الشعر القديم والطفل

بقلم: السيد نجم
الطفل حجز لنفسه مبكرا مكانة في الشعر

اهتم القدماء والشعراء منهم بالطفل، وقد عرفوا الأدب الموجه للصغار سواء في اللاتينية أو العربية أو غيرها من اللغات. وربما أهم ما تميز به هذا اللون من الأدب هو الحرص على سرد المواعظ التعليمية، إبراز القيم والتعاليم الأخلاقية والدينية.
ربما من أشهر تلك النماذج هي مواعظ لقمان، حكايات أيسوب، وحكايات بتاح حوتب (المصري القديم)- وأعمال "وايبور" وغيرها. وربما المأخذ الشائع الآن حول تلك الأعمال، فضلا عن المباشرة، هو مخاطبة الطفل وكأنه رجلا صغيرا، ولم يلتفتوا إلى طبيعة تكوينه النفسي والاجتماعي وخصائص مراحله العمرية.
لاحظ البعض (ومنهم أحمد سويلم في كتابه أطفالنا في عيون الشعراء) أن اكتشاف آلة الطباعة أعطى دفعا جديدا وجادا في مجال أدب الطفل عموما، وزادت الصيحة بضرورة طباعة الكتاب الخاص بالطفل. ووجدت الدعوة صداها، فكانت كتب الطفل في القرن السابع عشر الميلادي الخاصة بالطفل والحافلة بقيم الوعظ والإرشاد، كما اعتمدت على الأصول الشعبية فحفلت مواضيع الشيطان والجن والسحر.
وفى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت كتابات "جون نيوبري" حيث كانت كتبه متضمنة بعض الصور الجذابة التي تجعل من الكتاب سلعة مرغوبة للطفل الصغير، بالإضافة إلى الورق الجيد والإخراج الفني الجيد والذي ربما يفوق كتب الكبار.
وشهد القرن التاسع عشر مولد واحد من أهم من كتبوا في أدب الطفل في العالم، وهو الروائي الدينماركى "هانز أندرسون" (أشهر أعماله: البطة القبيحة، عسكري الصفيح الشجاع، عروس البحر الصغير، الحذاء الأحمر وغيرها). وربما راج أدب الطفل من بعده وبسببه.
اذا كان يلزم الكتابة للطفل توافر معرفة الأصول والقواعد التربوية والنفسية للطفل، فهم أصول فنية ملزمة لمخاطبة الطفل، والحرص على مواصفات خاصة للكتاب المادي المقدم للطفل. فان الشعر في أدب الطفل له نفس الخصائص والأهمية.
- لغة الكتابة للطفل تعتمد على المحسوسات المادية والمرئية، ولفظ المجردات. فلا يقال كلمة العدالة أو الصدق مثلا، يفضل أن الموقف أو الحدث أو المعنى الشعري يتكفل بالتوصيل.
- غالبا ما يتصف الطفل بصفات خاصة لكل مرحلة سنية:قبل السادسة، حتى التاسعة، حتى الثانية عشر، حتى الثامنة عشرة. ولكل مرحلة خصائصها النفسية والتربوية. وعلى شاعر أو كاتب الطفل مراعاة ذلك.. حيث الطفل قبل السادسة يتصف بالأنانية واستخدام كلمة "أنا" مع ضمير المتكلم غالبا. وهكذا لكل مرحلة خصائصها.
- كما يجب أن تتسم لغة الطفل بالبساطة والوضوح، وإيصال الفكرة بأقل عدد من الكلمات، ثم التكرار غير المباشر .
- ويمكن مراعاة مفردات الطفل الخاصة، التي قد تختلف من طفل في بيئة ما عن آخر..
أما عن "الشعر" تحديدا، فقد لاحظ العلماء استعداد الطفل لتقبل الموسيقى والشعر، والشعر له إيقاع موسيقى بالدرجة الأولى. وربما يرجع لهذا السبب كثرة ما كتب شعرا للطفل طوال تاريخ الحضارة الإنساني.. فالإيقاع والموسيقى الخارجية للكلمات لها تأثير ساحر.
.. ففي الإنتاج الأدبي المصري القديم توجد قصائد عديدة للطفل، ربما أشهرها "نشيد النيل":
"حمدا للنيل / ينزل من السماء
ويسقى البراري البعيدة عن الماء / وينتج الشعير.. وينبت الحنطة
وهو سيد الأسماك.. / وهو الذي يحدد للمعابد أعيادها
......"
.. أما في حضارة وادي الرافدين (سومري-بابلي) فقد تميز بالتكرار والوعظ، وهو ما تلاحظ في "ملحمة جلجامش"..فيها الأبيات:
"من سلك سبيل العدوان واغتصبت يده ما ليس له.
من نظر نظرة رضا إلى مواطن الشر..
من بدل الوزن الكبير بالوزن الصغير..
من أكل ما ليس له ولم يقل ما حدث..
فسوف يعاقب على جرائمه."
كما تركت الحضارة اليونانية الكثير من تلك الأشعار التي تتسم بالوعظ والإرشاد، ومن أشهر الشعراء "يوريبيديس" و"موسخوس" و"ثيوكريتوس"، و"بيون"الذي قال ذات مرة:
"يا بني لا تلجأ إلى الناس دون مبرر
ولا تعتمد على الغير في إنجاز عملك
حاول أن تصنع مزمارك بنفسك
-كل شئ يتم بمشيئة الآلهة- "
وقد مدت الإمبراطورية الفارسية الأدب العالمي بالكثير من الأشعار التي عنيت بالوعظ والإرشاد والجانب التعليمي للطفل، وهذا الجزء عن قصيدة تتناول فكرة "الزمان" من كتاب بعنوان "أصل الخليقة":
"الزمان من كلا المخلوقين أقوى
الزمان من كل متملك ..أملك
الزمان من كل ذي علم ..أعلم
زماننا يمضى .. ويتفرق..
لا يمكن للروح أن تتخلى عن الجسد
ولا حين تطير في الأعالي."
ثم هاهي ذي الشعرية العربية منذ جاهليتها وحتى الآن تنتج للطفل. ففي معلقة قالها "عمرو بن كلثوم" مفاخرا، ومزدريا أو محتقرا "عمرو بن هند" لأنه أهان أمه:
"ألا أبلغ بنى الطماح عنا ودعميا.. فكيف وجدتمونا
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا صبى تخر له الجبابر ساجدينا"
كما عرف العرب الشعر الموجه للطفل خلال مراحل عمره، منها التي تتغنى بها الأم لولده الذكر (ومكانته معروفة عند العرب):
"يا حبذا روحه وملمسه/ أصلح شئ ظله وأكيسه
الله يرعاه لي ويحرسه"
كما غنت الأم للبنت قائلة:
"كريمة يحبها أبوها/ مليحة العينين عذبا فوها
لا تحسن السب وان سبوها"
وقد شارك كبار شعراء العربية قديما في الكتابة للطفل، حتى أن "أمرىء القيس" كتب عن لعبة "الزحلوقة" أو "الأرجوحة"..يقول:
"لمن زحلوقة زل / بها العينان تنهل
ينادى الآخر ..الأل / ألا حلوا ..ألا حلوا"
وتتنوع الأغراض والتوجهات نحو الطفل في ذاك التراث الثري. السيد نجم