الصحوة: حكم بالبراءة من الردّة الفكرية

مصطلح ملتبس

من المؤكد أنه لا يكفي أن نساهم دولياً في المعركة ضد الإرهاب بينما ألزم شؤون المقاومة والوقاية غير مفعل، فإنك إن تحارب الإرهاب فعليك أن تعطي ضمانة مقاومة انتشاره وتناسله في الأجيال القادمة بتبني مشروع مكافحة فكري داخلي حقيقي يضمن منع تجدد عناصره، ووقف كل معاند يخدم ثقافة القبور والسجون والكراهية والانغلاق والتطرف والطائفية.

المرأة المرأة

بين حين وآخر ينشر البعض ذكريات ما قبل الصحوة متمثلة إما؛ في صورة فتاة أو مجموعة فتيات/ سافرة/ سافرات، غالباً ما تكون لمدرسة وحيدة معروفة في جدة، أو لامرأة تتدثر بعباءة كانت رائجة قديماً ترتفع لما فوق الخصر مع التلقي الغوغائي الذي لا يلتفت إلا لجزئية المفارقة ليسعى لتوصيل رسالته من خلالها، بغض النظر عن بقية ملامح الصورة المكمِّلة ذاتها كالإخفاء التام لهوية المرأة» الوجه» بالغطاء الكامل في نفس الصورة، وتتوالى الذكريات تتباكى على امرأة قروية تشتغل بالزراعة في حقل بجانب رجل من قريتها، ومظهر لمؤسسة مختلطة أو خريجي وخريجات كلية الطب في صورة جماعية.

يلاحظ على ما يتم استرجاع ذكراه ارتباطه غالباً بالمرأة كونها العنصر المهيمَن عليه في المجتمعات المتخلفة دوماً؛ والتي يُسعى لحجبها وتغييبها، وتنتقل الذكريات إلى بعض أنشطة البهجة البسيطة لتحسب كدليل حرية أو انفتاح أو على الأقل قبول لذلك؛ كالاستماع للأغاني علانية، ويتكرر عند المثقف وغيره أن الرجوع عن هذه الطبيعة كان بسبب الصحوة/ الغفوة، والحقيقة أن الحقيقة لها جانبان مختلفان وإن ارتبطا؛ فإن كانت التهمة موجهة للفعل/ السلوك التلقائي فنعم كان تأثير الصحوة بالغاً، أما إن قصد به الفكرُ فالصحوة بريئة من تهمة الردة تماماً.

ليست الغرابة لتذكّر مظاهر بسيطة للانفتاح وربطه بزمن كان فيه المرء يتماشى مع الطبيعة بشكل أكثر اتزانا وتصالحاً مع ذاته؛ فبعض الأسر على مستوى المظاهر السلوكية زاد انفتاحها بعد الصحوة، لكن الجهالة أن تحسب كقبول مدين للفكر، بالطبع هذا لا يقلل من قيمة التدمير المتوالي على الفكر بعد مجيء الصحوة، حيث بدأت ردة فعلية في جانب السلوك/ الفعل، فانقطعت قابلية التقدم السلوكي، وتراجعت مسيرة الفكر كتلازم ضرورة بين الفكر والسلوك، والذي يتوالى عليه بفعل الحرية والانفتاح مزيد من الزهو والانطلاق كما هو شأن الدول المتحضرة، بينما يواصل النكوص والتراجع والتخلف في دول التخلف الفكري..

نعم قبل الصحوة كان هناك مسرح يتيم تابع للتلفزيون يحضر حفلاته الفنية جمهور ذكوري تماماً، أما الاستماع للموسيقى فكان مقبولاً بشكل عام، وتنتشر محلات بيع الأشرطة الفنية وترتادها الفتيات والشباب للفوز بأول الإصدارات الكاسيتية لفنانيهم المفضلين.

الصور التذكارية كانت حالات سلوكية طارئة تلقائية وبسيطة، وبفعل ملازمة الشعور الخائف دائما بسبب تغييب حق الحرية والاختيار انفض الوعي الجمعي بالضرورة لهشاشته واستسلم لمرحلة الصحوة، كمنقذ ومخلص من مرحلة الغي والضلال الموهومة، وكانت الردة بسبب الصحوة لحساب السلوك الذي يحتضن بالمطلق القابلية لفعل الارتداد الفضائلي (نسبة للفضيلة). أما الفكر وعلائقه فأشد رسوخاً من مجرد سلوكيات تلقائية لا تعبر عن مخزون مفهومي يماري في الدفاع عن مكتسباته الإنسانية وواقعه المتسامح والمتصالح مع إنسانه.

