الطريق سالكة أمام تيريزا ماي لخلافة كاميرون

ثاني امرأة بعد تاتشر قد تتولى رئاسة الوزراء

لندن – أعلنت لجنة حزب المحافظين رسميا فوز تيريزا ماي وزير الداخلية بالسباق على زعامة الحزب، ما يفتح أمامها الطريق لرئاسة الوزراء وهو ما ألمح اليه رئيس الوزراء المستقيل ديفيد كاميرون.

وأعلن كاميرون الاثنين أنه سيستقيل من منصبه الأربعاء لتمهيد الطريق أمام تيريزا ماي لتولي رئاسة الوزراء في نفس اليوم.

وقال إنه يتوقع أن يرأس الثلاثاء اجتماع الحكومة ثم يرد على الأسئلة في البرلمان لمدة 30 دقيقة تقريبا اعتبارا من الساعة 11.00 بتوقيت غرينتش يوم الأربعاء.

وقال كاميرون أمام مقر الحكومة للصحفيين "بعد ذلك أتوقع الذهاب إلى قصر باكينغهام لتقديم استقالتي. وبهذا سيكون هناك رئيس وزراء جديد في المكتب الموجود خلفي بحلول مساء الأربعاء."

واصبحت ماي الاثنين المرشحة الوحيدة لخلافة كاميرون بعد انسحاب منافستها وزيرة الدولة للطاقة اندريا ليدسوم من السباق على زعامة الحزب.

واعلنت ليدسوم في تصريح الى الصحافة انسحابها من السباق، مشيرة الى ان تيريزا ماي اكثر قدرة على تنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

وقالت ان ماي "هي الشخص المثالي لتنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي (البريكست) بأفضل الشروط التي تخدم الشعب البريطاني".

وصرحت ليدسوم التي تعرضت لانتقادات شديدة بعد ان ألمحت الى انها اكثر أهلية لمنصب رئاسة الوزراء من ماي لأنها أم، ان السباق الطويل على زعامة الحزب "ليس محبذا" بالنسبة لها.

وفي هذا اليوم الحافل للسياسة البريطانية، اطلقت نائبة حزب العمال انجيلا ايغل كذلك حملتها لتولي زعامة حزب العمال المعارض خلفا لجيرمي كوربن.

واستقال كاميرون بعد ان فشل في اقناع البريطانيين بالتصويت للبقاء في الاتحاد الاوروبي في الاستفتاء الذي جرى في 23 يونيو/حزيران ومن المقرر اعلان خليفته في 9 سبتمبر/ايلول.

ولم يتضح ما اذا كانت ماي ستصبح تلقائيا رئيسة الوزراء المقبلة أم اذا كان نواب حزب المحافظين سيختارون مرشحا اخر لمنافستها لضمان حدوث سباق على المنصب.

واطلقت ماي (59 عاما)، التي قد تصبح اول امرأة تتولى رئاسة الوزراء بعد مارغريت تاتشر، حملتها السياسية الاثنين معلنة أنها ستقود بريطانيا في عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي رغم أنها دعمت معسكر "البقاء" في الاتحاد قبل الاستفتاء.

وقالت ماي في تصريحات تلفزيونية "قرار البريكست نهائي وسنقوم به بنجاح".

واضافت "لن نبذل أية محاولات للبقاء داخل الاتحاد الاوروبي ولن نسعى الى اعادة الانضمام من أبواب خلفية ولن نجري استفتاء ثانيا سأضمن أن نغادر الاتحاد الاوروبي".

وكانت ماي وعدت ببدء المحادثات الرسمية للخروج من الاتحاد الاوروبي بنهاية العام في أقرب وقت ممكن في وقت يضغط زعماء دول الاتحاد على بريطانيا لتسريع البدء في هذه المحادثات.

