الصمت والصراع والتصوف في ديوان 'كيميا البشر'

بقلم: محيي الدين إبراهيم
محروم من التواصل

نادرا ما يقع بين يدي ديوان باللهجة العامية وانفعل به، إذ أن دواوين العامية تعتمد بشكل رئيس على كتابة الشعر بلهجة شديدة الخصوصية بالشاعر وبيئته ومجتمعه وقبيلته التي ربما لا تتوافق مع لهجة وبيئة ومجتمع القارئ نفسه حتى وإن كانت تجمعه والشاعر لغة أم مشتركة، فكما أن اللغة العربية الفصحى مشتركة بين أبناء الوطن العربي إلا أنك تجد من النادر استيعاب لهجاته المحلية في كل ناحية من أنحائه، فما بالك بقراءة هذه اللهجات ومحاولة فهمها!، ومن ثم تظل دائما قضية الشعر العامي (شعر اللهجة) أنه حبيس القبيلة حتى ولو انطلق خارج حدود القبيلة لارتباطة بقضايا القبيلة وصراعاتها الداخلية المحدودة الضيقة.
ومن هذه الزاوية تأتي أهمية ديوان "كيميا البشر" للشاعر الشاب احمد عبدالجواد، كون أحمد عبدالجواد ليس مجرد شاعرٍ ينتج إبداعا، ولكن كونه رئيساً لجماعة أدبية هي جماعة "آدم الأدبية" التي قامت على أسس ومنهج تقديم منتجٍ إبداعي للمجتمع العربي والثقافة العربية ينتمي للوطن بشكل عام ويتبنى قضاياه الرئيسة، وعليه فإن أي منتج يخرج عن هذه الجماعة لابد وأن يكون يقظاً لمسألة الخروج من إطار القبيلة الضيق والتجربة الذاتية محدودة الأفق لإطار الأمة والوطن الواسع وإلا خالف الإبداع روح الجماعة وفلسفتها التي قامت عليها، ومن ثم أصبح مجرد (محيط من اللا معنى)، ولا قيمة حينها لا للجماعة الأدبية ولا لمنتجها الثقافي أيا كان موضوعه.
ولعل من الملاحظ في الآونة الأخيرة، ومن خلال قراءتي لإبداعات كثير من الشباب العربي، أن أجد خطاً درامياً رئيساً يجمع بينهم مهما اختلفت بلدانهم وباعدت بينهم المسافات أو اختلفت بينهم طرائق الإبداع سواء شعرا أم نثراً أو مسرحاً، وهو خطاً درامياً مشفراً لا يستطيع فك جزء من طلاسمه إلا من عايش بقدر مشاكل هؤلاء الشباب واقترب منهم، واحترم قدرتهم على العطاء الذي هو بلا شك عطاءً إيجابياً يمتلك الكثير من الرؤى الجادة.
ولو قرأ صناع القرار إبداعات الشباب المعاصر لأدركوا أن الشباب يختزن في أعمق نقطة في قلبه حتمية التغيير، وأن هناك غدًا قادما ليس كأي غد سبقه، وأن الوطن يتحرك وسيضاء فجأة إضاءة ربما لا نتوقعها جميعاً الآن لكن إن أدركناها معهم سنكون حتماً أكثر قيمة مما نحن عليه الآن.
قرأت الديوان بحذر شديد وقررت أن ألقيه جانباً وإلى الأبد إن وجدته مجرد تجربة ذاتية محدودة أو حبيس صراع لا ينتمي لنا أو لروح المجتمع الذي نحياه جميعا وما يحيطه من صرا عات وقضايا، ووجدتني مع أول قصيدة اكتشف أن أحمد عبدالجواد قد انتبه لكل تلك الوساوس وقفز فوق لهجة القبيلة بشفراتها المعقدة إلى لغة بسيطة مفهومة يستطيع قراءتها أي قارئ للعربية داخل محيط الوطن وخارجه مهما كانت لهجته، وهو أمر دفعني للاطمئنان والاستمتاع بهذا الديوان الذي أراه إضافة ناصعة لإبداع جيل الشباب في وطننا العربي والمكتبة العربية، وإضافة لاتقل نصاعة لجماعة "آدم الأدبية" التي تخطو خطواتها الأولى في عالم ثقافي عربي ملئ بالمفاجآت والتحديات الحضارية.
وديوان "كيميا البشر" ببساطة هو ملحمة الصمت والصراع والتصوف، صمت الناس وصراع النخب الحاكمة وتصوف المخلصين بداخله لبناء علاقة إيمانية طمعاً في قدوم الغد المضئ الذي طال انتظاره. والشاعر هنا ليس صامتاً ولكنه يعيش مناخ الخوف والقهر في مجتمع صامت محبط استشعر اليأس وانعدام قدرته على التغيير، لذا فالشاعر يقرر الصراع والتحدي ولكن حين تتملكه لحظات اليأس أحيانا أو يستشعر أنه "دون كيشوت الثاني" يصارع طواحين الهواء يهرع لزوايا الإيمان الواسعة، يتأمل .. يتصوف .. يستنشق هواء المقاومة والتحدي للبقاء صلباً وحيًّا وليس مهزوما مسلوب الذاكرة مطروداً من جغرافية الزمان والمكان.
ولعل من أهم أحاسيس التصوف والرضا لمقاومة روح الانهزام وإشعال فروسية التحدي ما جاء في قصيدة "البحر": ولأن الناس بتموت في اليوم مرة ومرة ..
ولأنك لو صبيت البحر في أيدك ..
