الصين بين تنين شيوعيتها وهيمنتها الاقتصادية

من الضروري معرفة ما هي الصين أولا قبل السير في ركابها.


الصين انفتحت على العالم بطريقة أربكت كل منظري ومحللي السياسة العالمية


تسللت الصين خفية لكن بقوة إلى الاقتصاد العالمي ونجحت في ذلك

غالبا ما ينسى المرء أن الصين لا تزال دولة شيوعية. لا شيء يوحي أو يُذكر بالشيوعية التي نعرفها. "الشيوعية الصينية شيء آخر" ذلك ما كان الصينيون والمتحالفون معهم يقولونه منذ أن نشب الخلاف بين بكين وموسكو فصار على الشيوعيين أن يختاروا الوقوف إلى جانب أحد المعسكرين. اما أن تكون صينيا أو أن تكون روسيا.

غير أن ما جرى بعد ذلك أن الاتحاد السوفييتي انهار من الداخل ولم تقو موسكو على الحفاظ على موقعها القيادي بين جمهوريات السوفييت وذهبت بلدان المعسكر الشرقي في اتجاهات مختلفة، معظمها معاد للشيوعية أو غير قريب منها. اما الصين فإنها انفتحت على العالم بطريقة أربكت كل منظري ومحللي السياسة العالمية. لقد وضعت العقيدة في مكان آمن وسارت في غابات الاقتصاد بقوة ريحها التاريخية. صين المليار إنسان كانت تتحدى العالم وليست الصين الشيوعية.

لم تكن الغاية من ذلك التحدي نشر العقيدة والهيمنة على العالم فكريا وسياسيا بل كانت الغاية الهيمنة على العالم اقتصاديا من خلال ربط خطوط الإنتاج كلها بنقطة مركزية تقع تحت اليد الصينية. قبل سنوات وعدت الصين العالم بأن كل التقنيات الالكترونية ستكون حكرا لها وها هي اليوم قد وفت بوعدها. كل التقنيات في كل مجال صارت تتكلم اللغة الصينية. وفي كل بيت هناك حاجة إلى معجم صيني يغطي الحاجة إلى فهم بعض المقاطع التي تسللت إلى البيوت مع الأجهزة الكهربائية والاثاث والثياب وأدوات المطبخ.        

تسللت الصين خفية لكن بقوة إلى الاقتصاد العالمي. في البدء انتصرت لليد التي تعمل. بدا كما لو أنها تميل إلى تغليب الكثرة على الفكرة. غزارة في الإنتاج يرافقها شك في النوع. "صُنع في الصين" لم تكن سوى عبارة محملة بالسخرية. مقابل تلك السخرية كانت الصين تهزأ بالعالم.

بضائعها التي لم يكن يعبئ بها الأثرياء محدودو العدد كانت بمثابة طوق نجاة بالنسبة لمليارات الفقراء. فانتصرت الصين بالفقراء. لم يكن هناك شيء من الشيوعية في ذلك الانتصار. فالشيوعية ظلت في مكان آمن بعيدا عن التداول التجاري.

حين صارت عبارة "صنع في الصين" مجرد إشارة إلى بلد المنشأ وأضطر أثرياء العالم إلى إغماض عيونهم عنها كانت الصين قد عبرت المنطقة الملغومة بالشك وصارت القوة الاقتصادية الثانية وهي قد تندفع إلى المنصب الأول في وقت قريب بسبب توسع مشاريعها الاستثمارية العملاقة.

لا أعتقد أن ذلك التحول كان سيزعج ماو تسي تونغ لو أنه وقع في حياته.   

فمَن أشرف على الانتقال إلى اقتصاد السوق وقفز بالصين إلى مستويات غير متوقعة من النجاح الأسطوري لم يتخل ولو قيد انملة عن الشيوعية المحروسة بانغلاقها العقائدي ونظامها الذي لا يقبل الجدل في كل ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع والدور الأحادي الذي يلعبه الحزب في حياة الأفراد والمجتمعات من جهة كونه الطرف الرقابي الذي يسمح ويمنع.

نجح نظام ما بعد ماو في ايهام العالم بأن الانفتاح الاقتصادي كان عنوانا لانفتاح أكبر سعة وأشد عمقا. غير أن الأحداث أثبتت أن التسامح المدروس في ما يتعلق بالثروات الفردية لا يمتد ليشمل الحريات الشخصية. ففي لحظة تاريخية استثنائية وقع الطلاب ضحايا سوء الفهم فخرجوا إلى الشارع محتجين من أجل الحرية والديمقراطية. كانت النتيجة مذبحة وقعت في ساحة تيانانمن التي شهدت مقتل حوالي عشرة الاف شاب عام 1989.

لقد أظهر النظام وجهه الحقيقي وهو الوجه الحزبي القديم الذي لم تصل إليه إصلاحات دنغ شياوبنغ، الزعيم الفريد من نوعه في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني الذي لا يزال مؤهلا للعيش بالرغم من مرور مئة سنة على تأسيسه عام 2021.

لعبة دنغ شياوبنغ كانت أشبه بلعبة ساحر لم يستطع العالم سوى إظهار اعجابه بالنتائج التي انتهت إليها. اما الطلاب الذين قُتلوا فقد راحوا ضحية سوء فهم، لم يستطع المجتمع الدولي الدفاع عنه فالصين كانت أقوى من أن تتصدى لها المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان.

لو أن أنور خوجة الزعيم الالباني لا يزال حيا لشعر بالفخر لأنه اختار أن يكون شيوعيا صينيا إلى نهاية حياته. كان هناك مَن يتحدث عن شمس ماو التي ستشرق من تيرانا في بغداد وبيروت. كان هناك ماويون كانوا حراسا للعقيدة الشيوعية الصينية في بلدان كانت الصين قد وضعتها في قوائم أسواق البضائع الرخيصة.

تفكر إيران اليوم في جر العراق ولبنان إلى الحضن الصينية. مصير هو الأسوأ من بين كل الخيارات المتاحة. إيران لا تفكر في العقيدة الشيوعية بصيغتها الصينية بقدر ما تفكر في القاء اتباعها في الجحيم الصيني نكاية بالغرب. وهي في ذلك انما تحتاط لإمكانية فشلها.

خدع الصينيون العالم ببضائعهم الرخيصة وغيروا المزاج العالمي غير أن الاستسلام لمزاجهم ينطوي على الكثير من الخطر. فالصين الشيوعية لا تزال ترغب في الهيمنة السياسية.