إن أبسط معالم رصد السلوك ملاحظة هل حُدِّدَ في إطار علاقة اتصال أم انفصال مع الفكر، فإن سجل اتصالاً فهو دلالة وعي، أما إن جاء مجرد تلقٍ عشوائي وانجراف تلقائي تقليدي فذلك لا يمثل بعداً يقارن به مرحلة انتقالية تقدماً أو تأخراً.

فالاهتمام بالفكر يضبط إيقاع السلوك، لارتباطه بمفهوم مدرك معناه كوعي عقلي وممارسة واقعية، وبذلك يختلف تماماً عن التلقي التقليدي المرتهن لتأثير اللاوعي.

الانفتاح والصحوة

تفسر لنا المنطلقات المتعلقة بالفكر والسلوك سر الاختلاف؛ فلو حضرت الصحوة في بيئة فكرية منفتحة حرة، ستجد دفعاً شعبياً شديداً ضدها، لأن منطلقات الوعي الفكرية اكتسبت البعد الحقوقي فكونت سياجاً مفهومياً قوياً يحمي المكتسبات التي هي في مجملها انبثاق لفضيلة وقيمة الحرية؛ حرية الضمير والاعتقاد والتبني، وبما أن الحرية طريق العلم المنفتح على الأسرار فإنها تنطلق بانفتاح وتنوع يثري بهجة الحياة ومصنع العلوم والمعارف والمكتشفات، حيث الإنسان هو مجموع البيئة والأجواء المتاحة يعمل ويتحرك فيها بما هي قادرة على دفعه لمزيد بهجة ومزيد إنجاز وابتكار وإبداع. وما لم يجد المرء لذة الحرية فسيكون لقمة سائغة للمتطرفين؛ صحوة إخوان وسلف، وأي اتجاه متطرف متخلف.

عقيدة التأثيم

نأتي للفرق وأس المفارقة، عندما حصلت الصحوة وبدأت أشرطة الغي والنفخ في العداوة للإنسان اعتنقت أكبر جريمة ضد الإنسانية؛ وهي بعث "عقيدة التأثيم" من مرقدها، وهي عقيدة تعني باختصار؛ فرض السجون على الحرية، فابتدأ هيلمان الصحوة ينشر أفكاره المعادية للحريات وحقوق الإنسان في ساحة مشرعة للقبول والتلقي لينظّر للمكر بالإنسان بأنه عودة للدين الحقيقي الذي كنا قبله أشبه بكفار جددوا إسلامهم بالصحوة/ الغفوة الخبيثة، التي أصبحت وبعد التمكين قوة طاغية ردت السلوك إلى أقصى درجات الرجعية، بعد أن كان مهيأً لتبني مشروع فكري يربط السلوكيات الطبيعية التائهة هنا وهناك ويدمجها في صورة بناء توعوي فكري يساهم فيه أولو الفكر والثقافة والوعي بالإنسان، ليشكلوا برنامجاً قانونياً تتبناه مؤسسات مدنية تنهض بالحقوق والأخلاق والقيم السامية..المندرجة من الحرية كقيمة أولية عليا.

لذلك لا غرابة لانفكاك وهشاشة السلوكيات البسيطة التي تمثل بدايات بسيطة لحق الفرد في الحرية، والانجذاب للردة السلوكية بفعل غياب الفكر المناوئ للارتداد.. لتتم السيطرة على المجتمع ببساطة وبلا أدنى مدافعة، ويرتهن الجميع لعقيدة التأثيم المندثرة في اللاوعي والتي نجح في إيقاد جذوتها طلائع مرحلة الصحوة بكل تفوق.

إن الحقيقة الجارحة، أن السياق الاجتماعي العام مرتبط بتقبل التشدد، لذلك حظيت الصحوة بقبول شبه تام لأنها في حقيقتها اضطلاع مشابه للمخزون الفكري الذي أعاد الحق وصحح المفاهيم الباطلة مثل سماع الأغاني والاختلاط وتأجيج سوء العلاقة بالمرأة، لقد كانت هناك شبه واحدية فكرية مهيمنة على المجتمع، بالتالي كانت جاهزية الخطاب ليفرض واحدية الحق والاتباع، لذلك لا تجد أي رد فعلي للدفاع عن المكتسبات البسيطة الملامسة للطبيعة البشرية التي استطاعت الفرار من الحكم العام المتشدد على الحياة بوجه عام، ككشف الوجه وحضور الموسيقى والتعايش الطبيعي في الأجواء العامة بلا فصل عنصري، فكان للصحوة ما أرادت من تشدد وتخلف، وبالطبع ما قادت إليه من تطرف وإرهاب.