مش هينوبك إلا مكان ما هتاخد أيدك
ولأن الشاعر يقظٌ لحالة الصراع التي يحياها في مناخ تعمه الفوضى وحيث أصبح يقامر بحياته التي ربما يغيب بفقدانها عن محبوبته، فهو يواسيها ويؤكد لها أن ما صار فارساً إلا لكونها محبوبته التي لا يقبل أن تكون له إلا وهو يستحقها بشرف البقاء أو شرف التضحية من أجلها كونها بالنسبة له شعاع الأمل الأخير المتبقي في وجدانه فيقول: وحشاني يابت ..
البحر بعيد غدار ..
آخر جلاليبي بأفردها وعاملها شراع ..
عريان
لأجلك ..
***
الشتا بيصحي طابور الحزن التايه جوه ملامحي ..
ما عارف إمتى الفرح هايجري
ويروح ع الغيط
يزرع جوه عيونك
شكل الكلمة الناقصة مابيني
وبين حبيت.
والشاعر محروم من التواصل مع محبوبته .. وطنه .. عالمه، لا لشئ إلا لسيطرة الطواغيت على العالم الذي لا يحمل فيه الشاعر سوى قلبه وإيمانه الذي يؤكد عليه في قصيدته "المعراج" فيقول: الضحك صار عنقود حياه
خارج مابين الانبساط والمحزنة
(اليومُ يومُ الملحمة)
ثم يقفز بنا في ساحة الصراع بسيناريو سريع متلاحق ومفعم بالحركة كأنك وأنت تقرأ تسمع صهيل الخيل وصليل السيوف، وهي فرصة يستصرخك فيها أن تفيق من صمتك فيقول: الأرض بارت
والعقول اتصهدت
والدم فاير زيت فنار
***
يا مجتبي
يامن صعود الروح إليك
محض انهزام الجسم بس
أنا مش نبي .. أنا مش نبي
ويضعنا أحمد عبدالجواد بنهاية هذه القصيدة في فخ القصيدة التي تليها، فخ امتحان يعقده الشاعر للناس ويقدم فيه أسئلة تتعلق بسخريته من صمتهم وانهزاميتهم رغم أنهم ليسوا أهلا لذلك، والمثير هنا أن الشاعر استخدم في سخريته من أدعياء الجهل ونشطاء القهر أسلوبا جديداً رائعاً، إذ وضع من خلفه "جوقة" تحدث ضجيجاً من حوله ومن حولك بحيث يتم دفعك طوعاً أو كرهاً لأن تخجل من مشاعر الانهزام والسلبية وأن تثور على الشر واليأس ابتغاء الكرامة فيقول: الشر شر الاحتمال عند البشر
يامن سمعتوا الأجوبة دون انتظاركو للكلام
(فاصل إيقاعي من عند كونشرتو الغياب)
ملك كتابة قول ياعم
الحب فرح
الحب غم
الحب شئ مبني بعنصر من عناصر ..
انتصار / انهزام
هل معنى حبي إني آجي واعتذر
أم إن معنى المعنى إني آجي ومعتذرش؟
(فاصل ايقاعي من عند مدرسة الهزايم)
ونلاحظ هنا أن "الجوقة" لاتنفك تؤكد على كلام الشاعر، ولكن بإيقاعات ساخرة تنال من المهزومين والمحبطين ليس بدافع الإجهاز عليهم، ولكن بدافع حثهم على الثورة وتغيير طبائعهم المجافية لأبسط قواعد الشرف الإنساني، ولا ينكر الشاعر في هذه اللحظة أنه واحد من هؤلاء ايضاً وأنه يستوجب عليه اجتياز الامتحان معهم فيصرخ ثائراً: ضع معنى كلمة سور في جملة من خيالك
السور مسور مهدنا ومهد البلاد
السور سوار حوالين رقاب كل العباد
السور سنان سانة نيابها في انتظار طهو الجياد
السور مدينة ماتفهموا
فيها بشر
أسواق
مساجد
أرصفة
لكن مدينة ع الحياد
بحق ما أروع هذا الإمتحان الصعب، الذي وضعنا فيه أحمد عبدالجواد عند قراءة ديوانه الذي يبحث فيه عن حقيقة الصمت والصراع بتصوف أجاد من خلاله التصوير وحبك المشاهد بحيث إن لم تكن يقظاً وأنت تقرأه ستفقد حتماً لذة الإحساس بزمن الديوان، ولذة إحساسك بالفروسية، ولذة أن تتحول مشاعرك في لحظة إلى طلقات رصاص تدفع بها عن واقع الوطن هموم السقوط من التاريخ والجغرافيا وجمود الزمن.
الديوان كبير، ويستحق القراءة أكثر من مرة، ولكني سأكتفي في آخر قراءتي للديوان بالغناء مع الشاعر ومع قصيدته الأخيرة وبنفس حالة التصوف الجميل التي ملأني بها وبدأ فيها غناءه أو ربما بدأ فيها بث حزنه للوطن حيث يقول: يا بهية
يا أم العيال الشايلة جوعها ومستحية
فين اللي مقطوع الوتر
مين يعرف المنبوح سكات
(مات اللي مات!)
لموا البيارق .. والسرادق .. وانشدوا رد الآيات
(مات اللي مات!)
لا الجوع طريق هنسلكه
ولا الشبع م الذكريات
يا بهية
***
بكرة برضه
يطرح المستور جفافه
يروي عين كل اللي شافه
تتبدر عينك في ايدي
ضحكة صافية
تملا كل الوش بيكي
فرحة شافية
بس نفضل احنا احنا
والفرح هو الفرح
بس نفضل احنا احنا
والفرح هو الفرح
الفرح هو الفرح
يا بهية.
*** محيي الدين إبراهيم
إعلامي مصري ورئيس تحرير جريدة "صوت بلادي" بالولايات المتحدة الأميركية