الضمراني يناقش قضايا الإعلام ورهاناته المستقبلية

فكرة هذا كتاب "الإعلام المصري وقضايا المجتمع: تحديات الحاضر.. ورهان المستقبل" ولدت مع اندلاع ثورة 25 من يناير.


سبل النهوض بقطاع الإعلام ليتواكب مع استراتيجية الدولة المصرية الجديدة


حتى منتصف السبعينيات لم يبدُ أن أية دولة من دول العالم الثالث قد استطاعت أن تحقق سيادتها الإعلامية كاملة

ولدت فكرة هذا الكتاب "الإعلام المصري وقضايا المجتمع: تحديات الحاضر.. ورهان المستقبل" للباحث والإعلامي حسام الضمراني مع اندلاع ثورة 25 من يناير، حيث ارتبك المشهد الإعلامي؛ خاصة وأن خطابه لم يكن مرتباً لتناول قضايا تلمس بشكل مباشر المواطن المصري، أو حتى على مستوى التنظيم فيما يتعلق بآليات العمل، وهو ما تكشف عنه خريطة ملاك وسائل الإعلام قبل الثورة وبعدها وحتي اندلاع ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران، ومما يؤسف له أن هذا المشهد لا يزال يواصل ارتباكه إلى الآن.
يناقش الكتاب خمس قضايا في خمسة فصول، القضية الأولى "كيف ننهض بوسائل الإعلام في مصر؟ الخروج من القمم"، والثانية "الإعلام المصري وقضايا مجتمعية شائكة، والثالثة "أفريقيا على أجندة الإعلام المصري"، والرابعة "الإعلام المصري والتبعية للغرب"، والخامسة "الإعلام المصري ومستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية".
يقدم الضمراني في القضية الأولى تصوراً لكيفية النهوض بوسائل الإعلام "المقروءة، المسموعة، المرئية"، وذلك تزامناً مع مشروع رؤية مصر (2020 ـ 2030)، وهو مشروع يختلف تمام الاختلاف عن نهج الخطط الخمسية والعشرية التي كانت تنتهجها أنظمة سياسية في مصر سابقاً، الأمر الذي توجب أن يسايره أيضاً إعلام يتبنى رؤية استشرافية مستقبلية لهذا البلد، ولكن للأسف هذا ما لم يحدث؛ حيث ظل ملف الإعلام مرتبكاً يقوده مجموعة من الإعلاميين هم أبناء الخطط الخمسية والعشرية من قبل، ولم يضخ في شرايينه دماء جديدة وكوادر إعلامية شابة تتبنى هذا المشروع، الأمر الذي تسبب في ركود على مستوى أداءات العاملين فيه، وهو ما تسبب أيضاً في إحداث خسائر مادية لهذا القطاع لافتقاده العناصر التي تؤمن بالتطوير والأفكار النوعية في إدارة هذا الملف المهم.
ويرى الضمراني في كتابه الصادر عن مكتبة جزيرة الورد أن سبل النهوض بهذا القطاع المهم، ليتواكب مع استراتيجية الدولة المصرية الجديدة، التي تتأخذ الإنسان محوراً أساسياً من محاور التطوير والتنمية، تتمثل في إحداث عملية رقمنة للصحافة المصرية ولكن بشرط أن يتم توثيق ما ينشر ويبث يومياً وان يتم الاحتفاظ به على اعتبار أنه ذاكرة للأمة المصرية بوقائعها وأحداثها.

الإبداع ليس إسهاما لشعب واحد فهو يوجد أينما وجُد بشر يفكرون، ويفعلون ويصنعون الأشياء

