الشعر أوَّلا .. والشعر أخيرًا، لفاروق شوشة

بقلم: أحمد فضل شبلول

يمثل هذا الكتاب الجديد للشاعر الكبير فاروق شوشة، دعوة إلى القراءة، وحثًّا على إحياء بعض قيم الزمان الجميل الذي كانت فيه الكتابة الأدبية والنقدية تعبيرا عن محبة الكاتب، وتحقيقا لمتعة القارئ.
والكتابة الأدبية ـ في نظر شوشة ـ لابد أن تصدر عن محبة حقيقية ووعي حقيقي بأهمية هذه المحبة في اختيار الموضوع، وتحديد زاوية النظر إليه، ومنهج التعامل معه.
وهذه الدعوة تكشف عن روح تعامل فاروق شوشة مع الشعراء والكتب والقصائد والموضوعات التي اختارها للنشر في كتابه "الشعر أولا والشعر أخيرا" الصادر عن مشروع مكتبة الأسرة 2002.
إنه عالم الشعر والشعراء الذي درج شاعرنا على الغوص فيه، والتحليق في آفاقه منذ أن قدم لنا كتابه "أحلى عشرين قصيدة حب"، وانتهاء بكتابه "زمن للشعر والشعراء"، ومازالت هناك كتب أخرى في الطريق إلى القارئ.
في هذا الكتاب، الذي انتقى شاعرنا موضوعاته من مقالاته الأسبوعية التي ينشرها في جريدة الأهرام، صباح كل أحد، حفاوة كبيرة بالمشهد الشعري الراهن ـ على مستوى الوطن العربي ـ في شتى ألوانه وسماته، وتعدد أجياله ونماذجه، بل اتسعت دائرة هذا المشهد، فامتدت شرقا لتطل على الشعر الأرمني والروسي والتركي والصيني، ولتتبنى دعوة آن أوان تحقيقها والتبشير بها وهي "أهمية أن نتجه شرقا".
لذا نرى أن اهتمام فاروق شوشة بشعرائنا القدامى ـ في هذا الكتاب ـ لم يتركز إلا في المتنبي، باعتباره سيد شعراء العربية، وشعره صالح لكل زمان ومكان، والأبيوردي (أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي الأموي) الذي عاصر استيلاء الفرنجة على بيت المقدس سنة 492 هجرية، فكان صوت الشعر العربي في استحثاث الهمم واستثارة النخوة والحمية، وتحذير الأمة العربية كلها من الاستسلام للتخاذل والتواكل والسلبية في وجه الطامعين المعتدين. والملك الشاعر المعتمد بن عباد ملك إشبيليه، وخطيئته العظمى التي ارتكبها بأن سمح لنفسه الاستعانة بأعداء أمته ودينه على منافسيه من بني قومه وجلدته، ففتح على نفسه أبواب الجحيم الذي سيكون أول من يصلى نيرانه ويحترق بلهيبه.
عدا ذلك يظل كتاب فاروق شوشة، محلقا في آفاق الشعر المعاصر، مشاركا في رسم المشهد الشعري العربي، فيكتب عن أمل دنقل، باعتباره أكثر حضورا اليوم منه عند رحيله، فالمشهد القومي والشعري الآن يجعل من حضور أمل الساطع معنى واخزا وضاغطا، والذين يعيدون قراءة ديوان "أقوال جديدة عن حرب البسوس" يرون كيف جعل من "كليب" رمزا للمجد العربي القتيل والأرض السليبة التي تريد أن تعود إلى الحياة مرة أخرى، وهو لا يرى سبيلا لعودتها أو إعادتها إلا بالدم والدم وحده.
أما فدوى طوقان، فتظل ـ المتوهجة شبابا وهي في ثمانينات العمر ـ تعطي من ذوب القلب إبداعها الصافي الجميل، ويظل صوتها المنطلق من بلدتها "نابلس" محلقا في سماء الوطن العربي كله.
ومن رسالة إلى محمود درويش، إلى الحديث عن جوزيف حرب وديوانه "السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية" الذي منع تداوله في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ثم دعوة إلى قراءة سعيد عقل، باعتباره ظاهرة شعرية لها خصوصيتها اللغوية والفنية والموسيقية والفكرية. ثم التوقف عند سليمان العيسى، والمرأة في شعره، باعتبار أن شعره في المرأة وعن المرأة لم ينفصل أبدا طيلة مراحل إبداعه الشعري عن نضاله من أجل الوطن والحرية. ثم الحديث عن أحمد المشاري العدواني الذي يمثل مع رفيقيه الكبيرين عبد العزيز حسين وحمد الرجيب ثلاثي النهضة والتقدم في المشروع الثقافي الكويتي المعاصر. ثم نلتقي مع الشاعر العماني سيف الرحبي، حفيد السندباد، المسافر في الوجوه والأماكن والأزمنة.
ومن شمال الوطن وشرقه إلى جنوبه حيث عبد العزيز المقالح في اليمن، ثم الاتجاه غرب الوطن ليكون الحديث عن مفدى زكريا شاعر الهوية الجزائرية وشاعر الثورة الجزائرية، باعتباره رمز الارتفاع عن قيد العرق أو الجنس، إلى سماء النزعة الوطنية والقومية والإسلامية، منفتحا على أفق إنساني رحب، وقيم سامية للخير والحق والجمال. ومن تونس نجد منصف الوهايبي ووردته الرملية، وجميلة الماجري شاعرة الهوى القيرواني، حيث لم تبق القيروان مدينة تاريخية شاهدا على مجد فحسب، بل إنها مدينة ولوذ استلهمت فيها الشاعرة القدرة السحرية على الخلق في الماضي وفي الآتي على حد السواء.

