الصفعة والصافع والمصفوع

بقلم: جواد البشيتي

أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وجورجيا.. إنَّها في حدِّ ذاتها (قوى، وأزمات، ودولاً، وشعوباً، ولاعبين) ليست بذات أهمية، فهي ليست سوى الأشياء الصغيرة التي بفضل حماقة ساكاشفيلي (الرئيس الجورجي) اكتسبت ما اكتسبت من المعاني الكبيرة.
إنَّها "الصفعة"، فـ "الصافِع" هو بوتين ـ مدفيديف، و"المصفوع" هو ساكاشفيلي؛ أمَّا آلام "الصفعة" فكانت من نصيب بوش.
ومرَّة أخرى، يعود إلى العراق الفضل الأكبر، فلولاه لَمَا تأثَّر بوش بدورة الألعاب الأولمبية في بكين، متحلِّياً، بالتالي، بـ "فضيلة الروح الرياضية"، وإنْ ليس في الاضطِّرار فضيلة.
ساكاشفيلي، غربي الهوى، "وروديِّ الوهم"، لم يتعلَّم من تجربة، أو مأساة، غيره (قوى الرابع عشر من آذار في لبنان مثلاً وعلى وجه الخصوص) فخاض التجربة ذاتها بنفسه، متوهِّماً أنَّ النتيجة ستكون مختلفة هذه المرَّة، فإذا به، وعن غير قصد، يُعلِّم مَنْ بقي فينا من ذوي "الأوهام الوردية" أهمية وضرورة أن يُطلِّقوا ثلاثاً الولايات المتحدة، وأن يدركوا، قبل فوات الأوان، أنَّ "الثقة المفيدة" هي أن يثقوا بأن "القوَّة العظمى في العالم" لا يمكن الوثوق بها!
هذا الواهِم الأكبر لم يرَ لا العراق، ولا لبنان، ولا إيران، حيث اخْتُبِرَت خير اختبار قوى القوَّة العظمى في العالم، مُركِّزاً بصره وبصيرته في كوسوفو فحسب، فظَنَّ، أي توهَّم، أنَّه ما أن يُحْكِم قبضته العسكرية، ليلاً، على أوسيتيا الجنوبية، وعاصمتها تسخينفالي، حتى ينتهي كل شيء، فروسيا، وإنْ كان في مقدورها أن تُدمِّر جورجيا وجيشها في ساعات، لن تجرؤ، فالذي ردعها عن الوقوف إلى جانب صربيا ضد استقلال كوسوفو سيردعها، أيضاً، عن إرسال جيشها إلى أوسيتيا الجنوبية لمقاتلة جيش جورجيا، التي توشِك أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، والتي تَنْظُر إليها الولايات المتحدة، التي في عطشٍ دائم إلى كل قطرة نفط في العالم، على أنَّها "الأنبوب" الذي ينقل النفط من بحر قزوين إلى البحر الأسود، وإلى تركيا، فإلى أوروبا، وينال، بالتالي، من قوَّة النفوذ الاستراتيجي لروسيا في أوروبا والمتدفِّق عبر أنابيب الطاقة في الأراضي الروسية.
وظنَّ (أي توهَّم) أيضاً أنَّ الولايات المتحدة ذات المصلحة الاستراتيجية في نشر بعضٍ من درعها الصاروخية في بولندا وتشيكيا، وفي توسيع حلف الأطلسي شرقاً، أي حتى الحدود الروسية، وفي توسيع وتعزيز وجودها العسكري (بصوره المختلفة) في جورجيا وغيرها، لن تسمح لروسيا بأيِّ عمل ضد جورجيا يمكن أن ينال من قوَّة الردع التي تتمتَّع بها هناك، ويزعزع الثقة بجدوى التحالف معها.
الآن، هُزِمَت جورجيا شرَّ هزيمة في أوسيتيا الجنوبية؛ ولسوف تُهْزَم أيضاً في أبخازيا. الجيش الروسي لن يدخل (على ما هو مرجَّح حتى الآن) تبيليسي ليرفع العلم الروسي هناك؛ ولكنَّ الولايات المتحدة لن تنتصر، سياسياً وعسكرياً، لجورجيا بما يمكِّنها من استعادة السيطرة (والسيادة) على المنطقتين المتمردتين الانفصاليتين؛ ولا بدَّ لهذه التجربة الجديدة، بحقائقها وأوهامها، من أن تضطَّر كثيرين إلى استخلاص الدروس والعِبَر منها، توصُّلاً إلى إنشاء وتطوير مواقف جديدة، فهذا الذي اختلف يجب أن يُنْظَر إليه بعيون مختلفة.
مع "احتلال" جورجيا لمنطقة (أو جمهورية) أوسيتيا، فـ "تحرير" الجيش الروسي لها، "احْمَرَّ" كثيراً، وأكثر من ذي قبل، لون "قوس الأزمات"، الممتد من إيران إلى القوقاز مروراً بأفغانستان والعراق وبحر قزوين (النفطي).
القوَّة العظمى في العالم تقطر دماً من رأسها حتى أخمص قدمها في العراق وأفغانستان؛ وإيران النووية تتحدَّى هذا العملاق الجريح أن يمنعها من المضي قُدُما في عملية تخصيب اليورانيوم، مهدِّدةً بمنع رُبْع النفط العالمي، وفي زمن الغلاء النفطي العالمي، من الوصول إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز إذا ما هوجِمَت؛ ونفط بحر قزوين يشعل فتيل صراع المصالح، إقليمياً ودولياً، ويقوَّي أكثر فأكثر الميل الإمبريالي (النفطي) للولايات المتحدة على ما تعانيه في العراق وأفغانستان.. ولبنان؛ وروسيا يُعْتدى عليها.. على كرامتها القومية، وعلى أمنها القومي، عَبْر نشر الدرع الصاروخية وتوسيع حلف الأطلسي شرقاً، وعلى نفوذها الاستراتيجي (النفطي والغازي) في أوروبا عَبْر مدِّ أنابيب للطاقة بعيداً عن أراضيها؛ أمَّا روح التعصُّب القومي والعرقي في القوقاز فهي الآن في منسوبها الأعلى، وإنَّ بعض هذا التعصُّب مع روسيا ضد الولايات المتحدة، وبعضه مع الولايات المتحدة ضد روسيا.
من قبل، كانت طلقة واحدة تكفي لإشعال حرب في القوقاز تستمر 100 عام، فكيف الآن حيث أضيف إلى برميل البارود هذا براميل بارود أخرى؟!
رسالتان متضادتان وصلتا معاً إلى صغار اللاعبين هناك من أوسيتيا الجنوبية. رسالة روسيا مؤدَّاها: إيَّاكم استفزازي بـ "الدرع"، أو بالانضمام إلى "الأطلسي"، أو بـ "الأنابيب البديلة"، ولتتَّعِظوا ممَّا حدث لجورجيا. أمَّا رسالة الولايات المتحدة فمؤدِّاها: أسْرِعوا في الاحتماء بـ "مظلَّتي"، فلو كانت جورجيا عضواً في "الأطلسي"، وشريكاً في "الدرع"، لَما تجرَّأت روسيا على مهاجمتها.
ومع ذلك، تبقى "الحقيقة الكبرى (والإيجابية بالنسبة إلى شعوب العالم)" في الحفظ والصون، فالحرب كالتي خاضتها، وتخوضها، الولايات المتحدة في العراق لن تُثَنَّى؛ لأنَّها آخر حروبها، فألف تحيِّة للعراق، الذي بفضله أدار بوش (لروسيا) خده الأيسر!

جواد البشيتي