الصورة الشخصية هل هي حالة الفنان الذهنية؟

ذات أعماق نفسية

الصورة الشخصية تختلف وظيفتها باختلاف هوية الشخص الذي تمثله، وأيضا المدارس الفنية والعصور، وكذلك ثقافة الفنان واهتمامه طوال خمسة قرون مضت. تعددت سمات الصور الشخصية فهل نجحت تلك الصور في التعبير عن الأعماق النفسية أو المكانة الاجتماعية من خلال نقل تعابير الوجه أو الاشياء المحيطة بالشخصية مع مراعاة التقاليد المتبعة في رسم الصور الشخصية، وما هو وجه الشبه بين الأصل والصورة؟

إن الوجوه التي يرسمه الفنان هي التي تكشف عن الوجدان الداخلي للشخوص التي يتعرض لها الفنان، فالوجه الإنساني ما هو إلا وسيلة للتعبير عن حالة القلق التي يعيشها صاحبها تجاه ما يجرى حوله، فجسد اللوحة يبدو بمثابة عالم متمزق تتعدد تركيباته الملموسة والمغيبة ف بوتقة من التناقصات التي يشفع لها الألوان والظلال والأضواء التي منه ما يكشف عن باطن الرسام ومنه ما هو مستقل عن ذلك.

كما أن هنالك ضوابط تتحكم في العمل كالهاجس والمتخيل، ومنها ما هو خاضع لأبجدية الرسم والدراسة الاكاديمية، وأيضا ما هو دال على فترة الصراع الحاد بين رغبة الفنان في التعبير والولوج إلى دنيا الإبداع وبين حدود قدرته على كتابة اللوحة وشحن فضائها والأبعاد النفسية في فن البورتريه.

لقد رسم ليوناردو دا فنشي ثلاث صور شخصية ذات أعماق نفسية، الموناليزا واحدة منها، بالاضافة الى صورة جينفيرا دى بنشى، فالكآبة البادية على وجه هذه السيدة تجعل من هذه اللوحة الأولى في تاريخ الفن التي تمثل حالة نفسية في هذا المجال. والصورة الثلاثة هي سيليسا غاليراني في متحف كراكو، وحتى القرن السابع عشر، أي على مدى قرنين من الزمن، لم تظهر الكآبة في أي صورة شخصية، وعندما أطلت لاحقا أتت على وجوه الرجال وليس السيدات.

نعود الى صورة جينفيرا لمعرفة سر تلك الكآبة التي تعود الى قصة مفاداها أنها انفصلت عن حبيبها برناردوبيمبو سفير البندقية الذي هجرها بعد قصة حب شهيرة، وكتب في تلك القصة ذائعة الصيت الشاعر براتشيزى قائلا:

فلتذرف الدموع جينفيرا وانت راحل وترجو النجوم أن تعاكسك

والعواصف الكبيرة أن تؤخرك وتمنعك عن السفر

اه ولكن خاب مناه فالرياح ساعدت بيمبو وأبحر وبقيت هي وحيدة على شاطى بيزا، كما تظهر في لوحة ليوناردو كئيبة ومنطوية على نفسها.

عاشت الرسامة المكسكية فريدا كاهلو حياة حافلة بالمآسي، فقد تعرضت إلى حادث سير أقعدها على كرسي متحرك لبقية حياتها. كما عانت من فشل حياتها الزوجية مع الرسام ذائع الصيت دييجو ريفيرا. بالإضافة الى الغيرة عليه ولادمان على الكحول ولإجهاض القسري، وقد نجحت السينما الاميركية في تصوير حياتها بفيلم يحمل اسمها.

تعود صورتها الشخصية المعنونة ببصورة ذاتية بالشعر القصير إلى سنة 1940 أي الى عام واحد بعد طلاقها من الرسام دييجو ريفيرا الذي أحبته حبا تسبب لها بالألم، مما دفعها الى اليأس.

وفي صورتها ترتدي بذلة رجالية، وهي تجلس على كرسي في غرفة تخلو من أي قطعة اثاث عدا الكرسي الخشبي الذي يتوسط الغرفة، مع خصلات الشعر الطويل الملقاة على الأرض وتحمل المقص بيده اليمنى دلالة على أنها هي التي قامت بقص شعرها بنفسها.

وبقص شعرها بتلك الطريقة إنما كانت تجسد الأغنية المكسيكية الشعبية التي تقول انظري اذا كنت قد احببتك فإن ذلك كان لشعرك الطويل، أما الآن فبشعرك القصير لم أعد أحبك، فقد كان الشعر القصير قديما قرين النبذ والتخلي والاذلال، كما ان الطلاق وفقدان الألق يجلب العار.

وتكمن الكآبة في هذه اللوحة في الألوان، فسيادة اللون الازرق والرمادي والبني الترابي يشي إلى الكآبة، وبعد هذه السنوات هل غادرت المرأة الصورة المرسومة لها الستريدتيب والموديل، هل وضعت فريدا كاهلو بصورتها بالشعر القصير عهدا لنهاية عصر المرأة المستعبدة والتي تحب لجمال شعرها.