ثم يخرج المؤلف من العالم العربي محلِّقا في شرق العالم؟، فيكتب مجموعة مقالات تؤكد أهمية أن نتجه شرقا، لاعتدال الميزان والخروج من سيطرة ما هو أوربي أو غربي، لا نحيد عنه، ولا نعرف سواه. ويبدأ هذا الاهتمام بعد أن تلقى فاروق شوشة الديوان الشعري الضخم الذي يضم مختارات من الشعر الآسيوي ترجمها عن الإنجليزية أحمد فرحات، وصدرت ضمن منشورات المجمع الثقافي في أبو ظبي، وتتسع هذه المختارات الشعرية لشعراء من الهند وباكستان وماليزيا وإندونسيا والفلبين وتايلاند وكوريا الجنوبية وتايوان وبنجلاديش وأفغانستان وبورما.
ثم هناك مقالة عن الشعر الأرمني من خلال كتاب "مختارات من الشعر الأرمني" ترجمة فاروجان كازانجيان، بمشاركة الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة الذي قام بجهد الصياغة الشعرية للترجمة، والمراجعة اللغوية.
ومن خلال ترجمة شعر ناظم حكمت يحتفل المؤلف بالدكتور علي سعد، على اعتبار أن ترجمته لمختارات من شعر ناظم حكمت التي نشرها عام 1952 "كانت بمثابة النار المتوهجة التي صادفت فينا تطلعا مشبوبا إلى آفاق الحرية والعدل والكرامة الإنسانية، والثورة على القيود والمستبدين والمستعمرين".
ومن تركيا إلى روسيا، وحديث عن ترجمات الدكتورة مكارم الغمري لأشعار بوشكين عن لغتها الأصلية الروسية.
ثم عودة إلى مصر الشعر والشعراء، وشكر للشاعر أحمد سويلم الذي حرص القيام بوصية صديقه الشاعر إبراهيم عيسى عندما اشتدت به العلَّة في شهوره الأخيرة، طالبا منه أن يتولى طبع أشعاره الكاملة.
ووقفة مع شعر العامية المصرية من خلال عبد الرحمن الأبنودي، هذه الظاهرة الشعرية المغايرة، ويوضح فاروق شوشة أن حماسه للفصحى وإيمانه بها، لا يحول بينه وبين استمتاعه ببلاغة العامية وجمالياتها وإنجازاتها في شعر الأبنودي وغيره من كبار المبدعين.
ووقفة أخرى مع يحيى حقي من خلال رباعيات صلاح جاهين، حيث لم يكتب أحد عن فن صلاح جاهين وإبداعه الشعري كما كتب يحيى حقي، وكأن يحيى حقي ـ بأبوته الروحية وفنه العظيم ـ كان يعتذر نيابة عن كل نقاد العصر الذي تجاهلوا صلاح جاهين، ولم يحاولوا الاقتراب من تخوم عبقريته إلا بعد رحيله.

من المتنبي إلى ملك التي تبدأ خطوتها الأولى، وجعلت فاروق شوشة يكتب ـ مرة أخرى ـ شعرا للأطفال، بعد أن كتب إلى أختها حبيبة ديوانه الأول للأطفال "حبيبة والقمر". تكتمل الرحلة الشعرية العذبة والمحلِّقة مع كتاب "الشعر أولا والشعر أخيرا"، الذي احتوى بالإضافة إلى ما سبق، على موضوعات أخرى مثل: متعة تذوق الشعر، والعلاج بالشعر، ودريني خشبة عاشق الشعر والجمال، ودار العلوم في عيون الشعراء، ويوم من أيام كامبردج. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية