'الطريق إلى مكة' يُحرف في مكة

كتب ـ إبراهيم الهطلاني
لا تُضحكوا علينا العالم

في نهاية عام 1952، وبعد أن استقال من عمله في وزارة الخارجية الباكستانية، بدأ النمساوي محمد أسد كتابة مذكراته ومشاهداته خلال رحلته الصحراوية التي قام بها عام 1932، وهو في طريقه إلى مكة المكرمة، وكان المؤلف ليوبولد فاس ينتمي لعائلة نمساوية يهودية قبل أن يسلم ويغير اسمه إلى محمد أسد ويتزوج في الحجاز وينجب ابنه طلال.
هذه التحفة الأدبية وبعنوانها الجميل "الطريق إلى مكة" تم تشويهها بعمل قدم له الشيخ صالح الحصين الرئيس العام لشؤون الحرمين، وفي الغالب لم يكن الشيخ يعلم أنه يكتب تقديما لكتاب تم اللعب في مضمونه، لأنه لم يشاهد النسخة الأصلية من الترجمة.
نُشر الكتاب الأصلي عام 1954 تحت عنوان THE ROAD TO MECCA طباعة SIMON AND SCHUSTER وقام الصديق الدكتور رفعت السيد علي بترجمته لحساب مؤسسة التراث في السعودية، وبعد تجميد العمل لما يقارب سنتين قامت المؤسسة ببيع حقوق نشره لمكتبة الملك عبدالعزيز العامة التي طبعته بدورها ونشرته في محرم 1425هـ/2004 كما هو مكتوب في مقدمة الطبعة رغم انه لم يُطرح للبيع إلا في الفترة الحالية أي بعد انتقال الحقوق ببضعة سنوات أي بعد طرح النسخة المصرية (الكاملة) في القاهرة وقد أحضرت معي نسخة منها.
والنسخة المصرية التي طبعها المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2005 لم تطرح للبيع إلا عام 2006 بشكل حصري في مكتبة المجلس في مجمع الأوبرا في القاهرة، وبيعت نسخ كثيرة من هذه الترجمة الكاملة حتى أصدر رئيس المجلس قرارا بوقف البيع بناء على طلب الناشر السعودي.
وخلال استعراضي للنسختين المصرية والسعودية وجدت بينهما اختلافا واضحا وملفتا من ناحية الحذف والإضافة رغم أنهما لمؤلف واحد ومترجم واحد.
ورغم أن النسخة السعودية تميزت بطباعتها الفاخرة وبتصحيح بعض أسماء الشخصيات والقبائل والأماكن التي وردت أخطاء في ترجمتها، إلا أنها تعرضت لتشويه مقص الرقيب بشكل واضح في عدد من مقاطع الكتاب، خاصة في الفصل السادس (أحلام) وتحريف بعضه الباقي، ويبدو أن أسباب الحذف والتحريف سياسية لأن الفصل يتناول الملك عبدالعزيز وسياسته، وكان بإمكان ناشر النسخة السعودية (الفخمة) ترك الترجمة كما هي والتعليق أو التوجيه بما يريده في هامش الكتاب، ولا أقل من وصف ما قام به ناشر النسخة السعودية بأنه تصرف يتناقض مع أبسط قواعد الأمانة العلمية والنزاهة الأدبية.
ولا أعلم تحديدا إن كان المسئول عن عملية التحريف هي مؤسسة التراث أم مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، أم أن هناك جهة أخرى تدخلت في هذا الموضوع، إلا أنني أعلم أن المترجم قدم الترجمة كاملة إلى مؤسسة التراث صاحبة العقد الأول مع المترجم، وبصرف النظرعن خلفيات المشكلة بين الناشر السعودي والمجلس الأعلى، لابد من إدانة هذا العمل على الأقل بمنطلقاته الثقافية والأدبية، والتصدي لأي ناشر مهما كانت صفته إذا ما حاول التصرف في مضمون المادة المنشورة بالحذف أو الإضافة ما دام أنه لا يملك موافقة خطية من المؤلف أو ورثته.
إن النسخة الأصلية للمؤلف قبل الترجمة متوافرة في أيدي المهتمين وفي المكتبات الخارجية، كما أن النسخة المصرية المترجمة تم بيع أعداد كبيرة منها وقرأها أصحاب الاختصاص خاصة في السعودية، وأتوقع ظهور طبعة جديدة ومترجمة بالكامل إلى العربية خلال الفترة القليلة القادمة، لذلك سيندم الذين دفعوا أموالهم في النسخة السعودية كما ندمت أنا.
وحتى هذه اللحظة لم يظهر لي المنطق في تصرف ناشر النسخة السعودية وما هي النتيجة التي سيجنيها من طباعته لكتاب تاريخي مهم بهذا الشكل المشوه، هل يتوقع صاحب دار نشر أو مدير مكتبة أو أي مسئول عن المطبوعات أنه بهذه التصرفات الظلامية سيغير التاريخ! أم يجمله!
إننا نعرف تاريخنا ونحفظه بكل تفاصيله، فلا تُضحكوا علينا العالم. إبراهيم الهطلاني ـ كاتب سعودي Hemah99@hotmail.com