إن كل الفنانين الذين رسموا أنفسهم حرصوا على إتقان التشابه بغض النظر عن الخطاب الذي حملوه للوحاتهم، وعمدت الغالبية إلى إسباغ هالة جمالية سعيا إلى أن تكون اللوحة ذات جاذبية إلى حدود تبقيها صالحة للزينة.

روبنز اراد أن يؤكد مكانته الاجتماعية، أما رامبرانت فقد قصد استدرار العطف، ويوجين ديلاكروا ظهر بمظهر البطل الرومنطيقي، أما بيكاسو فقد أطاح بكل التقاليد المتبعة في رسم الصور الشخصية، ففي صورته نرى الوجه بيضاوي الشكل لا يمد إلى وجهه الحقيقي بصلة. ويبدو شعره في غاية القصر، أي يختلف تماما عما كان عليه شعره في الواقع، واستخدم الألوان الترابية التي تفتقر إلى النضارة والجاذبية المألوفة في الصور الذاتية.

• سجن النفس في داخل إطار اللوحة

إن حالة القلق التي يعشها الفنان دائما ما تنعكس على فضاء اللوحة، وهنا تكمن قدرة الفنان في نقلها إلى المشاهد، إذ يرى الفنان أحمد عامر أن الرسام يعبر عن حالة معينة أو عن شخص ما، وإلى فترات طويلة ظل البحث عن سر ابتسامة الموناليزا قائما، فهل كان دافنشي يعبر عن ذاته، أم أنه حالة شعورية خالجته.

ومن تعدد إنتاج دافنشي لعدة أعمال نخلص إلى أن الحالة الشعورية ليست واحدة في العمل الفني بشكل عام، ويشذ عن هذه القاعدة الفنان الذي يتعامل مع الكاميرا الماثلة أمامه، فنقل إحساس الإنسان المعبر عنه يرجع الى الصورة التي تساوى الف كلمة.

تشكل صورة المرأة في فن البورتريه مع أول صورة رسمها الانسان على جدار الكهف أو نحتها في صخر، وقد مرت صورة المرأة الفنية البدائية بعدة مراحل كالمعبودة والطوطم وإلهة الخصب والجمال والخير.

وأول من كسر الإطار وخرج من الصورة إلى رسم الصورة بدأه الفنان الفرتسية فييجة لوبران، إذ كانت وظيفة صورة الأنثى الرقص والغناء والموسيقى، وكرّس تاريخ الحضارات الفنية العالمية الى اختزال صورة المرأة في ذات تحمل التنوع.

وقد صور الرجل المرأة. بيد أن المرأة إذ تشبه الرجل لكونها صورته فهي مختلفة عنه، وذلك أن صورة الشيء ليست عين الشيء، وان الذكر ليس كالأنثى.

وحول سؤالنا عن الصورة الشخصية هل هي حالة الفنان الذهنية، أفادنا الرسام محمد اذ أرجع ذلك إلى المرئي والخارجي، ومن ثم الى استيعاب الذاتي والباطن، ومن ثم إحداث حالة تزاوج بين الموضوعية والذاتية، حيث يتم العمل الفني بإعادة صياغة ما يراه الفنان، وذلك الحد الفاصل بين الكاميرا وعمل الفنان. وتوثيق الكاميرا أحدث تحولا كبيرا في محاكاة الفن وتفاعل الطبيعة.

• "الفن إدراك حسي خالص" هنري برجسون

تكمن أهمية اللوحة في صناعة واقع مختلف عن الأصل الذي تصوره الكاميرا، أما معالجة المساحات بالألوان وخاصة الملابس فهو ذروة ما وصل اليه البوب آرت. إن المكانة التي تحتلها أي لوحة في تاريخ الفن تعود إلى الظروف التي أنجبتها والمدرسة التي ينتمى اليه الرسام، فهنالك المدرسة الهولندية التي ظهرت في القرن السلبع عشر والتي تميزت بالتقاط للحظات الهاربة من الحياة اليومية المتحركة وتجميدها.

إذن كيف يلتقط الفنان الإنسان من واقعه ليضعه على سطح اللوحة جسدا حيا متأملا في ما حوله، ذلك ما سوف نعرفه من من ريئس قسم الفلكلور والتراث بكلية الأحفاد للبنات الرسام عبدالمنعم خضر الذي قال إن الوقت عامل مهم في اختيار الصورة الشخصية، فالوقت نوعان الاول عند الصباح حيث تكون الرؤية واضحة، أما الثاني فعند المساء، وهذا أسوأ الأوقات وقبل إجراء عملية الرسم لا بد من معرفة الشخصية، أي معرفة مزاجها الشخصي ونظرتها، فالعيون هي التي تنقل باطن الشخصية، فالنظرة الشاردة والحدس النفسي الذي تحدثت عنه المدرسة السريالية هو الذي استطاع تجسيد حالات اللاوعي، كما في صورة جينفرادى بنشى التي تمثل حالة نفسية من الكآبة على وجه هذه السيدة، كما أن حالة الفنان النفسية ذو تأثير كبير على منجزه الفني إذ لا تنفصل الذات عن الموضوع.