الصيد يتمسك بالاستقالة لا الإقالة

الصيد لا يريد الخروج بجرة قلم

رجحت دوائر مقربة من رئاسة الحكومة أن يقدم الحبيب الصيد الخميس استقالته وفق الدستور بما يكفل له مغادرة منصبه بطريقة مشرفة فيما قال الرئيس الباجي قائد السبسي إنه سيكشف اسم الشخصية التي ستتولى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية خلال يومين وسط تسريبات بأن مقاييس الترشيح تركزت على عنصري الكفاءة الاقتصادية والانتصار لخيار المصالحة الوطنية الشاملة.

وتوصل مراسل ميدل ايست أونلاين إلى أن الصيد يتمسك بعدم فسح المجال لإقالته ومتمسك بتقديم استقالته بنفسه وفق مقتضيات الدستور لمغادرة الائتلاف الحاكم بطريقة مشرفة بعيدا.

ويشترط الفصل 98 من دستور يناير 2014 ألا تتم استقالة رئيس الحكومة إلا عبر سحب الثقة نهائيا بموافقة أغلبية كتل البرلمان، الأمر الذي رأى فيه خبراء في القانون الدستوري أن الصيد يسعى إلى ربح حربه ضد الرئيس الباجي وفق دستور البلاد لا وفق إنهاء مهامه بشكل فردي لا يخلو من المهانة.

الصيد يحمل الباجي جزءا من فشل الائتلاف الحاكم

وفق معلومات استقاها مراسل ميدل إيست أونلاين، بعث الصيد أكثر من رسالة بعضها مشفر وبعضها واضح إلى قائد السبسي وإلى من يدفع باتجاه إقالته بأنه يمتلك من قوة الشخصية السياسية ما يؤهله لرفض تحميله وحده فشل أداء الائتلاف الحاكم وبأنه يحمل الرئيس الباجي شخصيا جزءا من الفشل باعتبار أنه من هندس مع راشد الغنوشي قبل عام تشكيلة الائتلاف.

والأربعاء كشف رضا بلحاج عضو الهيئة السياسية لنداء تونس حدة الحرب بين حاكم قصر قرطاج وحاكم قصر القصبة حين شدد على أن المبادرة التي أطلقها قائد السبسي بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية "تهدف إلى الإطاحة بالحبيب الصيد وبشخصه وتعيين شخصية أخرى بمساندة عناصر نافذة في النداء من بينها حافظ قايد السبسي نجل الرئيس الباجي وآخرين محيطين به".

وشدد على أنه "تمت احاكة مخطط لإرغام الصيد شيئا فشيئا على الاستقالة".

ونفى بلحاج المقرب من قصر الحكومة ومن قصر قرطاج على حد سواء في حوار الأربعاء مع قناة فرانس 24 أن يكون الصيد رضخ لتلك الضغوطات وقدم استقالته وذلك خلافا لما تداولته بعض التقارير الصحفية.

وشدد بلحاج المعروف في الأوساط السياسية بنزاهته على أن الصيد "رجل دولة وطني يحترم القانون" في إشارة مبطنة إلى أنه يرفض إقالته بجرة قلم من قبل الباجي.

وأرجع رضا بلحاج رفض الصيد مغادرة رئاسة الحكومة بطريقة مهينة إلا أن الرجل قد يخضع لإرادة التوافق ولكن عبر مؤسسات الدولة وخصوصا البرلمان "لا عبر عملية استبعاد" تحاك بناء على مصالح حزبية.

استقالة الصيد تشعل منافسة على خلافته

تتحدث دوائر سياسية عن اشتعال منافسة بين شخصيات مقربة من قصر قرطاج لخلافة الصيد من أبرزها رجال دولة كبار سابقون في نظام الرئيس زين العابدين بن علي، منهم رضا شلغوم الذي شغل وزيرا للمالية وعفيف شلبي الذي شغل وزير للصناعة والطاقة ويتولى حاليا حقيبة الصناعة والتكنولوجيا ومحمد النوري الجويني الذي تولى حقيبة وزارة الاستثمار والتعاون الدولي ونجح أنذاك في استقطاب أكثر من 3 الاف مؤسسة استثمارية أجنبية.

وثمة اسماء اخرى متداولة مثل سليم شاكر وزير المالية وخميس الجهيناوي وزير الخارجية.