غموض وعدم استقرار

وأدخل التصويت على الخروج من الاتحاد الاوروبي الاقتصاد البريطاني في حالة من الغموض وعدم الاستقرار، كما أحدث حالة من الفوضى في الحزبين الرئيسيين اللذين يهيمنان على السياسة البريطانية.

وفي اعلانها اطلاق حملتها لزعامة حزب العمال، قالت ايغل "هذه اوقات مظلمة لحزب العمال وهي أوقات خطيرة على بلادنا".

واضافت ان "جيرمي كوربن غير قادر على القيام بالدور القيادي الذي تحتاجه هذه الخطوة العملاقة. واعتقد انني استطيع ذلك"، في اشارة الى عملية البريكست.

وقالت ان "هذا التصويت هو رسالة للملايين في هذا البلد الذين شعروا لفترة طويلة ان لا احد يستمع اليهم وبالنسبة للعديد منهم فقد كانت صرخة ألم".

وكان كوربن يتمتع بتأييد واسع بين اعضاء حزبه، الا انه خسر ثقة ثلاثة أرباع نواب حزب العمال على الأقل.

والغالبية العظمى من نواب الحزب لا يعتقدون أن كوربن يستطيع أن يقودهم الى فوز في الانتخابات العامة وكان الاستفتاء على البريكست هو القشة الأخيرة.

وتعتمد المنافسة على زعامة حزب العمال على قرار اللجنة الوطنية التنفيذية الحاكمة لحزب العمال والتي تقرر ما اذا كان كوربن يحتاج للترشح لدخول السباق أم أنه سيدخله بشكل تلقائي.

وقالت ديان أبوت الموالية لكوربن لإذاعة البي بي سي "ان عدم وجود الزعيم الحالي للحزب على قائمة المنافسين يتناقض مع جميع قوانين العدالة والنزاهة الطبيعية".

وأضافت أن "موقف انجيلا ايغل غريب حيث أنها ترغب في تحدي القيادة ولكنها لا ترغب في أن يشارك الزعيم في التصويت".

وتابعت "انجيلا ايغل صوتت لصالح الحرب على العراق وغير ذلك"، بينما قال البروفيسور ايان بيغ من كلية لندن للاقتصاد ان الانقسامات "تدمر حزب العمال".

الا انه أوضح أنه اذا شارك كوربن في السباق على الزعامة فإن تلك ستكون "خطوة تأتي بنتائج عكسية" لأنه من المرجح أن يعيد أعضاء الحزب انتخابه.

والاثنين بعث أكثر من الف محام رسالة الى كاميرون يطالبون فيها بأن يصدر البرلمان قانونا قبل أن يفعّل رئيس الوزراء المقبل المادة 50 من معاهدة لشبونة والذي يؤذن ببدء عملية الانسحاب من الاتحاد الاوروبي.

ودعوا الى تشكيل لجنة مستقلة "لتلقي أدلة وتقرير خلال فترة قصيرة محددة حول فوائد وتكاليف ومخاطر تفعيل المادة 50 على المملكة المتحدة بشكل عام وعلى جميع سكانها".

المرأة الحديدية

وعرفت تيريزا ماي تماما كيف توازن بين الاجنحة المؤيدة للخروج من الاتحاد الاوروبي داخل حزب المحافظين والاجنحة الرافضة لهذا الخروج، ما سمح لها بتقديم نفسها مرشحة توافق لقيادة هذا الحزب وبالتالي ترؤس الحكومة.

واكد كاميرون ان ماي ستصبح رئيسة للحكومة بحلول الاربعاء.

والمعروف عن ماي انها من المشككين في المشروع الاوروبي، الا انها فضلت مطلع العام البقاء وفية لرئيس الحكومة كاميرون وانضمت الى صفه في الدفاع عن البقاء داخل الاتحاد الاوروبي.

الا انها قامت بالحد الادنى في هذا الاطار وواصلت الكلام عن ضرورة الحد من تدفق المهاجرين ما قربها من معسكر دعاة الخروج.