ويؤكد أنه بات ضرورياً الآن الابتعاد عن ما يسمى بـ"إعلام الخطة الخمسية" وهي خطة كانت تتبناها الحكومات المصرية المتعاقبة على مدار العقود السابقة منذ أن بدأت في عهد الوزير عبداللطيف البغدادي عندما تم وضع أول خطة خمسية لمصر عام 1960، وهو ما انعكس بشكل مباشر على طريقة تفكير واضعي السياسة الإعلامية في مصر من رؤساء تحرير لمقدمي برامج حتى المذيعين نحو قضية التنمية.
ويضيف إن ضرورة تغيير طريقة تفكير الكوادر الإعلامية في مصر يجب أن يترجم رؤية الحكومات المصرية المتعاقبة من بعد ثورة الثلاثين من يونيو، والتي تتبنى رؤية استشرافية على المدى المتوسط لمدة خمسة عشر عاماً في إدارة كافة مناحي الحياة في البلاد تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومع ذلك تجد أصحاب الأقلام والممسكين بالميكروفونات أياديهم مازالت مرتعشة وحدود تفكيرهم مازالت تدور في فلك الخمس سنوات ليس أكثر؛ لذا يشهد إعلامنا تراجعاً في اللحاق بما تتبناه القيادة السياسة من رؤية استشرافية.
ويستعرض الضمراني بحوث الإعلام في مصر خلال عشر سنوات؛ مشيرا إلى أنه بالنظر إلى الاهتمامات البحثية للباحثين خلال السنوات العشر الأخيرة نجد أن بحوث التليفزيون جاءت في الترتيب الأول بنسبة 28.7% من إجمالي كل رسائل الماجستير والدكتوراه التي أنجزتها كلية الإعلام جامعة القاهرة بأقسامها العملية الثلاثة؛ ببنما جاءت بحوث الصحافة والإعلام الجديد في الترتيب الثاني بنسبة 20.4% لكل منهما، بينما تراجعت البحوث التي اهتمت بالإذاعة حيث لم تتجاوز نسبتها 1% من الإجمالي، وكذلك بحوث العلاقات العامة الدولية وبحوث الاتصال المباشر، كما أن عدد المجالات البحثية التي تناولتها رسائل الماجستير والدكتوراه تتمثل في 22 مجالاً بحثياً في تخصص الصحافة، وفي رسائل الدكتوراه 14 مجالاً بحثياً.
وجاءت البحوث التي ركزت على الاتصال السياسي في الترتيب الأول بين مجالات تخصص رسائل الماجستير بنسبة 15.9%، وجاءت البحوث التي ركزت على الصحافة العربية في إطار مجال الإعلام العربي في الترتيب الأول بين رسائل الدكتوراه بنسبة 17.2%، وهو مؤشر ينم عن تطلع الباحثين المصريين لإيجاد فرص عمل بعد حصولهم على درجة الماجستير في الجامعات الخليجية والعربية نظراً لضيق فرص العمل الأكاديمية في تخصص الإعلام بالجامعات المصرية، ومؤشر آخر يتمثل في تراجع الاهتمام بالصحافة الأفريقية وهو ما تكشفه عدد رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت القارة الأفريقية بقضاياها المشتركة في رسائل الماجستير والدكتوراه خلال السنوات العشر الأخيرة؛ حيث اهتم الباحثون فقط بدراسة وسائل الإعلام في4 دول أفريقية فقط من إجمالي 53 دولة، وهو ما يبرز تراجع اهتمام الباحثين بقضايا القارة الإفريقية، وهو ما نتمنى أن ينظر إلى هذا الأمر من قبل الباحثين بعين الاعتبار خلال السنوات المقبلة حتى نستطيع بناء جسور حقيقية مع قارتنا خاصة بعد أن تم تهميشها في الخطاب الصحفي المصري لأكثر من 3 عقود منذ أن تعرض الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا.
ويكشف الضمراني وجود ندرة في دراسات المستقبليات في مجال الإعلام خلال العشر سنوات الأخيرة، وهي نتيجة أخرى من نتائج البحث في هذه المستخلصات، حيث يتبين ذلك عند النظر للمناهج التي اعتمدت عليها رسائل الماجستير والدكتوراه؛ حيث اعتمد الباحثون فقط على الدراسة المستقبلية وبناء السيناريوهات فقط في 3 رسائل ماجستير، و5 رسائل دكتوراه فقط، أي بواقع 8 رسائل فقط عن المستقبل من واقع 677 رسالة ماجستير ودكتوراه، وهو ما يكشف عن واقع استشرافي متراجع في البحوث الإعلامية داخل مصر. 

