الشعر الهندي، ثقافة متنوعة صاغتها حضارات متعددة‏

نيودلهي - من خالد العنزي‏
بوتقة حضارية

عندما تقرأ شعرا هنديا ياخذك الخيال بعيدا تارة ‏ ‏تكون على قمة جبل وتارة اخرى باحد الوديان او بصحراء قاحلة كراجستان او على ضفاف ‏ ‏نهر تنساب مياهه بين الصخور او لبحر هائج ليس له نهاية.
وساعد تنوع الحضارات والثقافات التي مرت على الهند في التأثير على صياغة بعض ‏‏الجمل الشعرية اضافة الى انه تم ادخال بعض الكلمات من بعض اللغات كالسنسكريتية ‏‏التي تعد احد اقدم لغات العالم والاوردية مما اعطي الجملة الشعرية الهندية رونقا ‏‏مختلفا جعلها مميزة عن غيرها كلوحة تفنن بها رسام مخضرم لبضع سنين.
كما ساهم تعدد الحضارات والثقافات بظهور اجيال من المثقفين رسموا بتعابيرهم ‏‏الشعرية لوحات فنية راقية ومنهم بارافي وبهاتي وماغها وشريهارشا وفاسا وشودراكا‏ ‏وكينغ هارشا وفيشا خاداتا وبهاتان اريانا وبهافابوتي وامير خسرو وزهر الدين حاتم ‏‏وميرزا اسعد الله خان وبلاشك الشاعر المخضرم رابيندرانات طاغور.
ومن يقوم بجولة ببعض الكتب المتعلقة بالشعر الهندي وتاريخه يجد كنزا من ‏‏الثقافة في بلد مرت عليه عدد من الحضارات وتشكلت فيه لغات ولهجات اعطت الشعر‏ ‏الهندي لونا خاصا فريدا تميز به عن باقي دول الجوار انعكس على الثقافة بجميع ‏‏انواعها من حيث تنوع المصادر وتوفر مزيد من الكلمات لتضفي على الجملة الشعرية ‏‏الهندية جمالا.
وتكمن اهمية الشعر عند المجتمع الهندي كونه شعبا مختلف الاعراق والديانات‏ ‏والثقافات والطبقات حيث يذيب الشعر الفوارق الثقافية والمجتمعية والطبقية ويعتبر‏ ‏احد اهم الامور المشتركة التي يحق للجميع ان يتناقلها ويتغنى بها في الوقت الذي‏ ‏كان فيه الشعر لغة المخاطبة في القرن السادس عشر‏.
وان كان الشعر في ظاهره تشكيلات كلامية الا انه يخفي وراء ذلك ما ‏ ‏تنطوي عليه الروح من حب او بغض او مدح اوذم او وصف او غزل.
وتضم الهند العديد من الشعراء والادباء الذين يكتبون الشعر الا ان الهند تختلف ‏‏عن غيرها من دول العالم كونها بلد متعدد اللغات وذلك لاختلاف ولاياتها وتبعية كل ‏ ‏شاعر الى ولاية محددة يتحدث اهلها بلغة تختلف عن ولاية قد تكون مجاورة لها الامر‏ ‏الذي ادى الى اختلاف اللغات التي يكتب بها الشعر في الهند.
ومن اللغات التي كتب فيها الشعر الهندي هي (سانسكريت) وتعد من اقدم لغات ‏ ‏العالم حيث كانت تستخدم قبل 500 عام قبل الميلاد.
وتشير المراجع الثقافية الهندية الى ان من اشهر القصائد الشعرية التي كتبت ‏ ‏باللغة السانسكريتية هي (فيداس) و(بوراناس) و(رامايانا) و(ماهافراتا) ‏‏و(بوداتشاريتا) و(هيتوباديشا) و(بانتشاتانترا) ومن اهم الشعراء الذين كتبوا الشعر ‏ ‏بتلك اللغة هم كاليداسا واشفاغوشا وكوماراداسا بارافي وبهاتي وماغها وشريهارشا‏ ‏وفاسا وشودراكا وكينغ هارشا وفيشا خاداتا وبهاتان اريانا وبهافابوتي.
وتعكس اللغة السانسكريتية التغيرات التي طرأت على الهند باختلاف الازمان في‏ ‏الوقت الذي تجذب فيه اللغة السانسكريتية الناس الى تعلمها لقراءتها وفهمها‏ ‏ولاسيما انها تعد لغة مرتبطة بالعصور القديمة.
ومن اللغات التي لا يزال يكتب فيها الشعر في الهند هي اللغة الاوردية وهي لغة‏ ‏خاصة بنوعية معينة من فئات المجتمع الهندي وخاصة المسلمين.
وتعد اللغة الاوردية خليطا ما بين اللغتين العربية والهندية حيث ‏ ‏تأثرت اللغة الاوردية باللغة العربية في الوقت الذي تأثرت فيه اللغة الهندية بلغة ‏‏سانسكريت القديمة.