ملابس جديدة وأفكار قديمة

إن الصحوة ما هُجِّن منها من فلول جهيمان والإخوان والسروريين تمثل ملابس جديدة لأفكار قديمة في عالم لايزال عصياً على الفهم والتغيير أكثر مما كان بالأمس،، وفي بيئة أقرب للبدائية وقيم البداوة يسهل إطفاء شعلة العقل وتدجينه ضمن تكريس"عقيدة التأثيم" المهيمنة على الفكر الكهنوتي والتي يمتلك بها تيار الصحوة حق التبرئة والتأثيم ومنح صكوك الغفران والنيران في سلسلة طويلة من فتاوى لا تكل ولا تمل تحيط بالإنسان في كل تفاصيل حياته، لتغلق دائرة الوجود الحي الطبيعي» دائرة الحلال» الواسعة بأسرها.

اشتعل مع بساطة الوعي المأسور لرجل الدين سباق التكسب بالدين فبدأت ظاهرة الكاسيتات وقلبت محلات التسجيلات الغنائية لمحلات الشريط الإسلامي، ثم توسع سوق الدعاية والنشر الديني بالانفتاح الفضائي والإعلامي فظهرت قنوات تمارس إعلام النكوص بالوعي لتوسع دائرة البرامج الإفتائية وكشف مستور الغيب بخرافة تفسير الأحلام وسوق البث المباشر لجلب الجماهير والأموال وليذهب الوعي للجحيم.

واستمرت مرحلة التجهيل المنظم بتضليل العقل والدعوة الصريحة لإهماله وتعطيل ملكاته بل وشبه تكفير الانقياد له كيما تستمر الحال سائغة للمستبد الظلامي وكهنوته للبطش بالإنسان.. وليس أضر من البطش بمشاعر البهجة المتمثل في الموسيقى والغناء والفنون الجميلة، وقلب الحياة إلى حضور موات وفناء ورؤية تعطيلية للدنيا، لدرجة أن يسافر أبناء الوطن ليحضروا لفناني وطنهم حفلاتهم خارج وطنهم.

إنه ليس أسهل لإيقاع الإرهاب من حجب البهجة والفنون، لينهض سوق مروجي التطرف.. كدعاة إرهاب لا دعاة سلم، ووعاظ كره لا رسل محبة، وعناصر نفاق وكراهية وتشتيت لوحدة الوطن، وما يُستغرب أن يستمر السكوت على فكرٍ يستوحي إرهابه من الدين في عنصريته وكراهيته وإجرامه، ولطالما لبس الدين وألبس على الدين.. وخلط مصالحه بالدين. على مدار التاريخ.

وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة الاستلاب الفكري الممثل ب(غوغائية الوعي التقليدي الصحوي) والمدعوم ب(غوغائية الاستهلاك الجماهيري) كما يذكر كاتبنا الفذ محمد المحمود، ففلول الصحوة بتويتر تغرد بانتماءاتها الصريحة خارج الوطن، وتدعو الأتباع للإرهاب المسمى جهادا فيستجاب لهم.. ومع ذلك لازالوا ينعمون بالرفاه والأمن المستتبين.

ومن المؤكد أنه لا يكفي أن نساهم دولياً في المعركة ضد الإرهاب بينما ألزم شؤون المقاومة والوقاية غير مفعل، فإنك إن تحارب الإرهاب فعليك أن تعطي ضمانة مقاومة انتشاره وتناسله في الأجيال القادمة بتبني مشروع مكافحة فكري داخلي حقيقي يضمن منع تجدد عناصره، ووقف كل معاند يخدم ثقافة القبور والسجون والكراهية والانغلاق والتطرف والطائفية، وغيرها من مخزونات الفكر الوحشي المتطرف، عدو الإنسان.

مسك الختام: تمثل الحرية رأس مال كل إصلاح مستنير، تصنع الحرية الانفتاح؛ ميدان السماحة والتحرر؛ ومقياس الفضيلة والأنسنة، وغاية السلام والأمن

حصة بنت محمد آل الشيخ

كاتبة سعودية