان المتصاعد من اليورانيوم المنضب يغطي مساحات كبيرة تصل لعشرات الأميال من مصدره، وبذلك يشكل خطورة على جميع الموجودين في ميدان المعركة أو في ساحة الحرب، حيث تنتقل جزيئات اليورانيوم المنضب الناتجة إلى مسافات بعيدة بواسطة الهواء. الفسفور الأبيض

قنابل الفسفور الأبيض عبارة عن سلاح يعمل عبر إمتزاج الفسفور مع الأوكسجين. والفسفور الأبيض مادة شمعية شفافة وبيضاء ومائلة للأصفرار، وهو يتفاعل مع الأوكسجين بسرعة كبيرة منتجا نارا ودخانا أبيض كثيف.
مدى الأذى الذي تسببه هذه القذيفة
1- حروق في جسد الإنسان قد تصل إلى العظام، كما حدث في الفلوجة.. 2- الفسفور الأبيض يترسب في التربة أو في قاع الأنهار والبحار، مما يؤدي إلى تلوثها ويسبب الضرر للإنسان.
3- القذيفة الواحدة تقتل كل كائن حي في منطقة يبلغ قطرها 150م.
4- استنشاق هذا الغاز يؤدي إلى ذوبان: القصبة الهوائية، والرئتين.. 5-دخان هذه القذيفة الفسفورية يصيب الاشخص بحروق لاذعة في الوجه والعينين والشفتين والوقاية تكون بالتنفس من خلال قطعة قماش مبلولة بالماء. العراق والإبادة المنظمة

في عام 1991 وقعت الحرب على العراق وأقر الأميركيون بأنهم استخدموا في هذه الحرب (940) ألف قذيفة يورانيوم و (14) ألف قذيفة دبابات، وقصفت المنطقة بحوالي (50) ألف صاروخ و (88) ألف طن من القنابل، وهو ما يعادل سبعة أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها مدينتا هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بعد قصفهما بقنبلة يورانيوم وقنبلة ثانية من البلوتونيوم، وبنهاية هذه الحرب كان قد تراكم ما بين 350 طنا الى 400 طنا من بقايا قذائف اليورانيوم المنضب مبعثرة عبر الأراضي التي وقعت فيها المعارك في العراق.
وكنتيجة لاستخدام هذه الاسلحة المحرمة دوليا وبحسب ما ذكرت جريدة "الاندبندنت" البريطانية آنذاك، فأن ضحاياها فيما بعد كانت نصف مليون طفل عراقي مصابين بالسرطان، كما مات نحو مليون طفل عراقي بسبب الأمراض الإشعاعية، كما ارتفعت نسبة التشوهات في المواليد في العراق.
ومن المتوقع أن تظهر هذه التشوهات "الأطفال المعاقة" بشكل أوضح وبنسبة أعلى في الأجيال القادمة من العراقيين، وفي الحرب الثانية في العراق ذكرت وزارة الدفاع الأميركية انها ستستخدم اليورانيوم المنضب ايضا، وعليه حذر مدير المركز الطبي لأبحاث اليورانيوم بواشنطن الدكتور آصف دراكوفيتش من مغبة استخدام هذه الاسلحة المحرمة دوليا قائلا: "أن ضرب العراق للمرة الثانية باليورانيوم المنضب يعني إبادة نحو 30% من شعب العراق"، إلا ان الواعظين في الادارة الاميركية لم يستمعوا لمثل هكذا تحذيرات.
في 20 اذار 2003 بدأت الحرب على العراق والقي ما يقرب من (1750) طنا اي ما يعادل 400000 قنبلة نووية مشابهة للقنبلة التي القيت على ناكازاكي اليابانية وما يعادل 5.5 مرة بقدر الكمية التي القيت عام 1991 في حرب الخليج الاولى على العراق. الفلوجة بين الفسفور الابيض واليورانيوم المنضب

في 31 آذار عام 2004 ضربت الفلوجة ولكن هذه المره استخدم الفسفور الابيض مع اليورانيوم المنضب، فحلت كارثة انسانية لم يسبقها مثيل.
