الشهادات الأخيرة للمثقفين المصريين مع ثورة يوليو

جزء غير قليل يتسم بالحدية

القاهرة ـ صدر عن مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع بالقاهرة كتاب "المثقفون وثورة 1952" للدكتور مصطفى عبدالغني، وتقديم د. وحيد عبدالمجيد. ويقدم الكتاب تحليلا للعلاقة بين المثقفين وثورة 1952 عبر شهادات 16 من أبرز وأهم المثقفين الذين تفاعلوا مع ثورة يوليو/تموز.
فما زالت قضية العلاقة بين ثورة 1952 والمثقفين الذين اختلفت اتجاهاتهم إزاءها تثير جدلا، لأن الكثير من الأسئلة المتعلقة بها لم تجد إجابات شافية بعد. ولا غرابة في ذلك. فلم تحظ حركة سياسية أو اجتماعية في تاريخ مصر الحديث بمثل الاهتمام الذى لقيته ثورة 1952. ولم يكن هذا الاهتمام مقصورا على مصر، بل امتد خارجها إقليميا ودوليا.
ولعل أهم ما تميزت به ثورة 1952 هو عنصر الجذب القوي الذي تمثل في شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر (الكاريزماتية) وقدرته الفائقة على التأثير.
وإذا كان هذا هو حجم ثورة 1952، فمن الطبيعي أن يكون الخلاف عليها كبيرا والتباعد في المواقف تجاهها واسعا. ولأنها أحدثت تغييرا جذريا في المجتمع، فمن الضروي أن يكون قسم من ذلك الخلاف عميقاً، وأن يتسم جزء غير قليل من التباين بشأنها بالحدية، أي أن يكون المرء معها بالكامل أو ضدها على طول الخط. وكان بعض المثقفين جزءاً من هذا الانقسام، وشارك عدد منهم في تعميقه. كما اختلفت اتجاهات عدد منهم تجاهها من مرحلة إلى أخرى.
فقصة المثقفين مع ثورة 1952 كبيرة ومعقدة. والكثير من أسئلتها لا يزال مفتوحا.
ولذلك فقد أحسن الكاتب والمفكر الدكتور مصطفى عبدالغني عندما رأى ضرورة إعادة طرح موضوعها الذي اهتم به طويلاً، بل تخصص فيه منذ أن أعد رسالته لنيل درجة الدكتوراه. ولعل خير طريقة لإعادة طرح هذا الموضوع هي تقديم شهادات 16 من أبرز وأهم المثقفين الذين تفاعلوا مع ثورة 1952 من مواقع فكرية وسياسية مختلفة، ومن منطلقات ولأهداف متباينة. وهم يغطون ألوان الطيف المصري كلها اليسارية والليبرالية والقومية والإسلامية. وكان لكل منهم إسهاماته واجتهاداته وأدواره المقَّدرة.
ولذلك ربما تتيح استعادة شهاداتهم فرصة لنقاش عام جديد أكثر هدوءاً وأوفر موضوعية حول ثورة 1952 بمنأى عن التخندق والاستقطاب والترصد والتربص، وبأفق التطلع إلى المستقبل على أساس أن أحداً لا يمتلك الحقيقة المطلقة، وانطلاقا من أن التاريخ السياسي - الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية حلقات متصلة تسلم كل منها للأخرى، في حركة متدفقة يرتبط فيها الحاضر بالماضي ويمهد للمستقبل.
وربما يكون أهم ما في النقاش الذي نأمل أن يعيد هذا الكتاب فتحه هو التطلع إلى المستقبل. فإذا كانت ثورة 1952 هي حلقة في تاريخ نضالنا شعبنا، فأكثر ما ينبغي أن نستلهمه من مختلف حلقات هذا النضال هو حاجتنا إلى برنامج وطني ديمقراطي اجتماعي جديد: برنامج يستنهض همة المصريين ويثير حماسهم لإكمال أهدافهم الوطنية والديمقراطية والاجتماعية. ماذا قال المثقفون في شهاداتهم؟ (1) أبو سيف يوسف
• تفاصيل العلاقة الملتبسة بين نظام يوليو واليسار المصري، والأسباب التي دفعتنا لحل التنظيمات اليسارية؟
• عبدالناصر أراد من الاشتراكيين دورا محددا يقتصر على التبشير بالاشتراكية.
• عبدالناصر كان على علم بما يحدث داخل السجون المصرية من تعذيب ولكن ليس بالتفصيل.
(2) الشيخ محمد الغزالي
• لهذه الأسباب اختلفت مع الأخوان وابتعدت عن التحالفات واكتفيت بالنشاط الدعوي؟
• أنا شاهد عيان على قصة ارتباط عبدالناصر بالإخوان المسلمين وخاصة الإمام حسن البنا؟
• أسرار البيعة التي قدمها ضباط يوليو للإخوان، وما فعله عبدالناصر بعد ذلك من احتكار للسلطة.
• لا أعرف حتى اليوم السر وراء القبض عليّ عام 1965 رغم إنني لم أكن في هذه الفترة من الإخوان ولا معارضا لمؤسسات الثورة.
• هذه هى قصة خلافي مع الشيخ سيد قطب.
(3) أحمد بهاء الدين
• رفض عبد الناصر اعتقالي وقال "هو كده.. دماغه كده".
• سعى اليمينيون للالتصاق بالثورة ورجالها ووصف كل من يطالب بحرية الشعب بالشيوعية.
• كنت من أشد المعارضين لفكرة الـ 50% للعمال والفلاحين ولم أقتنع بأسبابها.
• حاولت الثورة الاتصال بالمثقفين، ولكن كان هناك العديد من الأسباب التي حالت دون ذلك.
(4) فتحى رضوان
• جمعت بين أحمد حسين (زعيم مصر الفتاة) وعبدالناصر علاقة أثرت كثيرا في تكوين شخصية الزعيم الشاب.
• كانت الثورة على علاقة قوية بالمثقفين، ولكن من خارج اليسار والوفد، بدليل مشاركة بعضهم في تأسيس النظام الجمهوري.
• الضغوط الأجنبية كانت وراء استبعادي من وزارة الشئون الاجتماعية إلى وزارة دولة.
• كان عبدالناصر مهذبا طول الوقت في علاقته بالمثقفين رغم أن البعض منهم كان يتجاوز.
• نعم قلت "عبدالناصر ونجيب كالأعمى والمقعد لا بد أن يتعاونا" وكان هذا سبب خلافي مع عبدالناصر رغم العلاقة الوطيدة التي كانت تربطنا.
(5) أحمد أبو الفتح:
• أسهمت مع بعض الصحفيين في تكوين جبهة (مصر الحرة) التي أزعجت النظام في القاهرة حتى بعد سجن أقارب المؤسسين.
• كنت شاهدا على كواليس ثورة يوليو، وأعرف الأسباب الحقيقية وراء خلاف عبدالناصر ومحمد نجيب.
• هذه تفاصيل علاقة الوفديين والشيوعيين والإخوان برجال الثورة بعد تحولها من حركة جيش إلى نظام حكم.
(6) محمود أمين العالم
• حاولت الثورة احتواء المثقفين – خاصة اليساريين - سواء بالسجن أو التعذيب أو الوعود.
• تحول المناضلون اليساريون من معتقلين في سجون مغلقة إلى صناع قرار.
• كانت علاقتي بعبدالناصر واضحة وصريحة وحادة في أحيان كثيرة.
• كان عبدالناصر يتطور بشكل أو بآخر نحو الاشتراكية.
• كانت هناك نوايا خفية وراء الإفراج عن الشيوعيين وحل تنظيمهم.
• الإخوان لم تكن لديهم أي رؤية سياسية أو اجتماعية.
• المثقف الحقيقي لا يستطيع أن يجسد دائما العلاقة بين السلطة.
(7) إحسان عبدالقدوس
• اعتبرني الأميركيون شيوعيا ومنعوني من دخول أميركا، وصنفتني الثورة وفديا، أما الإخوان فقالوا إنني أحد أعضاء الجماعة، وهذا كله غير صحيح.
• سُجنت بقرار من عبدالناصر بناء على كلام نقل إليه خطأ.
• تحولت علاقتى بعبدالناصر من الصداقة إلى الرسمية بعد خروجي من السجن.
• رفضت الانضمام للإخوان رغم علاقتي الشخصية بالشيخ حسن البنا كما رفضت الانضمام لأي تنظيم أو جماعة أخرى.
• ضباط الصف الثاني هم من قاموا بالاعتداء على السنهوري بعد أن أطلق لهم عبدالناصر العنان ليفعلوا ما يشاءون.
• علاقتى بالسنهوري كانت وراء اعتقالي للمرة الثانية.
• توقفت عن الكتابة السياسية منذ أن سجنت واتجهت إلى الرواية ولكن حسي السياسي لم يتوقف أبدا.
(8) إبراهيم بيومي مدكور
• كنت من أشد المؤيدين للثورة ورأيت أنه من الضروري المشاركة الفعالة في الحكومة الجديدة وعدم الاكتفاء بموقف المتفرج.
• حدث أول صدام بيني وبين الثورة عندما كنت وزيرا للإنشاء والتعمير.
• كانت الثقة غائبة بين الثورة وأهل الخبرة من المدنيين مما أكد أن القطيعة واقعة لا محالة.
(9) خالد محمد خالد
• عبدالناصر أراد أن يقود البلد منفردا بنفس طريقة قيادة الكتيبة العسكرية، حيث الانضباط يعكس معنى العدل.