ومن اكثر العصور التي اشتهر فيها الشعر باللغة الاوردية هي خلال القرنين الـ ‏16 وال17 ويعد الشاعر امير خوسرو من اوائل الشعراء المتميزين الذين كتبوا الشعر ‏‏باللغة الاوردية ومن ثم اتى العديد من الشعراء الذين برزوا في نفس المجال ومن ‏‏اشهرهم زهر الدين حاتم الذي عاش خلال الفترة ما بين عامي 1699 وحتى عام 1792 ‏ ‏والشاعر خان ارزو الذي عاش خلال الفترة ما بين عامي 1689 وحتى عام 1756.
وجاء بعد ‏ ‏ذلك عصرا تميز فيه العديد من شعراء الاوردية ومنهم مازهاردارد سوز وقايم ويقين‏ ‏وبيان وهدايت وقودرات وزايا واسار وحسن وانشا وجورات وفيراق.
ومن ثم جاء عصر اصبح فيه الشعر باللغة الاوردية اكثر تميزا وحدث تطور في‏ ‏اللغة نظرا لانتقال الناس من مكان الى اخر لاسيما في المناطق العربية حيث دخلت ‏ ‏بعض المفردات الجديدة التي ادت الى تغير في اللغة الاوردية وكان هذا التغيير في ‏ ‏صالح العديد من الشعراء اللذين برزوا في ذلك العصر ومنهم الشعراء غالب وناصر ومومن وزافار.
وتتنوع القصائد في الشعر الاوردي حيث نجد (الغزل) وهو الذي يحمل الطابع ‏‏الرومانسي حيث يروي الشاعر فيه مشاعر الحب التي يكنها الى حبيبته او حتى وصفه ‏ ‏لمفاتنها كما نجد شعر (القصيدة) وهو الذي يمدح فيه الشاعر شخصا ما قد يكون شخصا ‏ ‏ذو منزلة عالية او احد المقربين اليه وايضا شعر (مارسيا) و يعتبر رواية لقصة او ‏ ‏حكاية حدثت على ارض الواقع.‏ ‏ ونجد كذلك شعر(ماسنافي) وهو عبارة عن ملحمة طويلة الا ان هذا النوع من الشعر ‏ ‏يعتبره الشعراء نمطي وتقليدي اما النوع الاخر من الشعر باللغة الاوردية هو ما ‏ ‏يسمى (كيتا) و(روباي) فهما يعتبران شعر موعظة حيث يتميزان بتوفر الافكار النبيلة.‏ ‏- ومن اشهر الشعراء الذين كتبوا الشعر باللغة الاوردية هم ميرزا اسعد ‏ ‏الله خان الذي عاش خلال الفترة ما بين عامي 1796 وحتى 1869 وغالب هو شاب ينحدر من ‏ ‏عائلة نبيلة هاجر الى الهند قادما من تركيا حيث عاش السنين الاولى عند وصوله ‏ ‏الهند في منطقة اغرا بولاية اوتار براديش شمال الهند ومن ثم انتقل الى دلهي ولم ‏ ‏تكن حياته سهلة او سعيدة الا انه وبذكائه احتفظ بروح الدعابة والتهذيب واللطف ‏ ‏وكان محبوبا من قبل الناس اضافة الى كونه موهوبا ومتسامحا ويلقب "بسيد القصيدة".‏ ‏ ومن اشهر الشعراء الهنود الشاعر رابيندرانات طاغور الذي يعد اول اسيوي يحصل ‏ ‏على جائزة نوبل في الادب في ال 13 من نوفمبر عام 1913.‏ ‏ وولد طاغور بمدينة كولكتا (كلكتا) عاصمة ولاية غرب البنغال شرق الهند عام 1861 ‏ ‏من عائلة ارستقراطية شغوفة بالموسيقى والثقافة .‏ ‏ وبدا طاغور بكتابة الشعر باللغة البنغالية عندما كان شابا واستمر نحو 70 عاما ‏ ‏وتعد كتاباته من اروع القصائد بالهند ومن اوائل اعماله قصائد بعنوان (شايشاب ‏ ‏سانغيت) و(سانديا سانغيت) و(برافات سانغيت) و(كاري او كومال) و(مايار كيلا) ‏ ‏و(موكوت) اما من اهم رواياته هي (راجارشي) و(بوتاكورانير هات) اضافة الى كتابته ‏ ‏لبعض القصص القصيرة للاطفال.‏ ‏ وكان طاغور من المحبين لبلده حيث كان يرفض الهجمات الارهابية والملابس ‏ ‏المستوردة من الخارج.‏ ‏ ويعتبر طاغور من المحبين للسفر حيث كتب عن اعجابه بالمجتمعات اليابانية ‏ ‏والروسية والجمال الايطالي اضافة الى ادانته للحربين العالميتين الاولى والثانية.‏ ‏ وفي شهر اغسطس عام 1940 منحت جامعة اكسفورد شهادة الدكتوراه لطاغور في الوقت ‏ ‏الذي بدأت فيه صحته بالتدهور في شهر سبتمبر من العام نفسه وكان يتلقى العلاج باحد ‏ ‏مستشفيات مدينة كولكتا الا ان عملية اجريت له لم تكن ناجحة اسفرت عن وفاته ورحيله ‏ ‏في السابع من شهر اغسطس عام 1941 عن عمر يناهر الـ81 عاما. (كونا)