الطائفية تعكر صفو كرة السلة في بلد الارز

أين الروح الرياضية؟

بيروت - على ملاعب كرة السلة اللبنانية اختلطت السياسة بالطائفية وضاق المكان لجمهور الفرق الرياضية الذي منع من حضور المباراة النهائية لبطولة لبنان، بعد اعمال شغب وعنف رأت فيها السلطات "تهديدا للسلم الاهلي".

ففي بلد ذي تركيبة سياسية وطائفية هشة، اثارت هتافات من مسلمين يهاجمون قيادات سياسية ورموزا دينية مسيحية، ومسيحيين يهاجمون المسلمين ورموزهم على مدارج ملاعب كرة السلة، استنفارا سياسيا وامنيا، وتحذيرا من وزير الرياضة من ان تكون هذه المواجهات الكلامية التي ما لبثت ان تحولت الى عراك بالايدي وتأخير البطولة، مقدمة لـ"فتنة" في البلد الصغير الذي عرف حربا اهلية مدمرة على مدى عشرين عاما (1975-1990).

واستؤنفت البطولة الاثنين بعد 14 يوما من التوقف بسبب الاشكالات، وانتهت الثلاثاء بفوز فريق الرياضي على فريق الحكمة، عدوه اللدود تقليديا، وغاب جمهور الفريقين في المبارتين عن الملعب الذي امتلأ بالقوى الامنية، بحسب صور بثها تلفزيون "ال بي سي".

وتقليديا، فريق الرياضي مدعوم من جمهور سني بغالبيته ومؤيد اجمالا لتيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري. وفريق الحكمة مدعوم من جمهور مسيحي خصوصا ومؤيد بغالبيته لحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع.

وفي بلد "الارز" تخضع فيه قوانين الاحوال الشخصية للطوائف، ويقوم النظام السياسي على المحاصصة الطائفية، ويحول الانقسام السياسي الحاد دون انتخاب رئيس للجمهورية او اجراء انتخابات نيابية في موعدها، لا تنجو الرياضة من هذا الاصطفاف.

فبعد وصول الرياضي والحكمة الى نهائي بطولة لبنان في نهاية ايار/مايو، حضر الدين في الملعب مع الكرة. فكان جمهور الرياضي يتلو الفاتحة، ويرد جمهور الحكمة بصلاة "أبانا الذي في السموات".

وعندما ترتفع حماوة المباراة، لا يخجل جمهور الحكمة من الهتاف ضد النساء المسلمات، فيرد جمهور الرياضي بالمس بمريم العذراء.

ويهتف جمهور الرياضي "الله، الحريري، الطريق الجديدة (منطقة سنية في غرب بيروت)، فيرد جمهور الحكمة "الله، قوات، حكيم (لقب جعجع)، وبس".

وعلى الرغم من ان القوات اللبنانية وتيار المستقبل حليفان متينان في السياسة ضمن ما يعرف بقوى 14 آذار المعارضة لحزب الله وللنطام السوري، فان الرياضة فرقت ما جمعته السياسة، والشعارات هاجمت جعجع من جهة وقادة المستقبل من جهة ثانية.

وشتم جمهور نادي الحكمة جان عبدالنور، قائد فريق الرياضي واحد اللاعبين المسيحيين القلة في الفريق، باعتباره "خائنا"، لكنهم أرفقوا الشتيمة بالتشفع بـ"مريم ام النور". وردد انصار الرياضي عبارة "لا اله الا الله، محمد رسول الله"عند كل تقدم لفريقهم.

وعملت رابطتا الجمهورين على ضبط الهتافات الدينية داخل الملعب، لكن الامور تفلتت على صفحات التواصل الاجتماعي حيث استهدف الاسلام والصليب باهانات شتى.

ولا شك ان المشاغبين قلة، وتبرأ منهم محبو الرياضة، وتم شطب الكلام البذيء من صفحات فيسبوك وتويتربسرعة.

وامتنعت وسائل الاعلام ومحطات التلفزة عن بث الشعارات والهتافات المسيئة للدين.

ويقول فنسنت فواز (21 عاما)، من مشجعي الحكمة، "كرة السلة اجمل لعبة في العالم، انا امارسها كهاو. اسهر حتى السادسة صباحا لاشاهد مباريات ان بي ايه. لكنني لم اعد ارغب بمشاهدة البطولة المحلية، اصابني الجمهور بالاشمئزاز".

في المباراة الرابعة من النهائي (يفترض ان يفوز الفريق باربع مباريات من سبع ليربح البطولة)، نزل احد مشجعي الحكمة الى ارض الملعب وصفع اسماعيل احمد. فما كان من هذا الاخير الا ان انهال ضربا على مشجعي الحكمة.

وحذر وزير الشباب والرياضة عبد المطلب الحناوي من ان الحكومة "لن تسمح بهز السلم الأهلي وإراقة الدماء من خلال الملاعب الرياضية التي يفترض أن تكون مساحة للتلاقي بين اللبنانيين وليس ساحات للفتنة".

وتحرك قياديو القوات اللبنانية وتيار المستقبل لاعادة الهدوء وعقدوا اجتماعات في ما بينهم.

وفرض اتحاد كرة السلة غرامات مالية واوقف اللاعب اسماعيل احمد عن اللعب مرة واحدة.

لكن وزارة الداخلية ضغطت ولوحت بتعليق البطولة "لاسباب امنية"، فاتخذ قرار بمنع الجمهور، في خطوة يعتمدها اتحاد كرة القدم منذ 2005، عندما بلغ التوتر الشيعي السني اوجه بعد مقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري (سني) وتوجيه الاتهام بقتله الى دمشق وحزب الله (الشيعي) المتحالف معها.

ويقول رئيس قسم الرياضة في صحيفة "النهار" ناجي شربل ان "المشكلة طائفية ومذهبية بامتياز. والاتحاد اعجز من ان يدير الخلاف الطائفي المزمن في البلاد.

ويضيف "في موضوع حساس مثل هذا في بلدنا، لم يقدر أحد ان في الامكان بسهولة ان نصل الى مشكلة طائفية".

ويتابع "كان على الاتحاد فور وقوع الاشكال الاول التحرك وفرض عقوبات ومنع المشاغبين من دخول الملعب. الجمهور تمادى بسبب غياب الحزم والتشدد في التعامل معه".

وتطبق المحاصصة الطائفية في لبنان في الرياضة كما في السياسة. فاتحاد كرة القدم تعود ادارته تقليديا الى الشيعة، واتحاد كرة السلة للمسيحيين، واتحاد الشطرنج مثلا للسنة.

ويقول مكرم عويس، استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الاميركية والناشط في المجتمع المدني، "هذا الواقع يعكس جوا سياسيا مشحونا وعدم قدرة الطبقة السياسية على ايجاد حلول فعالة لاي شيء، لا لقضايا كبيرة مثل الانتخابات ولا لقضايا معيشية وحياتية ومؤسساتية ولا لمسائل الرياضة".

ويتابع "ما يحصل في الملاعب قد يحصل في كل دول العالم، لكن في العالم، هناك شرطة تضبط. هنا تفصل الحلول على قياس الحكام والناس المحسوبين عليهم. بدلا من محاسبة من يثير الشغب، يؤمنون له الغطاء ويخلون الملعب من الجمهور. هذا مظهر افلاس".