يقول الدكتور عمار وجيه "في ستينيات القرن الماضي تم اكتشاف دواء يدعى ثاليدو ماليد، لم يتم اختباره مختبريا آنذاك وعندما تناولته النساء الحوامل ادى الى ولادة اطفال من دون اطراف او فاقدي لطرف او طرفين، هذا الدواء احدث ضجة في العالم، وتم تغريم الشركة التي انتجته، واليوم نرى العراق قد اصبح حقلاً للتجارب، ولا نجد من يطالب بحق الامهات اللواتي، اصبن بحزن شديد جراء هذه المأساة، نعم بعد 50 عاما على تلك المأساة من سيقاضي الاحتلال الاميركي ومن تعاون معه، فقد رأينا الكثير الكثير من التشوهات التي حصلت بفعل تعرض الامهات الى الاشعاعات الناتجة عن استخدام اسلحة محرمة وقنابل محشوة بمختلف السموم الفتاكة، ومن ابرز هذه التشوهات ولادة طفل باربع تشوهات خلقية في القلب وهو ما يطلق عليه (رباعية فالوت) (TOF)، هذا التشوه الخطير يؤدي الى اختلاط الدم النقي بالفاسد، وهؤلاء الاطفال وفي سن مبكرة جداً يعانون من الازرقاق، وبالتالي يصابون بضيق التنفس بشكل مستمر مع عجز القلب والذي يؤدي الى الوفاة بعمر 4-5 سنوات، ومن اهم اسبابه التعرض الى التلوث البيئي الناجم عن الاشعاعات الخطيرة، اما الاطفال الذين يولدون ميتين من دون رأس عدم نمو اعضائهم بحيث يولدون اشبه بكتلة لحمية تختفي فيها الملامح البشرية، هؤلاء يسببون آلاماً لا توصف لأهلهم خاصة ان معظمهم يولدون بعمليات قيصرية وتكون نتيجتها طفل ميت ومشوه تشويهاً بشعاً مما يزيد عمق الصدمة لدى الوالدين والأهل، وكل هذه التشوهات سببها الرئيسي تلك السموم التي ملأت اجواء العراق".
في أيلول- سبتمبر 2003 نشرت صحيفة "الواشنطن بوست" ان اكثر من 6 آلاف جندي أميركي تم سحبهم من العراق لاسباب مرضية، وسط مخاوف من وجود مواد إشعاعية، وكانت هذه المخاوف قد تصاعدت بعدما قام "سكوت بيتر سون" المحرر في جريدة "كريستيان ساينس مونيتور" بقياس مستوى الاشعاع في بعض مناطق بغداد وهو يرافق علماء عراقيين، حيث زوده العلماء بحصيلة البحث والتقصي عندما اكتشفوا ان المناطق السكنية مصابة، كما ذكر الصحفي بيترسون انه امضى مع مجموعة من رجال الصحافة الغربية ليلة اجتياح بغداد، بالقرب من موقع تم قصفه بقنابل اليورانيوم المنضب وقد حذرهم الجنود الأميركيون من عبور الطريق الى ذلك الموقع لوجود جثث وذخيرة حية اضافة الى تلوث الموقع باليورانيوم، وعندما اقترب الصحفي بيترسون من ذلك الموقع أشر جهاز قياس التلوث الاشعاعي على اقصى درجة تلوث، اي وصل الى الخط الاحمر.
كلاوس تويفر رئيس برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة يقول "هناك خطر على صحة الشعب العراقي نتيجة استخدام قذائف مضادة للدروع تحتوي على يورانيوم منضب، وان الاسلحة الكيمياوية التي تم استخدامها من قبل في الحروب ادت الى تلويث (الاراضي الزراعية) وبالتالي فانها حتماً ستؤثر على الانسان وتؤدي الى حدوث تشوهات مؤكدة".
دوج روكز الخبير بوزارة الدفاع الأميركية احيل الى التقاعد في اعقاب حرب 2003 بسبب انه تلقى شكاوى من 100 جندي أميركي قال الجنود فيها: "انهم في ورطة بسبب استخدام ذخيرة اليورانيوم وبعد اجراء التحاليل اتضح وجود مادة اليورانيوم في بول (514) مجند".
