الصحافة القطرية: وداعا للرقابة ولكن!

الدوحة - من فيصل البعطوط وناتانيال هاريسون
أمير قطر أحدث التغيير، ترى هل يستمر على نفس النهج؟

يتذكر الصحافيون الذين مضى على وجودهم في قطر اكثر من سبع سنوات ان "زميلا" غير مرغوب فيه كان يلازمهم اثناء الليل ولا يغادر مبنى الصحيفة الا عندما يطمئن الى انه ادى دوره كاملا. انه الرقيب الرسمي الذي كان يملك مكتبا في كل صحيفة ويراقب بعناية ما هو مسموح بنشره وما هو ممنوع.
"لقد كان من الممنوع نشر خبر عن وصول ضيف الى البلاد"، كما يقول العزب الطيب الطاهر، الصحافي المصري في احدى الجرائد القطرية منذ اثنتي عشر سنة ومراسل صحيفة "الاهرام" المصرية. ويضيف "كان لزاما علينا انتظار ما تجود علينا به وكالة الانباء الرسمية فقط".
ومنذ سنة 1995، عندما تولى الامير الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني مقاليد الحكم في قطر بعد انقلاب ابيض على ابيه، بادر بالغاء الرقيب واوكل المهمة الى "ضمائر الصحافيين" الذين باتوا يمارسون رقابة ذاتية على ما ينشرون.
ويذكر القطريون ميلاد صحيفة "الوطن" في ايلول/سبتمبر من سنة 1995 بدافع من الامير وكيف كان ميلادها علامة فارقة في الحريات الاعلامية بين عهد قادم واخر ولى.
لكن اخر وزير للاعلام في قطر الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري يعتقد ان مسيرة تحرير الصحافة بدأت منذ كان الامير حمد وليا للعهد حين اوعز له ببث برنامج اذاعي جريء.
فكان برنامج "قضايا واراء" الذي اثار ضجيجا غير مسبوق حوله آنذاك.
ويقول الوزير السابق "لقد كان البرنامج بداية تبلور فكرة قناة الجزيرة انذاك"، غير متحسر على فقدانه لمنصبه عندما الغى الامير وزارة الاعلام في سنة 1996 كاشارة الغاء لنوع اخر من الرقابة.
والكواري الان كاتب رأي في عدد من الصحف العربية وهو يكره عمل الرقيب. ويقول من مكتبه المطل على مياه الخليج "في اليوم الموالي لبث البرنامج كان الامير "ولي العهد انذاك" يفاجئني بطلب المزيد من الجرأة في طرح القضايا المحلية والاقليمية"، الى ان اصبح البرنامج الاذاعي الاشهر حتى توقف في السنة الماضية.
ويعتقد الوزير السابق وهو يتحدث عن تجربته المثيرة ان "الاحوال الاعلامية تحسنت كثيرا"، لكنه يرى ان "اعلان الدستور المرتقب بتوفيره للحريات سوف يحفز الناس على التفكير وعلى الكتابة بحرية اكبر".
غير ان المحامي ووزير العدل السابق نجيب النعيمي يؤكد ان "الامر ليس على هذا النحو فقطر ليست جنة الحريات على الارض". ويضيف انه "يمكن للصحافة القطرية ان تنتقد الاداء البلدي لكن ليس سياسة الدولة".
ويستطرد "هل تدلني على مقال واحد انتقد فتح قاعدة العيديد للقوات الاميركية مثلا؟".
وقال مسؤول فضل عدم ذكر اسمه "ربما ذلك لم يحدث فعلا. لكن لا احد يستطيع القول ان احدا منعه من انتقاد اي شيء".
وبالفعل فبرغم هامش الحرية المتاح في قطر الا ان الصحافيين يختارون كلماتهم جيدا عند الخوض في المواضيع الحساسة. وتزخر الصحف القطرية بمقالات واعمدة تنتقد الوجود العسكري الاميركي في المنطقة لكنها توجه نقدها بشكل عام وبدون التركيز على اسم دولة قطر.
ويعود نجيب النعيمي ليلفت النظر الى "معنى جمع رؤساء التحرير بين وظائفهم في ادارات حكومية وبين تقلدهم للمناصب الاعلامية". ويستطرد "يحدث ذلك لهدف سياسي فضلا عن انه مخالف للقانون".
وفي المقابل فان الرقابة الرسمية تكتفي الان بالاعتراض على الصور الخليعة في المجلات الاجنبية وينفق الرقيب حبرا غزيرا في تغطية الاجزاء العارية من صور النساء، لكنه لا يعترض على دخول صحف اجنبية توجه انتقادات شديدة في بعض الاحيان الى السياسة القطرية. بل تعمد بعض الصحف المحلية الى اعادة نشر مقالات صدرت ضمن حملات صحفية على قطر في صفحاتها الاولى بدون تعليق او رد. وعادة ما يتعلق الامر بازمات تتسبب فيها قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية مع دول عربية اخرى.
ومع الخطوات المقطوعة منذ سنة 1995 في مجال حرية التعبير، يعتقد الدكتور عيسى التميمي مدير وكالة الاعلام الخارجي لدولة قطر، ان "الاستثمار الحقيقي في الديموقراطية هو حرية الاعلام".
ويقول عادل عبيدان، وهو موظف ورجل اعمال، في نفس الوقت ان "هناك حرية معقولة في الصحف القطرية وبامكان اي مواطن ان ينشر رأيه او شكواه من مصالح الدولة"، على ان يكون قادرا على اثبات ذلك.
وكانت صحيفة "الشرق" احتجبت قبل سنة ونصف على دعوة صحافييها ورئيس تحريرها بشكل متكرر الى مركز شرطة العاصمة للتحقيق في خبر نشرته حول اتساخ الماء في بعض المدارس في اعقاب قضية رفعتها وزارة التربية والتعليم. لكن الامر انتهى بتنازل الوزارة عن الدعوى.
ويرى البعض في ذلك ظاهرة صحية فقد لحقت بصحيفة "الوطن" عشرات الدعاوى القضائية لم تثبت عليها بعد التحقيق. وقد خفت الدعاوى المرفوعة ضد الصحف بعض الشيء بعد ان تعود الناس شيئا فشيئا على الواقع الاعلامي الجديد.
كما بدا منذ اسبوعين اهتمام جديد لدى الصحف القطرية بنشر اخبار ملاحقة الفساد المالي في مؤسسات الدولة. وتوجد الان في قطر ثلاث صحف يومية عربية وصحيفتان بالانكليزية، تخوض بين الحين والاخر جدالا حول من يحتل الصدارة منها.
وتتبارى الصحف في نشر الملاحق والاحصائيات والدراسات التي تصنفها "الاوسع انتشارا والاقوى تأثيرا" سعيا وراء سوق اعلانية ليست ضخمة لكنها واعدة.
ولا تزال الصحافة القطرية تفتقر الى الكوادر المحلية رغم وجود كلية للاعلام في جامعة قطر مضى على تأسيسها عدة سنوات.
وبين الرضا عما وصلت اليه درجة الحرية الاعلامية والضيق منها في بعض الاحيان والطموح في رؤية حريات اوسع مضمونة بقوانين نشر اقل تشددا تتقدم الصحافة القطرية بحذر لا تجاريها فيه قناة "الجزيرة" التي تظل العنوان الابرز في الاعلام القطري ربما لانها تمارس الرقابة الذاتية بشكل اقل مما تفعله الصحف.
لكن القطريين يفخرون بانهم سبقوا الى هذا المضمار، "بفضل رؤية متطورة للامير"، كما يقول اخر وزير للاعلام.