الشعب يريد عودة التمثال

كتب ـ عبدالمنعم عبد العظيم
الأثر المصري الفريد

من أجمل التحف الفنية التي أثارت العالم تمثال الملكة الفرعونية الجميلة نفرتيتي الذي اكتشفه عامل مجهول من محافظة المنيا عروس صعيد مصر بين تلال تل العمارنة عاصمة الملك الموحد اخناتون.

عندما وجد هذا العامل التمثال أخذ يصيح لأحد أعضاء البعثة الالمانية التي كانت تجري حفرياتها في المنطقة هيرمان رانكة أحد مساعدي المهندس لودفيج بوخارت: "والله لقيت تمثال حلو قوي يا ولاد حلو قوي يا خوي".

ولم يكن هذا العامل البسيط مبالغا عندما تطلع إلى ملامح هذا التمثال النصفي الذي أخرجه من كومة الرمال إذ كان ملونا تلوينا بديعا بسبعة ألوان الأسود للحواجب وبروز تكحيل العينين، والأزرق للتاج الملكي الذي كانت ترتديه، واللون الوردي الذي يميل إلى البمبي لجلد الوجه والعنق، ثم الذهبي والاخضر لزخرفة شرائط حول وخلف وتحت التاج، والبياض حول نني العينين.

ويعد تمثال نفرتيتي المتوج والملون أيقونة النحت أو التشكيل المجسم ثلاثي الأبعاد بطول التاريخ. وهو من إبداع فنان مصر القديمة تحمتس مع مجموعة تماثيل أخرى لها. لكن يظل هذا التمثال الأكثر روعة وجمالا. ويعد درة التاج في الكنوز الأثرية التي تركها الفراعنة العظام.

تم اكتشافه في منطقة تل العمارنة على بعد 200 كيلو متر من القاهرة عام 1912 كشفه هذا العامل ونسبت البعثة الألمانية الأثرية برئاسة لودفيج بوخارت الكشف لهم وتم نقله إلى ألمانيا، ولم يعرض إلا بعد الاكتشاف بإحدى عشرة سنة في عام 1923 مما أثار ضجة وقتها وعلامات استفهام عديدة.

والتمثال من الحجر الجيري الملون بارتفاع 48 سم وعرض الصدر لا يزيد على 20 سم. وهو يصور الجمال الهادئ لملكة مصر نفرتيتي التي شاركت زوجها الملك اخناتون أول من نادي بالتوحيد في التاريخ وحكم لأكثر من 18 عاما في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

وجمال التمثال يكمن في الخد الأسيل والعنق الفارع الطويل والشفاه الرقيقة الحالمة والنظرة التي تنساب من عينين لوزيتين. ومثلما يبدو أجمل في زواياه الجانبية من الأمام. يبدو العكس بالعكس بما يعد رمزا عالميا للجمال والأنوثة. لقد تم تهريب تمثال نفرتيتى إلى المانيا، وهناك روايات عديدة حول كيفية تهريبه.

إحداها تشير إلى أن طبيبا ألمانيا اصطحبه معه بعد أن أخفاه في سلة بها خضراوات, وفي رواية أخرى أن التمثال غطي بطبقة من الجص جعلته يبدو كقطعة عادية من الحجر.

وتقول الرواية الثالثة أن التمثال سوي عمدا بالطين وتاهت معالمه كنوع من التمويه فلم يلتفت إليه أحد من المسئولين بالمتحف المصري.

ورغم أنه من المفروض أن يكون من نصيب مصر، فقد كانت شروط الاتفاق بين الحكومة المصرية والبعثة الألمانية يقضي بأن من حق مصر أن تحتفظ بأي أثر فريد تعثر عليه البعثة. أما الآثار المتشابهة فيجري اقتسامها بين الجانبين.

ومن هنا استخدم الغش والخداع والسرقة حتى خرج التمثال من مصر إلى ألمانيا.

وبذلك يكون لمصر الحق في عودة التمثال اليها.