الدكتورة آمال السعيدي طبيبة اختصاصية في السونار تقول: "لقد وجدت من خلال عملي في التصوير الصوتي زيادة كبيرة في التشوهات الخلقية لدى الأجنة، وان كثير من هذه التشوهات ليس لها وجود في القاموس والكتب الطبية".
الاكاديمي في مجال الاعلام البيئي عمر المنصوري يقول: "بعد اقل من خمس سنوات على قصف الفلوجة ارتفعت حالات التشوهات الخلقية لدى الاطفال وحالات الاجهاض عند النساء، وهي موثقة بدقة".
تحقيق نشر في (BBC) اكد ارتفاع نسبة المواليد المشوهة في الفلوجة بتشوهات خلقية خطيرة غير معروفة سابقاً، كما اشار التقرير الى ان هناك احصائية تؤكد ان نحو 25% من المواليد الجدد في الفلوجة يولدون وهم مشوهون.
احدى التقارير الأوربية اكدت ان عام 2010 قد شهد ارتفاع نسبة التشوهات حيث بلغت عيوب القلب الولادية وحدها 95 لكل 1000 ولادة اي 13 مرة اعلى من المعدل في اوربا.
الطبيب (ر. ل.) الاختصاصي في العوق الولادي والذي يعمل في مستشفى الفلوجة يقول: "ان مئات الحالات تصل الينا منذ مطلع عام 2006 والاعوام التي تلته مصابة بانواع عوق متباينة، منها حالات التشوهات الشديدة في الدماغ وتشوهات البطن، وتشوهات في الاطراف السفلى والاعضاء التناسلية، تشوهات الدماغ الشديدة، وضمور الرأس، ASD، وحالات استسقاء الدماغ وضمور الرأس وفقدان جدار البطن وفقدان الاطراف، والكثير من هذه الولادات تنتهي بالموت".
واضاف الدكتور الذي فضل الاشارة الى اسمه بالحروف الاولى: "حقيقة ان الكثير من الحالات لا نتمكن من توثيقها بسبب عدم وجود كوادر توثيق وان هذا التسجيل والتوثيق هو بمجهودنا الفردي، لذا لم نتمكن من احصاء العدد القريب من العدد الحقيقي".
الدكتور جميل صدقي يقول "منذ عام 2009 والى نهاية الشهر الرابع للعام 2010 ونحن نستقبل عشرات الحالات يوميا مصابة بانواع مختلفة من العوق الولادي، منها (small ASD, VSD، large VSD, Tof TPDA T.O.F) وتشوهات في الاطراف.
اختصاصية تعمل ايضا في مستشفى الفلوجة: "اعمل في الفلوجة كاختصاصية اطفال ولاحظت ان هناك زيادة مخيفة في المشاكل التي تعاني منها المرأة الحامل، بدءا بالاجهاضات الكثيرة يوميا، وكذلك زيادة في العقم والتشوهات التي باتت من الحالات اليومية التي نتعامل معها، واستقبل بين 50-60 حالة، اغلبها يعاني من مشاكل صحية وقد وضعت امام مكتبي سجل لجميع الحالات ووجدت ان الاجهاض لاسباب غير معروفة يأتي في المرتبة الأولى ثم التشوهات الغريبة والمخيفة بل قل المرعبة ثم حالات العقم، وايضا لا حظت من خلال المعلومات التي ادونها ان الحالات التي لا تعاني من مشاكل صحية عديدة لم تكن تسكن اثناء الهجوم الوحشي في الانبار وبالتحديد في الفلوجة".
شبكة (سكاي نيوز التلفزيونية) ذكرت في تقرير لها: "ان ارتفاع عدد الاطفال المشوهين في الفلوجة ناتج عن استخدام قوات الاحتلال الأميركي لاسلحة كيمياوية او فوق التقليدية عند اجتياحها للفلوجة قبل خمس سنوات".
