الطب البديل في لبنان: وسيلة للتجارة أم أسلوب آخر للعلاج؟

الفضائيات شجّعت على انتشار طب الأعشاب

بيروت - تتنامى ظاهرة الطب البديل والتداوي بالأعشاب في لبنان، في ظل ازدياد عدد الأماكن المتخصصة بهذا النوع من الطب الذي يثير جدلا كبيرا بين اللبنانيين.

ويقول طوني (موظف في شركة طيران أميركية) إنه أخذ يهتم مؤخرا بالطب البديل بعد أن يأسه من الأدوية التقليدية لعلاج آلام الرأس والظهروالتوتر النفسي، مشيرا إلى أن زوجته الأميركية نبهته إلى أهمية الحجامة بعد أن جربتها قبل نحو 4 سنوات.

ويضيف لصحيفة "الاتحاد": "منذ ذلك الوقت، درجتُ على النزول إلى لبنان سنوياً، لأخضع أنا وزوجي للحجامة، ووجدناه العلاج السري لأمراضنا النفسية والجسدية".

ويرى البعض أن الأجهزة الطبية والصيدلانية في لبنان تعاني من انفلات ظاهرة المداواة بالأعشاب التي أصبحت ظاهرة تؤرق مضجع الأطباء والصيادلة، مشيرا إلى أن وزارة الصحة اللبنانية حذرت عبر مؤتمرات صحافية عدة من خطر الانتشار العشوائي لهذه الظاهرة.

وتشير صحيفة "الحياة" إلى أن وزارة الصحة اللبنانية تخوض معركة غير متكافئة بالنظر الى الحضور الكثيف لمنتجي الأعشاب و"خبرائها" في وسائل الإعلام اللبنانية عبر إعلانات وبرامج حوارية ربما مدفوعة الثمن، مشيرة إلى وجود "متواطئين رسميين مع منتجي تلك المستحضرات، خصوصاً أنهم يدّعون قدرتها على معالجة أمراض مستعصية أو مزمنة انطلاقاً من معرفتهم بأن المصاب بتلك الأمراض مستعد لأن يتعلق بحبل الهواء كما يقول المثل اللبناني الشائع".

ويقول طوني إنه وزوجته ليسا سوى حالتين من مئات المهاجرين والمقيمين في جنوب لبنان، الذين يزورون الأطباء دورياً للخضوع للحجامة، في محاولة للعودة إلى أساليب العلاج القديمة.

ويعرف الدكتور قاسم كسروان المتخصص بأمراض الرأس والأمراض العصبية والنفسية الحجامة بأنها "فصد الدم أي إخراج كمية من الدم تصل إلى 500 سم3 لعلاج أمراض العقم وأوجاع الرأس وحالات الغضب الزائدة".

ويضيف "عندما يتم تشطيب المريض، فإن الدماغ يستنفر كريات الدم البيضاء والحمراء لحماية الجسم من عدو مفترض. حينها يسيل إلى الخارج مع الدم بعض السموم والسكر والدهن ومواد أخرى يختزنها الجسم، فتحاول عندها الكريات تخثير الدم ومواضع الجروح”. ويتابع “الحجامة هي عملية تنقية للدم أولاً من السموم والأمراض. وهي تساعد الكبد والقلب والرئتين والكليتين على إخراج السموم من الجسم وتنقيته منها".

ويشير إلى أن الحجامة تعتبر علاجاً فعالاً للأمراض النفسية المستعصية كالوسواس القهري والكآبة والقلق، وغيرها من الأمراض التي خلفتها الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وتزخر محال العطارة في لبنان بطالبي الدواء العربي، حتى أن بعضهم امتهن العطارة وحوّلها إلى تجارة مربحة.

ويقصد بعض اللبنانيين العطّارين لشراء دواء طبيعي، ويستبدلون أدويتهم بهذه التقنية الجديدة القديمة المضادة للآلام.

ويراى مراقبون أنه في ظل غياب سياسة صحية وطنية واضحة ومسؤولة في لبنان أصبحت حياة المواطن اللبناني حقل تجارب لأشخاص يروّجون لطب الأعشاب ويدّعون اكتشاف ما عجز الطب الحديث عنه من علاجات للأمراض المزمنة والمستعصية•

ويلعب هؤلاء "الخبراء" دور المبشّر ويستغلون مشاعر المرضى الذين يتعلقون بـحبال الهواء دون حسيب أو رقيب•

وبحسب إحصاءات معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، فإن 25 بالمئة من الشعب اللبناني يتداوى بالأعشاب من بعض الأمراض كالرشح والسعال والانفلونزا وآلام المعدة، والأسنان والقولون ومعالجة بعض الجروح الطفيفة والحروق.

وتتنوع الأعشاب الشائعة بعلاج الأمراض بين الزعتر والزعرور والشومر وإكليل الجبل وورد الحصان وهي نباتات متوافرة بكثرة في براري لبنان.

وتقول أم محمد دغمان إنها باشرت بصناعة هذه الأدوية منذ 25 عاماً، مشيرة إلى أن زبائنها ينتمون إلى النخبة الاجتماعية وقد استعاضوا بالأعشاب عن أدويتهم.

وعن آلية الجمع والتقطير، تقول دغمان لصحيفة "الاتحاد": "تُجمع الزهور والأعشاب في مواسمها. فمثلاً زهور الليمون والبرتقال تُجمع في شهر مارس ويتمّ تقطيرها بعد أيام قليلة، كذلك الزعتر الذي يُجمع في شهر أيار/مايو، والميرامية التي يتمّ تصنيعها في موسم الشتاء، وزهر الطيّون في شهريّ أيلول/سبتمبر وتشرين أول/أكتوبر".

وكان رئيس لجنة الصحة النيابية في لبنان عاطف مجدلاني أكد أنه "لا خــلاف ولا عـــداوة بين الطب والأعشاب بل على العكس فالأعشاب مصدر أساسي لإنتاج وتطوير الأدوية إذ تستخرج منها مــواد أساسية في تكوين عدد كبير من الادوية الفعالة الــتــي تــســاهــم فــي مــنــظــومــة عــلاج المرضى".

لكنه أشار إلى أن لبنان شهد السنوات الاخيرة ولا نزال موجة جارفة من التشويه الفكري والنفسي هدفها إقناع المريض باعتماد الأعشاب في العلاج "وقد تحول تجار الاعشاب الى أصحاب ثروات من خلال خداع الناس وإقناع بعضهم بشراﺀ منتجات عشبية موضبة على شكل دواﺀ".

وأضاف "لا شك أن تكنولوجيا الاعــلام المتطور وانتشار الفضائيات شجّعا تجار الصحة على مضاعفة أعمالهم أمــام هــذا الواقع تحركنا فــي لجنة الصحة لمعالجة هذا الملف وإعادة الامور الى نصابها، وكان تحركنا يهدف الى تحقيق منع غش الناس من خلال تقديم الاعشاب كعلاج دون أن يكون هناك ملف علمي واضــح وصيدلاني كامل يسجل على أساسه المنتج في وزارة الصحة كدواﺀ ومنع الاعلان عن أي منتجات علاجية لأن القانون يمنع الاعــلان عن الــدواﺀ في لبنان".