الصحافة الطريق الأمثل لإنهاء النقاش السام

لم تنجح حملة التضليل التي قادتها وسائل الإعلام الإيرانية، لأن الصحافة الحقيقية استعادت دورها على الأقل في قضية اصطياد رأس قاسم سليماني.


تبدو الحاجة ماسة وعاجلة إلى العودة لصحافة الحساسية والمسؤولية العالية بوصفها المصدر الموثوق

لأن المنصات الرقمية جعلت العالم أكثر انقساما وفضاء مفتوحا للنقاش السام والانتهاك اليومي، فإن الصحافة تبدو الطريق الأمثل لاستعادة الحوار النافع وتنظيم الأفكار.

الواقع، إن تلفيق الأخبار والإساءات والاتهامات على الشبكات الرقمية لا تقتصر على دول بعينها، لأنها مستمرة ومتصاعدة في أكثر دول العالم ديمقراطية، وهو ما يصفه الصحافي البريطاني أوين جونز بـ”سياسة النقاش السام الذي أصبح هدفا للإساءة”.

ويكتب جونز في صحيفة الغارديان “النقاش السياسي أصبح سببا للانقسام والانتهاك الشخصي والإساءات أمر يكاد يكون يوميّا بين الناس في بريطانيا”.

وفي حقيقة الأمر، لا يقتصر ذلك على بريطانيا، بوصفها مثالا ديمقراطيا متقدما، لأن الحال في الدول الأخرى يكاد يقترب من الكارثة الاجتماعية والوطنية، وكل التشريعات التي أقرتها الحكومات اليوم بشأن مسؤولية تصريحات الأشخاص على منصاتهم الشخصية وترويج الأخبار المزيفة، لم تستطع منع التغوّل والحد من التزييف والانتهاكات الجسيمة التي تمس الشخوص والحكومات والمسمّيات والأعراف والقيم.

لذلك تبدو الحاجة ماسة وعاجلة إلى العودة لصحافة الحساسية والمسؤولية العالية بوصفها المصدر الموثوق الذي يفترض أن يعود إليه الناس لاستقاء المعلومات.

ألا يبدو ذلك أن الإنترنت كتجربة حية للبشرية، فرصة لإعادة صناعة صحافة مسؤولة تعيد الثقة المفقودة بين مصدر الخبر ومُستقبله، في وقت ثبت أن إدارة المنصات الاجتماعية عاجزة عن مراقبة محتواها.

لقد مر العالم برمّته على مدار الأسبوع الماضي بتجربة مثيرة عن نجاح الصحافة في صنع قصة متجددة ومستمرة عن مقتل رئيس فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني.

لقد صنعت الصحافة في العالم قصتها الموثوقة عن سليماني، ولم يحدث أن اهتمت الصحف الأميركية والبريطانية بقضية متعلقة بالشرق الأوسط مثلما تابعت ملاحقة تداعيات عملية قتل سليماني.

لم تكتف الصحف بالخبر الذي كان متاحا بشكل مستمر، كانت القصة أكبر من الخبر نفسه، فكُتبت مئات التحليلات المفيدة والمقالات وهي تقرأ السيناريوهات المحتملة لثمن رأس سليماني.

فبدت الصحف المصدر الأول لهذه القصة أكثر من أي وسيلة إعلامية أخرى بما فيها المحطات التلفزيونية، لذلك كانت الفرصة مفيدة للغاية لاستعادة قوة العلاقة بين القارئ والصحافة.

برغم “التعاطف المتردد” الذي أبدته صحف بريطانية وأميركية مع إيران، لكنها لم تتردد أيضا في التنبيه إلى جرائم سليماني عبر أذرعه من الميليشيات الموزعة في الشرق الأوسط. ويمكن لنا أن نعزو ذلك التعاطف مع إيران إلى الخشية من تكرار تجربة أخطاء حرب احتلال العراق، فقد كانت الأكاذيب السياسية على أشدها بينما كانت الصحف الغربية تدور في فلك واشنطن ولندن آنذاك.