رهان على كفاءة اقتصادية مؤمنة بالمصالحة الوطنية الشاملة

غير أن دوائر مقربة من قصر قرطاج رجحت أن يكون قائد السبسي قد رشح اسم شخصية لديها قدر كبير من الكفاءة في التعاطي مع الملفات الاقتصادية وتحظى بتأييد سياسي وشعبي كما تمتلك خبرة قوية في إدارة مؤسسات الدولة.

وأضافت الدوائر أن الرئيس الباجي يبدو أنه حسم ترشيح رئيس حكومة الوحدة الوطنية خلال نهاية الأسبوع ما لم يحدث طارئ وفق رؤية تراهن على إنجاح إنعاش الاقتصاد الذي دخل مرحلة الانكماش ولم تتجاوز نسبة نموه العام 2015 0.08 بالمائة.

وشددت نفس الدوائر على أن الرئيس الباجي يراهن في نفس الوقت على الأداء السياسي لرئيس الحكومة القادم وجهوده بشأن تفعيل المصالحة الوطنية الشاملة مع رجال الدولة الذين عملوا في نظام بن علي باعتبارها الخيار الوحيد والسليم لحشد أكثر ما يمكن من القوى والكفاءات في حكومة وحدة وطنية برامجية تقطع مع عقلية الإقصاء وتطوي صفحة الماضي.

وفيما تصاعد الجدل خلال الأيام القليلة الماضية حول الحكومة الوطنية شدد الرئيس الباجي على أنه ماض في تركيزها بعد مشاورات مع قوى سياسية ومدنية غير عابئ بأصوات معارضيه الذين لم يترددوا في التشكيك في خلفيات المبادرة وأبعادها والتحذير من تداعياتها على تفاعلات المشهد السياسي.

سعي محموم لاستثمار مبادرة الباجي للتموقع الحزبي

على الرغم من أن تشكيل حكومة وحدة وطنية بات شبه مؤكدة غير أن الحرب التي تفجرت بين قصر قرطاج وقصر الحكومة فجرت حروبا بين الأحزاب لا بشان تركيبة ذات أداء يبدد فشل الائتلاف الحاكم، وإنما بشأن سعي محموم لاستثمار مبادرة الرئيس الباجي للاستئثار بأكثر ما يمكن من المواقع ضمن الخارطة السياسية خاصة وان البلاد مقبلة على انتخابات بلدية.

ولم تخلُ الحرب التي تدور رحاها بين مكونات الائتلاف الحاكم وفي مقدمته النداء والنهضة إضافة إلى آفاق تونس والوطني الحر وكذلك في صفوف المعارضة من مزايدات سياسية من خلال الاستفادة من دفع المشهد السياسي برمته إلى إعادة خلق الأوراق في مسعى إلى تموقع جديد.

أما المعارضة التي تمثل الجبهة الشعبية اليسارية صوتها الراديكالي فهي تتمسك برفضها في المشاركة في حكومة يتواجد فيها الإسلاميون واختارت الانتصار إلى "رؤيتها للأوضاع" خاصة بعد أن حشرها قائد السبسي في "الزاوية" علها تكف عن انتهاجها لسياسات الانتقادات اللاذعة والرفض لتنخرط في "مسار الإنقاذ الجماعي بما يتناسب مع قناعة اغلب مكونات المشهد السياسي بان المرحلة الحالية تدار بديمقراطية تشاركية".

توقعات بتغييرات شكلية

وفي ظل رفض إتحاد الشغل القوة المدنية الأولى والجبهة الشعبية القوة الانتخابية الوحيدة المعارضة عن المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية لا يستبعد سياسيون أن تفضي مبادرة الرئيس الباجي إلى إعادة تشكيل تركيبة الائتلاف الحاكم في جلباب جديد مع إضافات "رتوشات على اللوك" تقود إلى الإبقاء على استئثار كل من النداء والنهضة بمواقع صنع القرار.

ويستدل السياسيون على ذلك بأنه في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الباجي إلى توزيع الحقائب الوزارية على أكثر ما يمكن من القوى والشخصيات السياسية بما يركز حكومة وحدة وطنية حقيقية، يدفع الغنوشي باتجاه توسيع مشاركة النهضة من خلال منحها أكثر ما يمكن من الحقائب الوزارية وهو ما ترفضه قيادات النداء وإتحاد الشغل والجبهة الشعبية.