الشفافية تجعل الإنسان كما الزجاج

الفيلسوف الألماني بيونغ تشول هان: الشفافية إيديولوجيا مثل الإيديولوجيات كلها.


فكرة بانوبتيكون تعتمد على السماح بمراقبة جميع السجناء دون أن يكون المسجونون قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا


الشفافية تعدّ نظاماً نيوليبرالياً غدا مترسخاً في وقتنا الراهن

يكتسب هذا الكتاب "مجتمع الشفافية" للفيلسوف والمنظر الثقافي الألماني من أصل كوري بيونغ تشول هان أهميته من كونه نوعاً من النقد للثقافة المعاصرة في علاقتها بالرأسمالية والنيوليبرالية. ويمكن إدراجه ضمن التراث النقدي لمدرسة فرانكفورت؛ حيث يُظهر المؤلف تأثره الكبير بروادها، وخاصة والتر بنيامين.
يركز الكتاب الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود وترجمه أستاذ الفلسفة المعاصرة والجماليات د.بدر الدين مصطفى على الشفافية معياراً ثقافياً أنشأته قوى السوق النيوليبرالية، ويفهمه على أنه الدافع النهم نحو الكشف عن كل شيء دون الاعتراف بفكرة الخصوصية. ووفقاً للفيلسوف الألماني فإن إملاءات الشفافية تفرض نظاماً استبدادياً من الانفتاح على حساب القيم الاجتماعية الأخرى مثل الخجل، والسرية، والثقة.
يتتبع هان الذي يعمل أستاذا في جامعة برلين للآداب آثار الشفافية في جوانب الحياة الاجتماعية المختلفة؛ علاقتها بترسيخ القيم الإيجابية التي تعمل على تدجين أفراد المجتمع وقولبتهم، وعلاقتها بالسلطة والتحكم والمراقبة، بالبورنوغرافيا، وقيمة العرض، والمعلوماتية. من جهة أخرى، وبين ثنايا هذا الكتاب، نجد اهتماماً أساسياً بالوضع الذي تواجهه الكائنات البشرية التي تسير بخطاً سريعة وبقيادة التكنولوجيا إلى حالتها من الرأسمالية المتأخرة. ويتم استكشاف هذا الوضع عبر العديد من الجوانب: الجنس، والصحة العقلية، والعنف، والحرية، والتكنولوجيا، والثقافة الشعبية.
يقول هان إن كلمة الشفافية تلك الكلمة التي دأبنا على سماعها، في وقتنا الراهن، عبر مجالات الحياة كافةً، ليس داخل عوالم السياسة فحسب؛ بل في عوالم الاقتصاد أيضاً. المزيد من الديمقراطية، والمزيد من حرية تداول المعلومات، والمزيد من الكفاء، هي النتائج المتوقعة من تعميم وسيادة الشفافية. حيث تعمل الشفافية على خلق الثقة، وهي بذلك ترسّخ لعقيدة جديدة، إلا أن ما يتم تجاهله هنا يتمثل في أن رفع شعار الشفافية يحدث في مجتمع يكون فيه معنى "الثقة" ملتبساً إلى درجة كبيرة للغاية. وحيثما يسهل الحصول على المعلومات، كما هو الحال في عالمنا اليوم، يتحول النظام الاجتماعي من الثقة إلى السيطرة. مجتمع الشفافية ليس مجتمع ثقة؛ بل مجتمع سيطرة.
ويضيف "إذا غدا كلّ شيء شائعاً أو عامّاً، وفي الوقت الذي يحدث فيه، ستغدو السياسة أيضاً قصيرة الأجل على نحو مطّرد؛ ستصبح محدودة المدى الزمني، ولن تعدو كونها مجرد ثرثرة. سيؤدي فرض الشفافية الكاملة على التوافقات السياسية إلى إجهاض التخطيط البطيء، وتجعل تنفيذ مخطط طويل المدى مستحيلاً. سيغدو من الصعوبة أيضاً الحصول على رؤية للمستـقبل. وستنال الأمور، التي لا بدّ من أن تستـغرق وقتاً حتى تنضج، اهتماماً أقلّ فأقلّ. وبما أن الاتصالات والشبكات الشاملة تديران مساريهما على نحو مستقل، بات من الصعوبة، الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن يجد الإنسان مكاناً بعيداً خارج هذا النظام حيث يكون له رأي مختلف. إن التواصل الشفاف هو التواصل الذي يمارس عملية التهيئة والتسوية؛ إنه يؤدي إلى التزامن والنمطية؛ يقضي على الآخرية (Otherness)، ويحدث نوع من المطابقة القهرية بين الذوات. بهذه الطريقة، تستقرّ الشفافية داخل النظام السائد".