واضافت: "ان تحقيقا صحفياً قامت به قبل فترة أظهر تزايد عدد الاطفال الذين يولدون مشوهين في الفلوجة، ومعظم هذه التشوهات تؤدي الى موت الاطفال إما حين الولادة او بعد مرور مدة قصيرة من الزمن".
واشارت شبكة "راي التلفزيونية الايطالية" الى ان قوات الاحتلال الأميركي في العراق استخدمت الفوسفور الابيض المحرم دولياً ضد المدنيين في العراق وخاصة في الفلوجة، وقد قمنا بتوثيق مشاهد لجثث انتشلت بعد هجوم شنته القوات الأميركية عام 2004 في الفلوجة تثبت استخدام الفوسفور الابيض ضد الرجال والنساء والاطفال الذين احترقت اجسادهم ولم تبق إلا العظام".
وذكرت صحيفة الاندبندنت البريطانية: "هناك قلق في بريطانيا أزاء تقارير تتحدثت عن تزايد اعداد الذين يولدون بتشوهات خلقية في العراق على مدار سبع سنوات بسبب استخدام القوات الأميركية والبريطانية اسلحة ممنوعة.
واضافت الصحيفة "هناك ادلة على تزايد الولادات المشوهة، وهذا خرق للمعاهدات والاتفاقيات وجميع الاعراف الدولية فهذه جرائم حرب". مع اهالي الفلوجة

تقول الأرملة (م.ر.) فقدت اثناء القصف الأميركي الوحشي على منطقتنا زوجي واربعة من اطفالي وكنت حاملا في الاشهر الاولى ففوضت امري الى الله عز وجل فهو المنتقم الجبار، وبتأريخ 28-1-2005 جاءني المخاض فذهبت الى مستشفى الفلوجة، وكم كانت طويلة وصعبة تلك الساعات، وكأنها دهر مليئة بالمخاوف وقد كانت تلك المخاوف حقاً في محلها، فقد اخبرني الاطباء بأن طفلي مصاب بتشوهات شديدة في الدماغ وفقدان الاطراف اضافة الى فقدان جدار البطن، وما هي إلا ساعات قليلة بعدها فارق الحياة، وحين سألت عن سبب هذه التشوهات جاءني الرد بأنه كان بسبب ما تعرضت له من اشعاعات نتيجة القصف الذي استخدمت فيه الاسلحة والمواد التي تسبب مثل هذه التشوهات، ولكم ان تتخيلوا معاناتي وحزني وألمي ومع هذا صرخت باعلى صوتي (حسبي الله ونعم الوكيل). في حين قالت السيدة (هـ.ك.): بتأريخ 18-11- 2009، احسست بآلام المخاض فذهبت الى المستشفى للولادة، وبعد آلام واوجاع شعرت بها، قدر الاطباء هناك اجراء عملية قيصرية لي لصعوبة حالتي، وبعد ساعات طويلة مرهقة وتوسلات ومناشدات بأن يسمحوا لي برؤية طفلي الصغير، قالوا لي ان طفلك مصاب بتشوهات في الاطراف السفلى والاعضاء التناسلية، وقالوا هو الآن في غرفة الخدج، وقد بقيت مرابطة امام باب الخدج، على أمل ان التقي الطبيب المختص، واخيرا تحقق املي في رؤية من يطمئن قلبي، ولكن ذلك كان من ضرب الخيال، فحين خرج الطبيب اكد ان طفلي قد توفي، وبعد ان اردت ان تشرح لي المستشفى سبب ذلك قالوا لي ان امثال حالتك مئات بل آلاف الذين يسكنون هذه المدينة قد تعرضوا لمثل حالة طفلك، ان لم يكن اقسى منها.
