الطريق إلى سياحة فرنسية

بعد عمر طويل يأتيك الفرج بالموافقة

في هذا اللهب العربي الحارق، تتجه للسياحة في فرنسا، ليس للتخفيف من حرارة الصيف، بل للتخفيف من وطأة الحرائق المشتعلة في وطننا العربي لإخماد ما سمي بالربيع العربي. وحيث إن بلادنا العربية معظمها صحاري، فلا أعرف من اهتدى إلى هذا الاسم "الربيع العربي". هل كان ساخراً بنا، وبصحارينا الربيعية المزهرة؟!

بعد جهد جهيد، ومطاردات أطول بكثير من مطاردات هاجر المصرية بين الصفا والمروة، لإحضار شهادات للسفارة الفرنسية، تثبت خلوك من الأمراض الإرهابية التي طعّموها للعرب مثل تطعيم الأمراض المُعدية، ثم وصموهم بها زوراً وبهتاناً، والعرب منها براء.

وبناء على طلباتهم الكثيرة، تحضر جواز سفرك، ثم تحضر شهادة مختومة ومصدقة أنك موظف، ثم شهادة تثبت أنك تتقاضى راتباً شهرياً. ثم شهادة تؤكد أنك في إجازة رسمية من هذه الوظيفة التي أنت مرتبط بها، ثم يطلبون منك شهادة تثبت أن لك رصيداً بنكياً يكفي مصاريف فرنسا ويفيض عنها إلى أبد الآبدين، كي لا تتبدد نقودك، وتقعد هناك طالباً المساعدة ممن لا يتعرفون حتى على أولادهم. ثم يطلبون منك شهادة تبين حركة إيراداتك المالية، ونفقاتك المارة بالبنك خلال ستة أشهر.

ثم يشترطون عليك إحضار تذكرة سفر ذهاباً وإياباً، كي لا تسافر يا حبيبي ولا ترجع بالسلامة. ثم يطلبون منك إيصالاً رسمياً لحجز فنادق فرنسية بقدر الأيام التي ستقضيها هناك.

تقول لهم: طيب.. وإذا لم تعطوني تأشيرة دخول الأراضي المقدسة، ماذا أصنع بالفنادق وتذاكر السفر التي سأدفع ثمنها "الشيء الفلاني"؟ يقولون لك:

"هذه تعليمات.. يجب تنفيذ المطلوب، وإلا فلا..". تقول صاغراً: "حاضر."..

تسعى هنا وهناك، في حر عمان اللاهب، وتصبر على زحمة سير سيارات الصيف والمصطافين، وتقف تحت الشمس في طوابير لا أول لها ولا آخر، لتحقيق شروط السبق في الفوز بالجنة الموعودة.

تعود إلى سيارتك الواقفة على أقصى اليمين، فتجد عليها ورقة مخالفة بخمسين ديناراً. تلتقطها وتحشرها مجبوراً في جيبك، وتعود إلى بيتك محزونا.

وبعد تقديم كل الوثائق الثبوتية، يطلبون منك انتظار الموافقة أو الرفض بعد 14 يوماً لتذهب هذه الأوراق حزمة واحدة مجتمعة إلى باريس، وترجع بالسلامة، ممهورة بالموافقة عليها من الباب العالي الفرنسي.

وحسب تعليماتهم ، تنتظر كل هذا الزمن وأنت تكلم نفسك قائلاً:

"لماذا يعذبنا الغرب .. كل الغرب.. كل الناتو... كل الأطلسي.. كل رأس المال العظيم، بهذه المطالب، بينما يدخل الواحد منهم بلادنا بدون إحم ولا دستور، وهو يدفش بواباتنا ببسطاره ويدخلها "بسلام آمنين"؟

بعد عمر طويل يأتيك الفرج بالموافقة، فتحزم حقائبك أنت والعائلة، وتغادر فوراً، قبل أن يزعل الخواجا ويلحس توقيعه.

في مطار عمّان تجدهم يحدقون في جواز سفرك، وهم يتفحصون أهم صفحة فيه، وهي وجود تأشيرة دخول إلى فرنسا.

تطير الطائرة من عمان، ثم تهبط في مطار أتاتورك - اسطنبول.

الوقت ما بين هبوط طائرة عمان، وإقلاع طائرة باريس هو ساعة واحدة فقط.

تصل الطائرة التركية وتقف وتدرج على أرض المطار بهدوء واتزان، إلى أن يفتحوا باب السماء، فيسمحوا للركاب بالخروج. وهذه التأنيات تأخذ منهم حوالي نصف ساعة، بينما تطلب منك الطائرة التركية المتجهة إلى باريس التواجد أمام حاجز الدخول قبل ساعة.

تنزل من الطائرة مع أطفالك وزوجتك جرياً. تراقب شاشات برامج إقلاع الطائرات. تكون بوابة الصعود بعيدة جداً جداً، فتركض وتركض بين الناس الملهوفين مثلك مع أطفالك المرعوبين خوفاً من قيام الطائرة بدونهم، وهم محملون بحقائب الظهر الثقيلة، لدرجة تشعر أن بوابة دخول الطائرة قريبة من القمر.

تركض بينما أنت تحسد الناس المسترخين في الممرات، الذين لديهم ساعات إضافية لا يعرفون ماذا يفعلون خلالها.

وفي الطريق، يعطلك وقوف المسافرين في طابور طويل للتفتيش. تفتيش كل شيء، حتى حذاءك الذي لا تخلعه إلا في المسجد.. تجدك تخلعه هنا وأنت صاغر.

بتسهيلات المولى وتأخر طائرة باريس عن الإقلاع، تصل وهم يكتبون على الشاشة (النداء الأخير...النداء الأخير..) تدخل أنبوباً ضيقاً يشبه أنبوب فحص الرنين المغناطيسي في المستشفيات الفخمة. تربط الحزام. تطير الطائرة من اسطنبول وتهبط في باريس.

صبحي فحماوي ـ روائي وكاتب عربي