وقد طلبت الحكومة المصرية إعادة تمثال نفرتيتي عام 1933 كما وجه الملك فاروق رسالة الى مجلس قيادة الحلفاء الذي كان يسيطر على ألمانيا في 14 أبريل/نيسان عام 1946 يطلب إعادة التمثال.

وكان رد هتلر: نفرتيتي تدخل السرور إلى قلبي. والتمثال قطعة فنية فريدة وكنز حقيقي. ولن أتخلى عن رأس الملكة إلى الأبد.

وبعد هذا كررت مصر طلبها بعودة تمثال الملكة الجميلة في فبراير/شباط 1974 عن طريق السفير المصرى بالولايات المتحدة الأميركية .

ومع بداية هذا العام الجديد دعت وزارة الثقافة إلى عودة نفرتيتي إلى أهلها لتعيش بين أحفادها. وطلبت مصر إعارتها رأس التمثال حتى يثبت حق مصر فى استرداده.

إلا أن مؤسسة التراث البروسي الثقافي، وهى مؤسسة حكومية تشرف على متاحف العاصمىة الألمانية برلين، رفضت طلب مصر وبرر رئيس المؤسسة هيرمان باتسنجر موقفه فى بيان رسمي أن نفرتيتي ستبقى سفيرة لمصر في برلين، وتحجج بأن رئيس وزراء مصر لم يوقع على الطلب.

كان الطلب المصري يستند إلى المادة 13 ب من اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة اليونسكو عام 1970 الخاصة بمنع الاستيراد والتصدير والنقل غير القانوني للممتلكات الثقافية، وهي مادة تطالب أطراف الاتفاقية بالتعاون في تسهيل إعادة الممتلكات لأصحابها.

وفي حين استجابت الحكومة الالمانية لطلب تركيا بإعادة تمثال أبوالهول الذي عثر عليه بمنطقة حتو شاتى التركية وأرسلته الدولة العثمانية إلى ألمانيا للترميم عام 1915 مع تمثال آخر شبيه له غير أنه بعد انتهاء الترميم أعيد أحد التمثالين وبقي الآخر في برلين.

واعترف نويمان أن مؤسسة التراث البروسي التي تدير متحف برجمون في برلين ليس في حوزتها وثائق تثبت ملكيتها للتمثال التركي لذا تقرر إعادته مقابل التفاوض مع وزير الثقافة التركي على تحسين ظروف عمل بعثات التنقيب الألمانية في تركيا والتعاون بين متاحف البلدين، وأكد المسئولون في ألمانيا أن تسليم تمثال تركيا حالة استثنائية لن تنطبق على تمثال نفرتيتي.

وأعلنت الحكومة الالمانية على لسان بيرند نيومان وزير الدولة للشئون الثقافية أمام البوندستاج الالماني أنها لن تعيد تمثال نفرتيتي إلى مصر.

ومن جانبه أكد وزير الثقافة التركي اطغرل جوناي أنه منح مهلة لألمانيا حتى نهاية شهر يونيو/حزيران المقبل مهددا إلغاء تصاريح التنقيب التي يقوم بها المعهد الألماني للآثار إذا لم تستجب برلين.

إن قطعة من أندر آثار مصر والعالم خرجت من مصر بطرق احتيالية في أكبر عملية نهب لتراثنا يزورها مليون سائح كل عام وتبيض ذهبا لألمانيا.

أعلم أن وزير الآثار المصري د. زاهي حواس مهتم بإعادة هذه الآثار المهاجرة والقانون الدولي في صفه، ولا بد من عمل إيجابي حتى لو وصل الأمر للقضاء الدولي فإن السياسة الناعمة لا تجدي في مثل هذه الأمور.

إنني ادعو لحملة شعبية للضغط على ألمانيا لإعادة التمثال، وأتمنى أن تشارك في الحملة الجامعة االعربية ومنظمة الوحدة الأفريقية وهيئة اليونسكو، وأدعو شباب الفيس بوك في كل الدنيا إرسال رسائل إلى الحكومة الألمانية للإفراج عن هذا الأثر المصري الفريد.

عبدالمنعم عبدالعظيم

مدير مركز دراسات تراث الصعيد الأعلى ـ الأقصـر (مصـر)