اما الأم (و.ع.ر) فذكرت معاناتها لنا بعد ان افرغت بعضا مما يكتنفها من ألم بوجه كادرنا قائلة: "انتم الصحفيون تأتون وتذهبون دون فائدة، وتتركونا هنا نعاني وتنتهي حياة اطفالنا قبل ان يروا ضوء الشمس، ذهبنا الى وزارة الصحة فلم يعيروننا اذانا صاغية، وقالوا انهم غير قادرين على مساعدتنا!!، اما وزارة حقوق الإنسان التي تتباكى على الأمس، ولا تبكي على مآسي وجرائم اليوم ولا تحرك ساكنا للمطالبة بحقوقنا، والمنظمات الإنسانية فقد توقفت مساعداتها عند مدخل الفلوجة ولم يصلنا شيء"، ثم أكملت لنا السيدة بعد ان كففت دمعها، وأدركت اننا جئنا كي نكشف مأساتهم للرأي العام وهذا ما دفعنا لزيارتهم، قائلة: "بتأريخ 10-12-2009، ذهبت الى مستشفى الفلوجة لكي ألد، وبعد معاناة طويلة وآلام قاموا بإجراء عملية قيصرية لي، وبعد ساعة واحدة جاءتني الممرضة لتخبرني اني قد انجبت انثى ولكنها ماتت لأنها مصابة بتشوه شديد، وبعد ان توسلت اليها لتخبرني عنها اجابتني ان ابنتك ولدت بدون رأس فقام زوجي بأخذها فوراً ودفنها كي لا يعلم بها أحد لأسباب عائلية خاصة.
اسماء كثيرة تعرفنا على معاناتها تحمل انواع عديدة من العوق وكما مبين ادناه، اخذنا عينات من تأريخ 1-1-2010ولغاية 1-5-2010:
تشوهات في القلب والصدر (TOF\Q24) وعددهم (200)، تشوه القدم (Q66) عددهم (50)، استسقاء الدماغ (Q00) عددهم (60)، ورم في الدماغ ولادي (Q07) عددهم (10)، التهاب الاعصاب مع سقوط القدمين (Q74) عددهم (10)، سحائية ولادية (Q01) عددهم (20)، تلف في الدماغ مجهول السبب (Q04) عددهم (11)، ضمور الرأس (Q00) عددهم (10)، فقدان جدار البطن، تشوهات شديدة في الدماغ، تشوه سقف الحلق، اختفاء الاصابع، زيادة عدد اصابع الاطراف السفلى والعليا، طفل منغولي مع تشوه القلب (Q24+Q04)، تشوه القلب والقدمين، ضمور الدماغ، صغر حجم الدماغ مع تخلف عقلي.
طبيب اختصاصي اكد قائلا: "ان هذه الاحصائية تمثل جزء لا يتجاوز ثلث الموجود الفعلي من التشوهات الخلقية لصعوبة متابعة جميع الحالات وخاصة ما هو موجود بين مراجعي العيادات الاستشارية حيث ان الزخم الموجود في الاستشارية (نحو 85 مراجع على الأقل) يجعل من الصعوبة التفرغ للتسجيل والتوثيق اضافة الى الحالات العديدة التي لا تتمكن من الوصول الى المستشفى، او الذي يولد ميتاً ويدفن مباشرة بدون ان يسجل او الذي يرفض ذووه اعطاء المعلومات عنه لتوثيقها، وهناك ايضا العديد من الحالات التي ترد الى العيادات الخاصة لجميع الزملاء (اطباء الاطفال جميع اقسام الجراحة) والتي لا توثق بشكل كامل، ايضا لعدم امتلاك الاطباء وقتا كافيا للتوثيق، وعدم وجود كادر متخصص للتوثيق اضافة الى الاطفال الذين يموتون في منازلهم بدون ان يعرضوا على الطبيب بسبب الممانعة لاسباب اجتماعية من العوائل.
ادلة دامغة ووقائع طبية موثقة علمياً لا ينقصها سوى ان تخرج الجهات المسؤولة من صمتها امام تلك الجريمة الانسانية بدءا من وزارتي الصحة وحقوق الانسان وانتهاء بالمنظمات الانسانية العالمية والحقوقية، فهي جريمة قد وقعت مع سبق الاصرار والترصد، فالجاني معروف والمجني عليه موجود في كل بيت وعائلة، ولكن يبقى السؤال المطروح من سيأخذ حق هؤلاء المواليد الابرياء وحق الامهات في ان يحلمن بانجاب اطفال اصحاء وهو حق مشروع وطبيعي لهن.