وتعتبر تيريزا ماي النحيفة الطويلة القامة ذات الشعر الرمادي القصير، أقرب الى التيار اليميني المحافظ داخل الحزب، رغم طرحها بعض المواضيع الاجتماعية لجذب المؤيدين.

وفي وزارة الداخلية التي تتسلمها منذ العام 2010 انتهجت خطا متشددا جدا، أكان في تعاطيها مع المنحرفين أو المهاجرين السريين أو الدعاة الاسلاميين.

واذا كان البعض يأخذ عليها افتقارها الى الجاذبية، فإنهم يقرون لها بكفاءتها ويتهمونها ببعض التسلط، فهي قادرة على ان تكون "حازمة جدا" حسب الدايلي تلغراف، ما دفع البعض الى القول عنها انها "مارغريت تاتشر الجديدة".

الا انها تبدو أقرب الى انغيلا ميركل المستشارة الالمانية، حيث ان والدي الاثنتين قسان وهما محافظتان عمليتان منفتحتان للتسويات ولا اولاد لهما.

وعندما وصفت نفسها، قالت تيريزا ماي "انا لا اجول على محطات التلفزة ولا احب الثرثرة خلال الغداء ولا احتسي الكحول في حانات البرلمان ولا أوزع العواطف المجانية. انا اقوم بعملي لا أكثر ولا أقل".

امرأة صعبة

وقال عنها النائب المحافظ والوزير السابق كينيث كلارك انها "صعبة فعلا" فردت على هذا التعليق مازحة "وأول من سيلاحظ ذلك سيكون جان كلود يونكر" في اشارة الى محادثات الخروج المتوقعة مع رئيس المفوضية الاوروبية.

وولدت تيريزا برازييه في الاول من أكتوبر/تشرين الاول 1956 في مدينة ايستبورن على الشاطئ الجنوبي الشرقي لإنكلترا من أب هو قس انغليكاني. وبعد دراستها الجغرافيا في اوكسفورد وعملها في مصرف انكلترا دخلت العمل السياسي عام 1986 وانتخبت مستشارة لقطاع ميرتون في لندن.

وبعد فشلها مرتين انتخبت في المرة الثالثة عام 1997 نائبة عن قطاع مايدينهيد المزدهر في منطقة بركشاير في جنوب انكلترا.

وخلال العامين 2002 و2003 اصبحت المرأة الاولى التي تتسلم الامانة العامة لحزب المحافظين. وذاع صيتها عندما القت خطابا وصفت فيه المحافظين عندما كانوا متشددين جدا في يمينيتهم، بأنهم "حزب الاشرار (ناستي بارتي)" ما اغضب الكثيرين من انصار الحزب.

وبين 1999 و2010 تسلمت مراكز عدة في حكومة الظل للمحافظين. وفي عام 2005 قدمت الدعم لديفيد كاميرون في حملته لترؤس الحزب.

وعندما اصبح كاميرون رئيسا للحكومة عام 2010 كافأها بتسليمها وزارة الداخلية التي بقيت فيها عند اعادة انتخابها عام 2015.

وتقول احدى المتعاونات معها "ان لدى تيريزا ماي قدرة هائلة على العمل وهي جد متطلبة" مضيفة "لا تحب المجازفة وهي موضع ثقة".

الا انها تفتقر الى الدفء الانساني والى القدرة على التواصل لذلك وزعت أخيرا عددا من صورها الشخصية وهي تتأبط ذراع زوجها المصرفي فيليب جون ماي او خلال زواجها في الكنيسة عام 1980.

وتقول تيريزا ماي انها تحب رياضة المشي والطبخ. وهي قادرة على ان تكون منفتحة على المزاح في حلقاتها الضيقة. واذا كانت تحرص دائما على أن تبدو جد كلاسيكية في ثيابها فهي لا تفوت فرصة لارتداء حذاء جذاب ملفت للنظر.