الصكلي في تأملاته الخاصة بميدياتيك أريانة

لوحات متعددة لفنان تونسي هام بالتراث دراسة ورسما تأخذه الهوية ليقول بالجوهر الكامن في الإنسان.


التشكيلي التونسي يقدم في معرضه الفردي عددا من اللوحات منها "أصالة" و"معمار" و"خمسة" و"سطوع" و"سكينة" و"تشابك" و"سيلان" و"زحام" و"تانيت"


الصكلي يرى الفن مجال تشبث بالجوهر من خلال التثمين للتراث ومشتقاته من هوية وأصالة

أعمال فنية، وفي أحجام مختلفة تحلت بها أروقة فضاء المعارض بالمكتبة النموذجية بأريانة "الميدياتاك" حيث كانت التلوينات مجال عمل تشكيلي بالأكريليك وفي فترات مختلفة وخاصة بفترة الحجر الصحي الأولى، حيث كان المجال للتأمل وهنا يكمن جوهر الفن فما قيمته وجدواه إن كان بلا أسئلة وحيرة وتأمل نعم الفنان هو كائن وبمثابة طفل يمضي في عوالمه المتعددة بكثير من الحلم يرقب الأشياء والعناصر والتفاصيل لا يرتجي غير فكرة ملونة يسميها العمل الفني.
هام بالتراث دراسة وبحثا تأخذه الهوية مدار اهتمام واشتغال ليقول بالأصل والجوهر الكامن في الإنسان.
نحن في عهود عولمة متوحشة ترتجي الانتهاء بالهويات والخصوصيات إلى هوية واحدة يكون معها الإنسان رقما للاستهلاك ليتحول بالنهاية إلى متحف مهجور بلا لون ولا رائحة ولا طعم، بلا روح. التراث والهوية مجالا انطلاق صاحبنا الفنان الذي نحن بصدده وقد عدد من عمله ونشاطه وفعله المجتمعي ليكون بالمحصلة التي كانت حوالي أربعين سنة طفلا فنانا حالما بالمضي أكثر في حواره مع القماشة والتلوين معبرا عن هواجسه الدفينة التي هي الكنه والجوهر والينابيع. 
هكذا رأى الأشياء .. فكان هذا المعرض تأملا آخر في فسحة يواصل بعدها رحلته الفنية التي تخيرها في هذه الحياة المتحركة وتحيل إلى سنوات من اشتغاله الفني الجمالي في عوالم الفنون الجميلة.
الفنان التشكيلي عبدالحميد الصكلي يقدم في هذا المعرض الفردي عددا من اللوحات منها "أصالة" و"معمار" و"خمسة" و"سطوع" و"سكينة" و"تشابك" و"سيلان" و"زحام" و"تانيت" وغير ذلك من العناوين المعبرة والدالة على تعلقه بالتراث والهوية، فهو يرى الفن مجال تشبث بالجوهر من خلال التثمين للتراث ومشتقاته من هوية وأصالة. 

مسيرة فنان يقول بالقيمة تجاه الأصيل والجوهري وفق رؤيته للفن وللعناصر والأشياء والعالم

والمتأمل في اللوحات المعروضة منذ مساء السبت 19 سبتمبر/أيلول (يتواصل المعرض إلى يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول) يلمس دون عناء الحضور البين للمعمار التقليدي والقصور القديمة بمطماطة والعلامات المخصوصة للمرقوم وما يلائم ذلك جماليا من ألوان تخيرها الفنان في فضاء اللوحة زخارف وعلامات وأشكال هي من صميم مكوناتنا الجمالية التراثية جعل منها أدوات في اللوحات ليعلي من شأنها ويبرزها في مختلف لوحاته الفنية.
هو من مواليد تونس سنة 1952 وحصل على إجازة الفن التشكيلي اختصاص "ثقافة واتصال" من المعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية بتونس، وكان له مجال للتدريس بالمغرب من سنة 1978 الى سنة 1990 ثم أدار مصلحة الأنشطة الثقافية والرياضية بوزارة التربية منذ سنة 1990 ثم رئيس مصلحة. ومنذ سنة 2009 عُين مديرا للتنشيط الثقافي والاجتماعي والرياضي، وترأس منذ سنة 2002 الجمعية التونسية للتربية التشكيلية، وكان له سنة 2015 معرض خاص حول المرقوم وذلك خلال تظاهرات شهر التراث وفي رواق "صلادان". 
وعن تجربته ومعرضه هذا يقول: أنا من جيل الحبيب بيدة ونورالدين الهاني ولمين ساسي ومن أساتذتي خليفة شلتوت والهادي التركي والناصر بالشيخ وحسين التليلي، حيث تخرجت كأستاذ تربية تشكيلية ثم كانت لي تجربة بالتعاون الدولي لأدرس بالمغرب الشقيق بمركز في إطار التعاون بين تونس والمغرب.
وفي الفترة بين سنتي 1983 و1990 درست بمعهد العمران بعدها كان إلحاقي بوزارة التربية كرئيس لمصلحة التنشيط الثقافي والرياضي، وفي سنة 1992 وقع بعث إدارة الأنشطة الثقافية والرياضية بالوزارة، وكنت ميرا مساعدا ثم مديرا لهذه الإدارة، وكانت لي تجربة مهمة في هذا الجانب الثقافي الرياضي التربوي حيث أشرفت على كل الأنشطة الثقافية المدرسية من جميع جوانبها، وفي سنة 2012 كان تقاعدي لأتفرغ منذ ذلك الحين إلى الفن والاشتغال أكثر على تجربتي الخاصة والمشاركة في المعارض فضلا عن معارضي الشخصية في عديد المواعيد والمناسبات.
بالنسبة لتجربتي في المجال الجمعياتي كانت الفترة من سنة 1989 الى سنة 1994 ثرية بالنشاط منه عضويتي بالجامعة التونسية للتنس، حيث رافقت عددا من اللاعبين في دورات عربية ودولية. وبالنسبة للجمعية التونسية للتربية التشكيلية فقد ترأستها من سنة 2002 إلى سنة 2017 وهي تضم أساتذة التربية الفنية وقد نظمنا خلالها عددا من الأنشطة في فضاءات ثقافية متعددة بالمرسى وتونس والمنستير وسوسة وتعددت معارض الفنون التشكيلية والأنشطة الفنية كذلك.
في الأثناء كان نشاطي الفني التشكيلي، فأنا عضو باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وكذلك بنقابة الفنانين، وكانت لي مشاركات في عديد المعارض الفنية الجماعية، كما أقمت معارض خاصة بي في عدد من الفضاءات الفنية والأروقة التشكيلية، هذا إلى جانب مشاركة دولية بملتقى القصبة الدولي بالمغرب وبورزازات سنة 2013 وبمدينة الجديدة سنة 2016 إلى جانب معارض أخرى بتونس منها معرض سيدي بوسعيد ومعرض ميدياتيك أريانة. 

