الشعب يريد عدالة و... تنمية!

بقلم: الصادق بنعلال

جرت يوم الخميس 4 أكتوبر 2012، انتخابات تشريعية جزئية في مدينتين محوريتين من تراب المملكة المغربية وهما طنجة ومراكش، وأسفرت كما كان متوقعا، عن فوز بين ومستحق للحزب الذي يقود الحكومة المغربية الحالية، الأمر الذي حدا ببعض المراقبين والمعنيين بالشأن السياسي المغربي إلى تسجيل بعض الملاحظات الجادة و"المزدوجة"، إذ كيف يحافظ حزب حاكم على نفس المقاعد البرلمانية تقريبا، وهو في الواجهة يتعاطى مع الشأن العام ويمارس مهامه الحكومية، وفي ظل أزمة مالية عالمية ووطنية مدوية؟ كيف يقوى على الصمود في وجه عاصفة الانتقادات والاعتراضات، وخاصة من خصمه اللدود "حزب" الأصالة والمعاصرة؟ ما الذي حث المواطنين على تجديد الثقة في إطار سياسي حاكم لم يف بعد بشعاراته والتزاماته أثناء الحملة الانتخابية التشريعية العادية؟ بل إنه اتخذ قرارات غير شعبية تتعارض وانتظارات المواطنين وتطلعاتهم نحو الرخاء ومزيد من الحريات!

إن الإجابة على هكذا أسئلة وما يماثلها لا تستدعي الغوص في محيط "الأحزاب" المغربية. إن مجرد نظرة بسيطة إلى الراهن السياسي الوطني، تجعل المتتبع المحايد يقف عند استنتاج مفاده أن ارتكان المغرب في نفس الدرجة من الفاعلية وعدم قدرته على إنجاز نهوض تنموي شامل وحاسم، كل ذلك يعود لعدة عوامل كابحة على رأسها البنية الحزبية المترهلة. ومعلوم أننا "نملك" أكثر من ثلاثين حزبا، لكنهم غثاء كغثاء السيل! وإذا أردنا أن نحترم عقل وذكاء القارئ الكريم، لقلنا دون مواربة إن أغلب أحزابنا وجودها عدم أو أخطر! فلا هي ساهمت في تأطير المواطنين وتوعيتهم والرقي بمستوى ذوقهم وقدرتهم على فهم ذواتهم والعالم المحيط بهم، ولا هي قامت بتمثيلهم والتعبير عن تطلعاتهم وآمالهم في المجالس والمؤسسات الرسمية خارج وداخل الوطن.. بل ارتبط وجودها بالنزعة التحكمية في "الخريطة" السياسية، وتوزيع الغنائم وهدر المال العام دون وجه حق.. وواقع الحال "يغني عن السؤال"، فها هو حزب وطني عتيد طالما رفع شعارات العدالة والاشتراكية والديمقراطية، يضع جانبا "دفاعه" عن القوات الشعبية، ليصطف مرافعا ومنافحا باستماتة عن أعضائه الكبار المتهمين باختلاسات مالية من العيار الثقيل! وها هو إطار سياسي آخر يتخذ من "التقدم" و"الاشتراكية" مهادا لمعانقة المناصب والجلوس على المقاعد الوثيرة ولتذهب المبادئ إلى الجحيم. وفي الجهة المقابلة نجد "حزبا" لا مثيل له في العالم، ضم وبلمسة سحرية قاهرة أصحاب اليمين وأصحاب الشمال / اليسار، وخرج يدعو إلى "الأصالة" ويروج لـ"المعاصرة" في أفق بناء مجتمع "ديمقراطي حداثي" بمسلكيات سياسوية ضيقة، تضرب في الصميم الحداثة والديمقراطية على حد سواء!

وأخيرا وليس آخرا ليس من نهج كاتب هذه السطور الاصطفاف المجاني وراء هيئة سياسية أو أيديولوجية معينة، ولا من دأبه التشهير أو السعي نحو تصفية حسابات خدمة مصالح وأهداف بالوكالة، لكنه يدافع وسيظل يدافع عن الديمقراطية بمعناها النبيل. إن قوة حزب العدالة والتنمية التي تأكدت مرة أخرى للمشتغلين في الحقل السياسي الوطني والإقليمي، تعود بالدرجة الأولى إلى سياسة القرب التي ينهجها القادة والمناضلون، والديمقراطية الداخلية التي تعتبر العملة الرائجة في مختلف مؤسسات الحزب ومكوناته، والإنصات إلى نبض الشارع واحترام مرجعيات وثوابت الأمة المغربية الدينية والترابية والسياسية. كما يعود تربع هذا الحزب على عرش الزعامة إلى ضعف الخصوم وتكلس خلفياتهم ومنطلقاتهم النظرية المتقادمة ومنتهية الصلاحية، وترهل زعاماتهم وتمسكم بكراسي "المسؤولية"، وعدم استعدادهم للانفتاح على الطاقات الشابة القادرة على الإبداع والابتكار والتجديد.. واقتصارهم على الحضور الإعلامي واللقاءات التلفزيونية عديمة الجدوى والأثر، والنظر إلى آلام المواطنين وعذاباتهم من الأبراج الشاهقة. بيد أن الشعب المغربي لم يوقع شيكا على بياض لأي كان، بل إن تصويته الجديد على الحزب الذي يقود الحكومة الحالية هو تشريف وتكليف في الآن عينه. فهل فهم الرسالة الملغومة، ويرد التحية بأحسن منها، ويدخل إلى مرحلة السرعة النهائية لإنجاز ما ينتظره المغاربة من عدالة وتنمية؟!

الصادق بنعلال

باحث في قضايا الفكر والسياسة

Sadik.benallal@live.fr