الصندوق الاسود الجاثم على الطاولة

لعلها اشبه بمسرحية من مسرحيات العبث، تلك الالعاب النارية التي يتناوشها الاقربون والابعدون يرمونها في الفضاء وعلى الارض وفوق التلال وفوق القرى وفي اي مكان المهم ان هنالك اصوات انفجارات تسمع ورائحة بارود تُشَمّ وعلى الكل ان يملأ الارض لهيبا، تلك هي الخلاصة العبثية المتعلقة بأرض الحروب السورية، اهلية واقليمية وحتى دولية.

الكل يطلق الصواريخ بكل اشكالها واسمائها ثم يتطور الامر الى اتخاذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الامر وكأنه مناورة عسكرية بالذخيرة الحية، وربما هي كذلك بالنسبة له كذلك، فما يقوم به من "بهلوانيات" غريبة تلفت النظر حقا، فبعد قصة اطلاق الصواريخ المجنحة بعيدة المدى ذات القدرة التدميرية الهائلة التي قيل انها مرت من فوق ايران وفوق العراق حتى انتهى بها الامر في اخر المطاف في الرقة السورية وعند جبل التركمان حيث يد اردوغان التي تؤلمه.

بموازاة ذلك وبعد هذه المقدمات يكون رهط واسع وكبير من المعارضة السورية قد حطوا رحالهم بالرياض لعقد مؤتمر تشاوري حول المستقبل السوري في ذات الوقت يكون بوتين قد اصدر اوامره بأستخدام سلاح فتاك جديد في شكل صواريخ مجنحة تطلق من غواصة غاطسة في البحر المتوسط لتدك ما قيل انها قواعد لداعش في الرقة ايضا.

لكن بوتين المنتشي بهدير صواريخه المجنحة التي حالت حتى دون استمرار مرور الطائرات المدنية فوق العراق خوفا من اصابتها بصاروخ مجنح يطلقه بوتين، بوتين المنتشي بصواريخه الكثيرة المتنوعة التي يطلقها من حيث شاء، هاهو يوجه للعالم صفعة مفاجئة بالقول ما نصه "آمل ان لا نضطر الى تزويد صواريخنا برؤوس نووية". قال ذلك وهو ما بين المنتشي وبين الناعي الناعب لمنظر الصندوق الاسود وقد سجاه وزير دفاعه امامه على الطاولة.

يرثي بوتين واعلامه زمنا سوفيتيا جعل تركيا اردوغان تجرؤ على ما يسمونها "طعنة الغدر والخيانة" في الظهر، ذاك الزمان – كما يقولون – قد ولّى وقد حل محله عصر روسيا واذرعها الضاربة، وهي في كل الاحوال حماسة شعبية تزيح شيئا من الاحباط، جماعات ترى في بوتين فارسا مغوارا يدحر الخصوم، فلا وجه لمقارنته مع الرئيس الاميركي المتردد الذي يراقب شاشات التلفزة ويترجم بلا انقطاع زمجرة بوتين من جهة وتخريفات المرشح الرئاسي الموتور ترامب.

في ظل هذا المشهد السوريالي لابد من السؤال عن هذا الاحماء والتسخين والحنق والانفعال الى اين سيفضي والى اين سيقود لا سوريا فقط بل المنطقة بأسرها؟ فعلى وقع التسخين الروسي تطل ايران برأسها، ينبش اعلامها في شبه ملاحقة بوليسية عن سارق النفط، ومشتريه ومهربه حتى لعنت ايران الثلاثة جميعا والمحت الى اردوغان تناغما مع معطيات الحليف الروسي واسترضاء له وهو الذي وعد بصواريخ (أس 300) تدخل في خدمة الجيش الايراني.

اما من جهة الخصم العنيد اردوغان، فتراه يلجأ الى اسلوب اللكمة الخاطفة ثم يخفي قبضته، قال انه اتصل بالرئيس الايراني وحذره من نتائج وخيمة في حال مضي ايران في ترديد الهرطقات الروسية تجاهه واسرته ثم اختفى الرجل ثم اطلق العنان لرئيس وزرائه المراوغ المحنك الذي تارة يعزف ناعما تجاه العملاق الروسي وتارة يريه العين الحمراء.

لكن القيصر الروسي لا يبدو انه مستفزا كثيرا بسبب شاتميه والحملات الاعلامية الغربية والتركية المتصاعدة ضده فهو مشغول بما هو اهم، بالكبرياء الروسي المسجى على الطاولة في هيئة صندوق اسود، اجل وكأن ذاك الصندوق الصغير الذي فتحه وزير الدفاع، هو صندوق الأحزان الروسية الذي جعل بوتين يوصل خياله الانفعالي الغضبي الى اقصاه بالرد الماحق المدمّر الذي لوّح به لارهابيي داعش لكنه ومن دون ادنى شك استثمر لحظة عاطفية عاصفة ليوصل تهديدا مبطنا لخصوم روسيا كلهم، الاطلسيون ومنهم اردوغان بأن صواريخ "كاليبر" المجنحة جاهزة لأن تُلقَم رؤوسا نووية لتحرق الارض وما عليها.

يريد بوتين تشييعا عالميا لصندوقه الاسود المسجى على الطاولة مطالبا بحضور خبراء من انحاء العالم وكأنه يتلمس كورالا عالميا يرثي ما كان ويلهب حماسته لمزيد من جولات الصراع والنزاع على الارض السورية وفي غير الارض السورية.