الطائفية اللبنانية: نعمة مختلطة

بقلم: لونا فرحات

تُعتبر التعددية الدينية سمة رئيسية من سمات المجتمع اللبناني وعنصراً رئيسياً في نظامه السياسي، الذي يتطلب توزيع المناصب الرئيسية في الدولة على المجموعات الدينية المختلفة. ورغم أن الكثيرين يشعرون أن حجم لبنان قد تعدى هذا الهيكل السياسي، إلا أن هذا النظام قد عمل بشكل جيد في الماضي. لذا يصبح السؤال الآن كيف يمكن للبنانيين الاستمرار في العمل ضمن نظام كهذا وفي الوقت نفسه تقوية شعورهم بالهوية الوطنية مقابل التبعية الدينية.
ومن السمات الإيجابية للنظام اللبناني، الذي يحتوي على ثمانية عشر مجموعة دينية معترف بها رسمياً، هو أنه يسمح لكافة الجاليات الدينية أن يكون لها تمثيل في الحكومة وفي إدارة الدولة والمساهمة في تطورها.
وُضعت هذه المعادلة في معاهدة الاستقلال الوطني غير المكتوبة عام 1943، والتي نصت على أن الرئيس سوف يكون دائماً مسيحياً مارونياً ينتخبه البرلمان، ويكون رئيس الوزراء سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً. وتتوزع المقاعد البرلمانية بنسبة 5:6 بين المسيحيين والمسلمين بالترتيب، وهي نسبة صمدت من حيث المبدأ حتى عام 1989.
ويعتقد البعض أن الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 اندلعت نتيجة لعدم ملاءمة النظام الطائفي لضمان تمثيل عادل لجميع الطوائف الدينية في الحكومة.
بمعنى آخر، قد يكون النظام صُمم لتحقيق توازن سياسي بين المجتمعات الطائفية المتعددة وضمان تعايشها السلمي، إلا أنه وبسبب كونه نظاماً طائفياً فقد وضع وزناً أكبر على التبعيات الدينية بدلاً من التماسك الوطني، الأمر الذي عمل على كبح الشعور بالوحدة الوطنية.
وقد أدخلت اتفاقية الطائف عام 1989، والتي أدت إلى نهاية الحرب الأهلية، عدداً من التعديلات على النظام السياسي ومنها على سبيل المثال، أن مقاعد البرلمان البالغ عددها 128 مقعداً أصبحت الآن مقسمة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين بدلاً من نسبة 5:6. كذلك يتم تقسيم المقاعد بشكل إضافي ضمن هذه المجموعات، فيُعطى المسيحيون الموارنة مثلاً 34 مقعداً من مجموع المقاعد المسيحية الـ 64 ويحصل السُنة والشيعة على 27 مقعداً لكل منهما، بينما تتوزع المقاعد العشرة المتبقية والمخصصة للمسلمين بين الدروز والعلويين.
حافظت الاتفاقية على توزيع المراكز السياسية الرئيسية بين الطوائف الرئيسية، إلا أن الإصلاحات المؤسسية الحقيقية المصممة للحد من النواحي السلبية للطائفية كانت غائبة. وقد نصّت الاتفاقية على إنشاء مجلس وطني "لبحث واقتراح" أساليب لإزالة الطائفية من المؤسسات العامة، إلا أن هذا المجلس الوطني لم يُشكّل أبداً.
الأمر الذي فشل مؤتمر الطائف في تحقيقه إذن، وما هناك حاجة له الآن، هو خطة لتقوية الهوية الوطنية.
وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تغيير العمليات الانتخابية القائمة والثقافة السياسية السائدة في الدولة. ومن الأمور الحاسمة في عملية تغيير كهذه عقد استفتاءات والانتخاب المباشر للأفراد في المناصب الحكومية، الأمر الذي يشجع على التواصل المباشر بين المواطنين اللبنانيين ومؤسساتهم الحكومية،بما فيها رئاسة الجمهورية.
كما أن قيام الشعب بدلاً من البرلمان بانتخاب الرئيس سوف يقوّي العلاقة بين الشعب ورئيس دولتهم ويعطي مكتب الرئيس شرعية إضافية ودعماً شعبياً.
تساهم مجموعات المجتمع المدني في هذه الأثناء بشكل إيجابي من خلال العمل على إشراك المواطنين اللبنانيين من كافة المجتمعات الدينية في العملية السياسية في محاولة لإيجاد شعور شامل بالمواطَنة يغير الثقافة السياسية من خلال التأكيد على الهوية الوطنية وليس الهوية الطائفية فقط.
قامت منظمة "نحو المواطَنة"مؤخراً، على سبيل المثال، وهي منظمة غير ربحية في بيروت، بإطلاق برنامج لتثقيف الطلبة حول النظام الانتخابي اللبناني. وتهدف المنظمة إلى التعامل مع غياب الوعي السياسي بين الشباب، الأمر الذي يؤدي بهم إلى التصويت عبر خطوط طائفية.
ويعمل البرنامج في 15 مدرسة مستهدفاً حوالي 1350 طالب وطالبة في الفئة العمرية ما قبل التصويت، يأتون من خلفيات دينية متنوعة. ويدرّب البرنامج الطلبة على استخدام منظمات المجتمع المدني من أجل المشاركة السياسية، حيث أنها تشكل الساحة الوحيدة الأكثر استقلالية في مجال الاهتمامات الطائفية. وهدف هذه المنظمة النهائي هو إيجاد مواطنين يشاركون في مجتمعهم الوطني.
هناك حاجة إلى المزيد من هذه الأنواع من المبادرات في لبنان، فإيجاد مواطنين مشاركين هو هدف يمكن لجميع اللبنانيين مساندته. لونا فرحات تحمل شهادة الدكتوراة في القانون من الجامعة اللبنانية – كلية الحقوق، وتدرّس في معهد الدراسات الإسلامية المسيحية في الجامعة اليسوعية ببيروت. (عن كومون غراوند)