Egyptian media
حسام الضمراني 

ويلفت إلى أنه بالنظر لتوزيع بحوث الصحافة "ماجستير ودكتوراه" حسب مجال البحث خلال آخر 10 سنوات، نجد أن البحوث التي ركزت على الاتصال السياسي تضمنت علاقة الصحافة بالأحزاب وحقوق الإنسان، والصحافة والمشاركة السياسية، وأداء الوزارة ومعالجة الصحف له، والصحافة والانتخابات الرئاسية والبرلمانية؛ بينما كانت أقل المجالات البحثية من حيث اهتمامات الباحثين كل من اقتصاديات الإعلام وإدارة المؤسسات الصحفية وتاريخ الصحافة والإعلام والطفل، كما أن هناك اهتماما بارزا ببحوث الإعلام الجديد مثل صحافة الفيديو والبوابات الإليكترونية وتصميم صحف المواطن وشبكة الإنترنت واستخداماتها في الصحافة.
ويتوقف الضمراني في الفصل الثاني عند أبرز القضايا المجتمعية التي أحدثت جدلاً واسعاً داخل المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، ومنها قضية الإرهاب "الفكري ـ المعنوي"، وقضية الإلحاد؛ ووقع الاختيار على هاتين القضيتين لكونهما من القضايا التي هزت مجتمعنا المصري ومع ذلك لم يتعامل الإعلام معهما من منظور أوسع من التعامل معهما عبر إطارات جزئية تعتبرهما أحداثاُ ليس لهما مسببات "سياسية ـ اقتصادية ـ ثقافية ـ مجتمعية".
يستعرض الضمراني قضية الإلحاد مشيرا إلى أن مصر أصبحت الدولة الأولى عربيا في نسبة الإلحاد وفقاً لتقرير صدر عن مرصد الفتاوى التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية، وهو ما يتطلب خطابا إعلاميا مصريا لمواجهة الظاهرة التي أصبح أتباعها ما يقرب من 3 ملايين شخص وفقا لبعض الإحصاءات. أما الإرهاب الفكري فلا بد من مواجهته في ظل ما تبثه التيارات المتأسلمة من سموم. ويناقش أيضا عدداً من القضايا المهمة مثل الشائعات، والحوادث والجريمة في الصحافة المصرية، وتأثير الأخبار الكاذبة على اقتصادنا الوطني في مصر.
ويؤكد في الفصل الخاص بموقع أفريقيا على أجندة الإعلام المصري أنه بالرغم من أن مصر ساندت حركات التحرر الوطني الأفريقي التي فرضت وجودها منذ نهايات الخمسينيات، وهو ما كان له انعكاساته على الخطاب الإعلامي المصري في فترة الستينيات، فإن هذا الاهتمام غاب في فترة السبعينيات وما بعدها؛ بسبب تراجع اهتمام الدولة المصرية بالقضايا الأفريقية، وغابت أفريقيا عن أجندة الإعلام المصري حتى بروز مشكلة مياه النيل، وبناء سد النهضة الأثيوبي خلال فترة الثورة المصرية 25 يناير 2011 حتى 30 يونيو 2013، ويبحث مؤلف الكتاب كيفية وضع أجندة إعلامية للاستثمار في أفريقيا، وكذلك تصوراً لاستراتيجية إعلامية مصرية نحو منطقة حوض النيل.
ويرى الضمراني فيما يتعلق بتبعية الإعلام المصري للغرب، أنه على الرغم من اعتقاد البعض أن موجة الاستقلال التي اجتاحت معظم دول آسيا وأفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية سوف تؤدي بالضرورة إلى تحقيق استقلالها الاقتصادي والثقافي والإعلامي، ولكن حتي منتصف السبعينيات لم يبدُ أن أية دولة من دول العالم الثالث قد استطاعت أن تحقق سيادتها الإعلامية كاملة. وأنه ورغم أن مظاهر التبعية الاقتصادية في العالم الثالث قد أصبحت واضحة للجميع، فإن التبعية الثقافية والإعلامية لم يتم الكشف عنهما إلا بشكل محدود وفي سياق الاهتمام بدراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وأننا مازلنا في مرحلة تبعية ليس لوكالات الأنباء العالمية التي تتمركز في دول المركز، حيث دخلت مواقع التواصل الاجتماعي على الخط وأصبحنا أسرا لها أيضاً.
وفي رؤيته للإعلام المصري وعلاقته بمستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية، يحاول الضمراني أن يجيب عن سؤال: هل لدينا خريطة ترصد أبرز المحافظات والمدن والقرى والنجوع في مصر ممن تشتهر بالصناعات اليدوية والريفية والثقافية؟ في ظل تأكيده أن فكرة الصناعات اليدوية والريفية والثقافية تتجلى لا كمجرد مجال للتنمية الاقتصادية وحسب، بل والأكثر كفكرة ـ يمكن أن يكون للإبداع تحديداً تأثيرات اجتماعية واقتصادية حاسمة فيها؛ فالإبداع ليس إسهاما لشعب واحد فهو يوجد أينما وجُد بشر يفكرون، ويفعلون ويصنعون الأشياء، وهو ما يقتضي منا الإشارة إلى الخصوصية الثقافية لكل محافظة من محافظات مصر فيما يتعلق بصناعتها وحرفها التراثية ومردود ذلك اقتصادياً وأثره على عملية التنمية المستدامة.