فن تشكيلي
لوحات أنجزتها خلال فترة الحجر الصحي

معرضي الحالي برواق المكتبة المعلوماتية النموذجية بأريانة هو نتيجة ومراكمة لتجربتي التي تمسح أربعين سنة من العمل الفني التشكيلي، وضمن مرجعية جمالية نهلت أساسا من التراث التونسي وهذا في الحقيقة امتداد للدراسة التي قمت بها ضمن ختم دروسي الجامعية بالمعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية (البوزار حاليا) وحول العناصر الزخرفية والنباتية والهندسية في الفن الإسلامي، وما يعبر عنه بالآرابيسك، واشتغلت على الأعمال الفنية الموجودة في القصور في عصور الأندلس ومنها قصور غرناطة وكذلك بمواقع إسلامية كجامع عقبة بالقيروان من الباب الرئيسي من خلال زخارف مأخوذة من عناصر نباتية وهندسية حيث هناك تداخل بينها وكذلك الكتابة المنقوشة ضمنها. 
وبخصوص تجربتي الفنية والبحثية التي هي امتداد لأطروحتي التي ذكرتها فقد اكتشفت ما هو موجود بالمدينة العربية وبالمعمار الصحراوي مثل المساكن الموجودة بالقصور الصحراوية مثل مطماطة وأيضا من خلال النسيج والمرقوم مثل مرقوم قفصة ووذرف والقيروان بقرى الساحل التونسي ونفس الشيء بالنسبة للزرابي.
في معرضي الحالي برواق مكتبة اريانة المعروفة بـ "الميدياتيك" هناك نسبة 60 % من اللوحات التي أنجزتها خلال فترة الحجر الصحي من مارس إلى أغسطس/آب من هذا العام الجاري، وبالفعل عشت فترة تأمل في كل شيء في سياق حالات وأوضاع بلادي والعالم وقد وقفت لأقيم ما أنجزت وما أحلم بإنجازه في هذه المسيرة من تطور المضامين التشكيلية وتنوعها الفني وفق الحفاظ على الترات وتثمينه ودور الفنون التشكيلية في هذا المجال المتصل بالهوية والتراث.
وفي هذا السياق الكوني المتردي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا رأيت في الفن ملاذا للتفكير والتأمل والتواصل والاستمرار حيث الفن حالات تجاوز وإبداع وابتكار، وللفنان والمثقف أدوار مهمة بالنتيجة وفي جميع المجالات. وهكذا سيكون عملي الفني لاحقا في هذه المواصلة مع التراث رغم هذا المد الكبير لتيارات الفن المعاصر. وبعد مسيرتي هذه (40 سنة) سأمر ربما إلى طور آخر، ومرحلة جديدة لأستعمل تقنيات جديدة لكن دون الابتعاد عن الجوهر الذي هو بالنسبة لي التراث والهوية. 
في "ميدياتاك" أريانة بستان من تلوينات الفنان عبدالحميد الصكلي التي تبرز مظاهر التراث والهوية في لوحات كانت بمثابة العناوين الدالة على حيز من مسيرة فنان يقول بالقيمة تجاه الأصيل والجوهري وفق رؤيته للفن وللعناصر والأشياء والعالم.