• أخبرني الشيخ الباقوري في لقاء معه أن بعض ضباط الثورة قاموا بمصادرة كتابي "الديمقراطية أبدا"، لكن عبدالناصر رفض. ومن هنا توالت المؤلفات: سياسية وإسلامية.
• رفضت أن أكون ترسا في أي عجلة تديرها الحزبية في مصر.
• كان عبدالناصر مثلا حيا للديكتاتورية، ولو أنه اتبع الديمقراطية لحقق الشعبية التي أرادها.
• حاولت الثورة فرض سيطرتها على الأزهر وشيخه ليكون أداة تطوعها تبعا لأغراضها.
(10) أحمد حمروش
• كان عبدالناصر من المؤمنين بأهمية دور الثقافة في بناء المجتمع، ولكن لم يستطع أن يتعامل مع المثقفين بالقدر الذي يرضيهم.
• أزمة 54 كانت خلافا بين القديم والجديد في أوساط العسكريين.
• عبدالناصر لم يكن عضوا في أي تنظيم حزبى.
(11) إسماعيل صبرى عبدالله
• كنت محل ثقة الثورة وزعيمها باستمرار مهما اختلفنا.
• سجنت مرتين في عهد عبدالناصر، الأولى عام 1956 حيث تعرضت لكم هائل من التعذيب، والثانية من 1959 وحتى 1964.
• لم تكن لدينا مشكلة مع عبدالناصر، وإنما من كانوا حوله.
• قال عبدالناصر للشيوعيين: "الناس اللي بتشتغل في السياسة خايفين منكم، بيقولوا إحنا لو فتحنا لكم الباب هاتكلوا منهم التنظيم السياسي".
• كان جمال عبدالناصر يتعامل معنا كماركسيين، وكان يود أن يستوعبنا في التنظيم الطليعي.
(12) مصطفى أمين
• أحمد أنور رئيس البوليس الحربي هو من كان وراء حادث السنهوري بتدبير من عبدالناصر.
• أوعزت لعبدالناصر بزيارة السنهوري بعد الاعتداء عليه، ولكن زوجة السنهوري رفضت أن يدخل وقالت له "هو أنت تقتل القتيل وتمشى في جنازته".
• بعد عودتي من مهمة خاصة لمصلحة الثورة أرسلني إليها عبدالناصر، قال لي "أي شيئ تريده سوف أحققه لك" فقلت له: "أريد العفو عن الشعب المصري"، ولكنه لم يحقق لي أى طلب.
• كان عبدالناصر أكبر الديكتاتوريين بين زملائه، لقد خدع كل زملائه وخدع الجميع.
(13) لطفي الخولي
• اعتبر نفسي من الطبقة البرجوازية الصغيرة، وهذا التكوين الاجتماعي كان داعيا لأن أعتنق الماركسية.
• كان الخلاف بيني وبين الثورة في الفترة الأولى حول قضيتين هما الديمقراطية والسلطة، والاتجاه الاجتماعي.
• لم يكن هيكل ممثلا لعبدالناصر وللنظام، فدائما ما كانت لديه أرضية مستقلة.
• هيكل لم يكن يريد أن يحمي عبدالناصر بقدر ما أراد أن يجعل الأهرام منبرا للقوى الوطنية والعلمية والعقلانية.
• حل التنظيمات اليسارية كان صحيحا وخطأ في آن معا.
(14) أحمد سعيد
• كان عبدالناصر ينظر إلى الحكام العرب من خلال سياساتهم ومواقفهم وليس من خلال أنظمتهم وأسرهم.
• لم تقدم الولايات المتحدة أي نوع من المعاونة الفنية أو المالية أو الهندسية أو البشرية لإذاعة صوت العرب أو لأى جهاز إعلامي مصري.
• كان عبدالناصر منكفئا على مصريته كجزء من عالم رئيسى يتحرك فيه بالضرورة.
• غضب عبدالناصر مني لعدم التزامي بتعليماته بمنع أي خبر أو تعليق عن حركة فتح الفلسطينية.
(15) أمين هويدى
• أرى أن المثقف الحقيقي بعيد كل البعد عن فكرة الاحتواء التي سعت إليها الثورة.
• الصراع بين الثورة والمثقفين نشأ نتيجة الاختلاف في التطبيق.
• لم ينفرد عبدالناصر باتخاذ قراراته، وإنما كان يتبع أسلوب المشورة أولا.
• علاقة عبدالناصر بأميركا لم تتعد كونها علاقة اتصال بغرض تحقيق أكبر كسب لمصر.
(16) وحيد رأفت
• قدمت استقالتي من منصب مستشار الرأي بوزارة الخارجية لاعتراضي على قرارات صدرت.
• تم اعتقالي وتحديد إقامتي لمعارضتي الدائمة للنظام.
• المثقفون قبل الثورة كانوا يتمتعون بقدر كبير من الحرية مقارنة بما بعدها من دكتاتورية واستبداد رجالها.
• صلاح سالم هو الذي كان وراء حادث السنهوري.