الطحاوي: كل مثقف شريف لا بد أن ينضم إلى ثورات الشعب العربي

أبوظبي ـ من محمد الحمامصي
الشعب يريد إسقاط الفساد

صعدت رواية "بروكلين هايتس" للكاتبة الروائية ميرال الطحاوي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، وفازت بجائزة نجيب محفوظ التي منحتها الجامعة الأميركية للروائية المصرية، فضلا عما حظيت به من احتفاء نقدي كبير منذ صدورها في وقت مبكر من العام 2010 عن دار ميريت.

وهي تتناول قصة "هند" امرأة مطلقة وأم وحيدة مع طفلها البالغ من العمر سبع سنوات، تترك مصر إلى الولايات المتحدة، في رحلة أقرب إلى أن تكون بحثا عن الذات. وتتداخل وتتشابك فيها تفاصيل الذكريات وخباياها مع واقع مدينة نيويورك وأروقة بروكلين.

الطحاوي التي تشارك في أكثر من لقاء في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 21 للعام 2011، ولدت في محافظة الشرقية لأسرة بدوية من قبيلة الهنادي، وحصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة عام 2006 واختارت الرحيل إلى الولايات المتحدة لتقوم بالتدريس بإحدى جامعاتها، وصدرت لها روايات "الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" و"نقرات الظباء" إلى جانب مجموعة قصصية "ريم البراري والمستحيل".

• تشكل روايتك "بروكلين هايتس" امتدادا لذات متمردة على آليات القمع الاجتماعية والإنسانية في المجتمع الشرقي تجلت في أعمالك الروائية السابقة "الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" و"نقرات الظباء"، فهل نستطيع القول إن هذا الأمر يشكل مشروعك الروائي؟

** استطيع أن أقول لك بكل صراحة إن جيلنا بالكامل وربما لأجيال سابقة وتالية هو نتاج لهذا القمع، ربما كانت فكرة التمرد أبعد في حياتي بكثير، فمجموعتي القصصية الأولى هي بورتريهات لبطلات انكسرن تحت مقصلة واقع اجتماعي ثقيل، ورسالتي للماجستير كانت عن التمرد في النص القصصي، تمردت في حياتي كثيرا من اليمين لليسار، تمردت مبكرا على أسرتي وتمردت على تجارب الكبار في الكتابة واتخذت مواقف أثارت جدلا، ولا أرى في التمرد عيبا، كنت وما زلت أراه شرفا ورغبة في التحرر، التمرد وعي مخالف وتوق للتغير على مستوى الكتابة والقيم، وأعتقد أن التمرد ضرورة، لأن الكثير من القيم الاجتماعية والثقافية في حاجة لخلخلة وإعادة بناء.

• تقتربين كثيرا في أعمالك وخاصة في "بروكلين هايتس" من قضايا الوعي بالذات والجسد وما تمارسه التيارات السلفية والتشدد الديني في هذا الصدد، فهل برأيك تمثل التيارات الدينية مصدر تهديد حقيقي للوعي الإنساني في مجتمعاتنا؟

** التيار الديني كان موجودا ومرافقا لكل تاريخنا الحديث، مثلت شخصية حسن البنا أسطورة لدى جيلي كانت صورته في مواجهة صور السادات هي ساحة الصراع على مفاهيم الحياة رسمت في "الباذنجانة الزرقاء" هذه الحيرة بين الرغبة في التمرد والخوف منه يصبح الجسد هو الساحة الأولى للتمرد في "بروكلين هايتس" أردت رسم التحولات الدينية على جسد المجتمع المصري، كنت أحاول تأريخ هذا التحول في قرية صغيرة وانعكاساته في مدينة كبيرة مثل نيويورك، اليمن وأفغانستان والخليج والنفط، وكل مما ترك أثره على جسد الوطن.

في الحقيقة علاقتي بالإخوان مربكة مثل كل المصريين من ناحية أنا أراهم جزءا من النسيج الوطني وهم أيضا جزء من حركة النضال الاجتماعي لا يمكن إنكاره لكن بنفس القوة أرفض من حكم تجربتي معهم أن يصبحوا هم القوة الفاعلة في الشارع السياسي، وأحلم مثل الجميع بدولة مدنية حقوق البشر مكفولة بصرف النظر عن اللون والعرق والدين، وأعتقد أن الجدل السياسي الدائر حول ذلك كان أيضا يدور في ذهني وأنا أكتب "بروكلين هايتس".

هذا الخوف من الإسلام السياسي وأسلمة الشارع جزء من مخاوف الجميع شرقا وغربا وهو مأزق حقيقي، لكن رغم ذلك تظل الحركة الإسلامية في كل البلاد العربية جزءا من نسيج العمل السياسي اختلفت أو اتفقت معهم، وهي أيضا التجربة التي انزلق إليها أجيال من الشباب الذين آمنوا بأن الحركة الإسلامية وحدها هي الجهة الفعالة، والتي تملك التغيير وتملك الشارع حتى جاءت ثورة يناير، وأثبتت لنا حميعا أن هناك تغييرا يأتي من قوى وطنية شابة ليبرالية متعددة الاتجاهات، وهذا ما يثير البهجة والأمل.

• أستطيع أن أرى اختلافا على مستوى السرد والرؤية في "بروكلين هايتس" عنه في رواياتك السابقة، لكن مرآة ذاتك ماضيها وحاضرها تجمع بينها وبين أعمالك السابقة، هل تلعب الذات دور الرئيس في تشكيل أعمالك؟

** كتبت "بروكلين هايتس" بعد فترة انقطعت فيها للانتهاء من الدكتوراه، والانشغال بلقمة العيش والسفر والبحث عن عمل بعد مراحل كثيرة في حياتي، وجاء النص معبرا عني بكل تمردي السابق لكنه كان محملا بالأسى، أسى انهزام عميق تشعر به البطلة وهي جالسة في نافذة حجرة بروكلين، وترى العالم من حولها ينادي بالتغيير ويحلم ويأمل، فترتد إليها ذكريات العالم الذي خلفته وراءها ملئ بالقهر والفساد والتعفن، السرد الذي جاء عاكسا للبطلة بكل هذا الانهزام والألم كان خبرة السنوات التي مررت بها، لم أتعمده وإنما نضجت قليلا، وانتقلت لمساحة أكثر رحابة في السرد تلك الرحابة التي هي أحد نعم التشرد والارتحال وغياب الرقيب والتحرر من أثقال الذات والحنين والألم.

• بشكل عام كيف ترين الرواية المصرية لدى الأجيال الأحدث، وهل تحقق إضافة حقيقية لمسيرة الرواية المصرية؟

** بالطبع هم أكثر من قدرة على الحلم والتحقق، أراهم على صفحات الإنترنت أكثر جرأة وشجاعة في مناقشة النصوص ورفضها والتعليق عليها وتقييمها، هذا ما لم نكن نستطيع فعله، وكان لا بد لكل جيلنا أن يحيي الكتاب الكبار ويثني على تجارب السابقين واللاحقين كي يصبح جزءا من هذا العالم الثقافي، وكثيرا ما تعرضت للنقد لمحاولة التعبير عن رأيي عن هذا أو ذاك، فكرة الأبوة الثقافية والسياسية كانت دائما هي المحك والحاجة للنقاد والكتاب الكبار ليدشنوا تجربتك، وتلمس رضاهم جزء من الخراب الذي تركته لنا سنوات الانهزام، أعرف أن الجيل الجديد يكتب ويصنع نقاده وكتابه وقراءه وعوالمه، وهذا ما لم نستطع أن نحققه على الإطلاق.

• هل تدفع الثورة الشعبية المصرية إلى تغيير رؤى الأجيال الجديدة من المبدعين للشعب المصري، حيث كانت رؤاهم تصب جميعها في الإحباط واليأس والخراب والدمار؟

** النصوص الكبيرة تبقى في الحقيقة طوال مدة الثورة، كنت اقرأ لماركيز وفرجاسيوسا، وأشعر أن الكتابة عن الدكتاتوريات إذا استلهمت بعمق هذه الغليان، فقد ينتج موجة من الكتابة الجديدة ليس في مصر فحسب بل في ليبيا وتونس واليمن وكل العالم العربي ستتحول سنوات الحصار والانهزام والمرارة إلى مادة خصبة، وسيتوقف استلهام التاريخ البعيد ويتحول هذا التاريخ الحاضر رافدا حقيقيا للفهم، نحن نحتاج للفهم والرؤية والتحليل والتصالح مع ما حولنا أيضا.

• وما تقييمك لأداء المثقفين المصريين قبل الثورة وبعدها، خاصة أنهم أثناء الثورة لم يُسمع لهم صوت، وبعد نجاح الثورة خرجوا مؤيدين وراسمين لخرائط طريق وليس لخارطة واحدة؟

** لا يستطيع أحد أن يقيم الآن، فالحالة الثورية خليط من رؤى تتناغم وتتعارك، وتتخذ سبلا متعددة وهذا متوقع، البعض يندفع والآخر يتعقل والبعض لا يورط نفسه والبعض يحلم بيوتوبيا، بالطبع ستظل المواقف التاريخية مواقف يحاسب عليها الناس، ولكن المبالغة في المزايدات السياسية، على صفحات الفيس بوك، هناك حراك ثقافي كبير وجارف ومن حق كل قطاعات الشعب أن تحلم وتختلف حول أحلامها بما فيهم المثقفين، فقط علينا أن نحترم الآخر مع الاختلاف.

لكن لا بد لكل مثقف شريف أن يعلن انضمامه وتأييده لكل ثورات العالم العربي وحق الشعوب العربية في حياة كريمة، ولا يصح لأي مثقف أن يصمت على ما يحدث الآن للشعب الليبي، وما يتعرض له من تصفية دموية، لأن هذه شهادة للتاريخ وتبرأ من مجازر، أقول ذلك وأعترف بأنني ذهبت في قوافل المثقفين لفك الحصار عن ليبيا ورغم كل النوايا الحسنة التي ذهبت بها آنداك، فإني أشعر بغصة الألم أني شاركت في مهزلة قوافل التأييد لهذا الديكتاتور الهمجي، المثقف أيضا يخطئ لكن ينبغي أن يعترف بأخطائه ويعتذر عنها.

• نأتي إلى معرض أبوظبي للكتاب والذي تشارك فيه ما يزيد على 50 دولة عربية وإسلامية وغربية وهناك آلاف العناوين الجديدة، كيف تنظرين إليه في دورته الـ 21؟

** في الحقيقة أنا منقطعة عن المعارض والندوات والاحتفاليات منذ سافرت للتدريس في أميركا، وأعرف أن الكثير لن يتغير في حياتنا الثقافية، ولكنني سعيدة بالمشاركة بشكل عام.

• تعمل أبوظبي على تحقيق حضور ثقافي عربي ودولي وتنافس بقوة عبر الكثير من برامجها ومشروعاتها وجوائزها، كيف تقيمين حركتها في هذا المجال؟

** لا أستطيع في الحقيقة تقييم شيء، أنا أعيش منذ مدة طويلة بالخارج وكل مشروع لدعم الثقافة والأدب بالنسبة لي هو مكسب للإنسانية والعالم العربي ونافذة لأفق جديد.

• بصراحة ما هو تقييمك لقيمة ودور جائزة البوكر، وهل استطاعت أن تحرك شيئا في الرواية العربية؟

** لم أكن في مصر كما قلت لك أثناء الدورة الأولى للبوكر، وكنت أتابع الجدل الدائر في الحياة الثقافية حولها، وطوال مسيرتي ككاتبة وهى مسيرة حافلة بالجدل، ما زلت أرى أن الجدل هو حياة وأن الأشخاص والجوائز والكتابات التي لا تثير الجدل لا تصنع حراكا، أنا مع الجدل لأنه دليل وجود، فقط نحلم بمقاييس ومعايير وشفافية للجوائز.

وأعتقد أن الدورة الحالية للبوكر بشهادة الجميع حققت السرية والشفافية، ومها كانت النتائج فأنا أرى الجوائز العربية هي نافذة للغة الواحدة والثقافة الواحدة، ولا بد أن نتعاطى مع الإبداع على انه أرقى من التقسيم الجغرافي والقبلي ولا أوافق على إثارة النعرات الإقليمية، وبصرف النظر عن الفائز فليس من الأخلاق أن نهاجم الجوائز التي تقدمنا إليها بمحض إرادتنا، أقول ذلك لتأكيد احترامنا للجنة الجائزة وعدم تخوين أي مثقف بعد وقبل ظهور النتائج.

أنا سعيدة بترشح روايتي للقائمة النهائية، وهذا شرف يكفيني، وسعيدة أنه يجئ في مجد هذه الأيام الرائعة في تاريخ عملنا العربي الذي لم توحده الأنظمة والثقافة ووحدته الجماهير التي استلهمت نداء واحدا متكررا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، الشعب العربي يريد إسقاط أنظمته المستبدة، يريد الحرية والعدالة، لقد وحدتنا لغة الهتافات وتحولت أرض العرب كلها لميادين للتحرير والتحرر.