الصراري يكشف تأثيرات الحرب على اليمن في مجموعته 'الرجاء عدم القصف'

عمل مميز

تتناول المجموعة القصصية "الرجاء عدم القصف" - التي صدرت أخيرا للكاتب اليمني لطف الصراري عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، وهي الثانية للكاتب، بعد مجموعته الأولى: "كمن يدخن سيجارة طويلة بنفس واحد" - تأثيرات الحرب، التي تشهدها اليمن منذ أكثر من سنة، على جوانب من الحياة الخاصة والعامة في البلاد. كيف يراها الفلاح والجندي القديم، والمتحمسين لحمل السلاح اعتقاداً بأن الحرب يمكن أن تجلب الاستقرار وتعيد تشكيل الحلم بدولة ضاع ما تبقى منها في مجاهل الصراع. الصراع المحتدم بين سطوة القوة وهشاشة الهويات الصاعدة من رحم المظلوميات واختلال موازين الضعف والقوة، على المستوى الداخلي وتدخلات الخارج.

وتتضمن المجموعة نصوصاً قديمة للكاتب تعود إلى ما قبل العام 2011 - نقطة التحول اللافتة في تاريخ اليمن والمنطقة العربية.

وقال الكاتب لطف الصراري إن مجموعة "الرجاء عدم القصف" تشكل "نداء كل يمني متضرر من الحرب، إلى كل معني بإيقافها، لإنهاء معاناة ملايين النازحين والناجين أو حتى أولئك الذين وجدوا أنفسهم أمام طريق وحيد الجهة، فذهبوا إلى جبهات القتال بتأثير حمى الحرب والعصبيات".

إلى ذلك، أشار القاص عبدالعظيم الصلوي مدير مؤسسة أروقة إلى أن "اختيار مجموعة القاص لطف الصراري للنشر من قبل المؤسسة أتى لأسباب فنية عديدة جعلت من المجموعة عملا مميزا بما تتصف به من لغة سردية رفيعة مع تناولها لموضوعات راهنة مختلفة، الأمر الذي حتم علينا الإسراع في نشرها كما أوصت بذلك اللجنة المتخصصة في المؤسسة".

• من قصص المجموعة:

إلى بوكوفسكي

أيها الحقير؛ لقد نفدت بجلدك من نتانة هذا الوجود وتركت التعاسة خلفك. تركتها لمن يؤمنون بالحظ والمصادفة؛ للعالقين بأشلائهم وينتظرون الخلاص من الزمن. هذه هي مشكلة الصالحين الذين يؤمنون بتعاقب الليل والنهار ولا يرون من خلال الغيمات. كنت أحد هؤلاء الصالحين ونفدت بجلدك قبل هطول المطر؛ قبل أن يتكون السيل الجارف، الذي كان يمكن أن ينتزع عينيك ويبتر أذنيك وأصابعك، ثم يحسب ما تبقى من جثتك كائناً حياً.

كيف فعلت ذلك مرارا وتكرارا، وكنت "أكثر ذكاء" من أن تدع العصفور الأزرق يخرج من قلبك؟ أنت بارع في الحياة بقدر ما أنت حقير وماكر. كيف حبست العصفور بداخل مضخة الدم المضطربة وأقنعته بأنه يعيش في الجنة؟

أحيانا أخرج عصفوري أيضاً. في الليل كما كنت تفعل، أخرجه ليسمع دوي القذائف البعيدة، هدير المقاتلات التي ظلت تقصف بالقرب منه على مدى شهر كامل بدون أن أسمح له حتى بالجفول في مكانه. الآن صار بالإمكان أن أدعه يخرج في الليل؛ أن أرى التفاتاته السريعة نحوي عندما يفلح في تمييز صوت الرعد عن صوت القذائف والصواريخ. عادة أدعه لوقت أطول إلى جانبي، لكن لا يكون جميع الناس قد ناموا. فأنا محاط بجيران القرية الودودين وشروطهم في التعايش. أحد هذه الشروط أن يعرفوا تفاصيل حياة النازحين والعائدين إلى قراهم بسبب الحرب. ألم أخبرك بأني نازح بسبب الحرب!

في الحقيقة وضعي ينطبق عليه وصف العائد إلى الديار، لكني اعتبر نفسي نازحا لأنني كنت قد رتبت حياتي خارج هذا المكان وعشت حياة أظنها ثرية بالتجارب من كل نوع، بما في ذلك تأسيس عائلة والبحث عن استقرار، نسبي على الأقل، لكن مع استقلال كامل. إذا كنت تشعر بالفضول إزاء أحوال العائلة، فلن تسمع مني أكثر من أن وضعها ليس على ما يرام، مثل آلاف العائلات التي شردتها الحرب.

هناك عائلات دمرت بالكامل، بعضها تعرضت للتدمير والتشريد معا، وبعضها تشرد فقط. تصور يا صديقي أن التشرد صار ضربا من الحظ وفق منطق الحرب والحياة في عالم يزداد قذارة كلما كثر الحديث عن السلام. كل ما بنيناه تلاشى في لحظات مثل بيوت الثلج؛ أحلامنا بأن نكون جيلا نوعيا لشعب طالما أثخنته الحروب والقادة الأنانيين، كتبنا التي جمعناها منذ كنا في الثانوية والجامعة، والقصاصات التي كتبنا عليها القصائد والمقالات والقصص القصيرة والروايات، وطلبات زوجاتنا وأولادنا قبيل الأعياد وبداية المواسم الدراسية. أنفاسنا التي اختلطت بروائح شققنا الصغيرة وألعاب الأطفال وتكيات المجالس العربية وأمزجة المدن التي عشنا فيها لسنوات؛ كل ذلك تلاشى كما لو أننا استيقظنا من حلم.

حلم ما زلنا نحبه ولا نريده أن يتلاشى رغم الجروف السحيقة بالقرب من أقدامنا. كنا نعيش على الحافة دائما حتى جاء جيل جديد من القادة الأنانيين والغشاشين والمتنطعين وركلونا إلى الأسفل. ولأن الحرب لا تزال مستعرة، لم نتيقن بعد هل هي النهاية. أم أن قمصاننا ستعلق بجذع ناتئ يمنحنا أملاً بإمكانية النجاة؟ أما السؤال الذي لا يكف عن الإلحاح ولا نكف عن قمعه، فهو أكثر ما يهدد إمكانية استعادة الحياة في هذا الجزء المهجور من العالم؛ لا أحد هنا يعرف هل سنحظى بالحد الأدنى من التعايش اللازم لاستعادة الحياة، أم أن مصائرنا سوف تتبدل جذرياً؟