تجربة مقتل سليماني، كانت متميزة صحافيا لأنها ببساطة قرّبت القراء المخلصين من صحفهم. فما كتبته الغارديان ونيويورك تايمز، مثلَ مادة أرشيفية مفيدة لفهم ما يحدث في الشرق الأوسط من أجل تفتيت الصورة المشوشة بذهن الجمهور الغربي عن واقع العراق والدور الإيراني المستمر فيه.

وما كتبته صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية على سبيل المثال يمثل أحد أوجه نجاح الصحافة بوصفها مصدرا تحليليّا مفيدا، لقد نبهت إلى شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تشكلت بشكل متعمد لتقديم عالم بلا قواعد، مانحة القراء فرصة إطلاق سؤال عمّا إذا كانت إيران نفسها تؤمن بالقواعد المثالية التي تطمح لها السياسة.

فإذا تم تبسيط كل شيء -حسب وصف لاريبوبليكا- واختزال كل الأمور في حدث لا يبرر نفسه إلا بكونه قد وقع، فإن ذلك لا ينسف السياسة وحدها، إن ذلك من شأنه أن ينسف الدبلوماسية والتكتيك العسكري والخطة الإستراتيجية والقواعد البرلمانية، وسيتركز كل ما تبقى على القائد وسياسته التي تتحول إلى مهمة مجردة: الاستعداد لإبلاغ البرلمان والبلد في تغريدة.

ذلك يبدو واضحا في إيران بما يريده خامنئي مثلما هو في سياسة ترامب.

هذا النوع من الآراء المهمة قد عاد إلى الصحف وهي تعالج قصة مقتل سليماني، بوصفها محتوى متميّزا يعيد دورة القارئ والصحيفة اليومية إلى عهدها بعد أن وقعت تحت وطأة الشاشات الصغيرة في وقت استمر النقاش السام على مواقع التواصل الاجتماعي وتحول إلى فرصة لإشاعة الكراهية والضغينة والانقسام بين شعوب المنطقة.

ألا يعني ذلك أن المحتوى وحده من يحسن مسار العلاقة القلقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، وليس طبيعة المنصات ورقية كانت أم رقمية.

على الطرف الآخر كانت المزاعم الكاذبة تبحث لها عن فرصة للحضور بين اهتمامات الجمهور في قصة متفاعلة، لكنها تراجعت بشكل ملفت، فـ”الحقيقة” كانت الخبر المتميز في مقتل سليماني، وما عداها كان مجرّد عبث مستمر من دون تأثير، خذ مثلا خبر المزاعم الإيرانية عن مقتل ثمانين أميركيا في عملية القصف الصاروخي الانتقامي على القواعد العسكرية في العراق، ثمنا لرأس سليماني. بقي هامشيا ولا أهمية له في اهتمام المتابعين، مهما نفخ فيه التلفزيون الإيراني، لأن صور الحقيقة في تلك العملية الفاشلة كانت أقوى من كل الأخبار الزائفة والدعاية الإيرانية.

بل إن خبرا كاذبا عن انسحاب القوات الأميركية من قواعد عسكرية في مدينة الكويت بعد القصف الإيراني للقواعد العسكرية في العراق، لم يصمد أكثر من ساعة عندما اكتشفت عملية الاختراق لموقع وكالة الأنباء الكويتية وتم تكذيب الخبر.

لإيران تاريخ طويل في إدارة حملات التضليل المدعومة من الدولة والتي تحاول التأثير على الرأي العام في الخارج، حيث يحظر فيسبوك بانتظام الصفحات الإيرانية التي تنشر مواد كاذبة ومقسمة تستهدف الجماهير في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

بل إن المحاولة الإيرانية في التلفيق امتدت إلى حساب مزيف اتخذ من اسم الصحافي الإسرائيلي جاك خوري مصدرا لمزاعم كاذبة عن نقل مئات الجنود الجرحى من العراق إلى إسرائيل بعد الضربة الإيرانية، لم يجد هذا الخبر من يتابعه عندما كشف خوري الذي يعمل في صحيفة هآرتس عن حسابه الحقيقي في تويتر.

وهكذا لم تنجح حملة التضليل التي قادتها وسائل الإعلام الإيرانية، لأن الصحافة الحقيقية استعادت دورها على الأقل في قضية اصطياد رأس قاسم سليماني.