فلسفة
إملاءات الشفافية تفرض نظاماً استبدادياً

ويشير هان إلى أن الشفافية تعدّ نظاماً نيوليبرالياً غدا مترسخاً في وقتنا الراهن. وهو يفرض نظاماً على كل شيء يوجد داخله، وذلك بغية تحويله إلى معلومات. إن توافر المزيد من المعلومات وسبل التواصل، لما يقع خلف العلاقات غير المادية الراهنة للإنتاج، ليعني المزيد من الإنتاجية وتسارع معدلات النمو. في المقابل، تمثل مفاهيم مثل السرية والانعزال والآخرية عقبات في التواصل ليس لها حدود. وهي المفاهيم التي أصبح من الضروري تفكيكها باسم الشفافية.
ويلفت إلى أن الشفافية تجعل الإنسان كما الزجاج، وهنا تحديداً يكمن عنفها؛ حيث يفضي كلٌّ من الحرية غير المقيدة والانفتاح التواصلي إلى السيطرة الكاملة والمراقبة. أمّا الوسائط الاجتماعية، فهي أيضاً تشبه، إلى حدّ التطابق، نظام المراقبة(Panoptica)  الرقمي، الذي يؤدي دور التأديب والتوجيه الاجتماعي.
ووفقا للمترجم فإن الـ "بانوبتيكون (Panopticon) (opticon) تعني مراقبة، (Pan) الكل؛ هو نوع من السجون قام بتصميمه الفيلسوف الإنكليزي والمنظّر الاجتماعي جيريمي بنتام في عام (1785). فكرة التصميم تعتمد على السماح بمراقبة جميع السجناء دون أن يكون المسجونون قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا. وصفه بنتام بانوبتيكون بأنه "طريقة جديدة لتحقيق سيطرة العقل على العقل". وفي وقت لاحق، ألهمت فكرة البانوبتيكون، بوصفها رمزاً للسلطة غير المرئية، مفكرين وفلاسفة، مثل ميشيل فوكو، ونعوم تشومسكي، وزيغمونت بومان، وظهرت في أعمال الأديب البريطاني جورج أورويل. وسيحدثنا عنها المؤلف تفصيلاً في الفصل الأخير من هذا العمل".
ويرى هان أنه في المجتمع العقابي، يتمّ عزل شاغلي البانوبتيكون عن بعضهم بعضاً لتحقيق مراقبة أكثر شمولاً، ولا يسمح لهم بالتواصل مع الآخرين. أمّا سكان البانوبتيكون الرقمي، فهم منخرطون في التواصل الحيوي، ومتجردون عن إرادتهم الحرة. بهذه الطريقة يتعاونون بنشاط داخل هذا النظام الرقمي للمراقبة.
ويضيف أن مجتمع التحكم الرقمي يؤدي إلى الاستخدام المكثف للحرية. لا يمكن تحقيق ذلك إلا بفضل التعرية الذاتية الطوعية وكشف الذات، وهو في هذا يعمل على استغلال الحرية على نحو نموذجي. لا يحقق مجتمع التحكم غايته عندما يفشل مواطنوه في تحقيق التواصل نتيجة لقيد خارجي؛ بل يتحقق ذلك عندما يتغير بناء على حاجة داخلية؛ أي عندما يجد في نفسه الحاجة إلى التخلّي عن خصوصيته، تحت وطأة الخوف من فقدان المجال الخاص والحميم، إلى وضع نفسه على طاولة العرض دون خجل.
ويخلص هان إلى أن "الشفافية إيديولوجيا مثل الإيديولوجيات كلها، تشترك معها في صفاتها الأساسية، كالشمولية والخداع. وهي من حيث كونها إيديولوجيا، تشكل خطورة؛ حيث إذا تم تعميمها، ستفضي إلى الإرهاب".