الشعب السوري ينتصر لكمال جنبلاط ويثأر من القتلة

من يقرأ كمال جنبلاط، يمكنه تصور مسقبل لبنان السياسي. ولا نغالي إن قلنا أنه يمكن أن يعي اسباب هذا التردّي ومخاطر المرحلة التي يمر به العالم العربي بل والعالم بشكل عام.. ليس نبؤة ولا رؤى، انما قراءة منطقية وجدلية، كان يجيدها كمال جنبلاط، لمجريات الأمور السياسية والحياتية والإقتصادية والإجتماعية..

كان يرى ان لا أحزاب سياسية من دون نخبة من رجالات السياسة وأهل العلم والفكر والشرط الأساسي ان تكون هذه النخبة من أهل النزاهة والصدق والأخلاق.

عندما أطلق الحزب التقدمي الاشتراكي في الأول من أيار 1949، مع نخبة من رجالات العلم والفكر، ومن كل فئات المجتمع اللبناني المثقفة، انما كان يريد توجيه رسالة، لكل أهل السياسة في لبنان، عن رؤيته للطقم السياسي، باعتبار ان السياسة والأخلاق مترابطان، وليس صحيحا ان السياسة كذب وتدجيل ونفاق وسمسرة.. "السياسة يفترض فيها أن تكون أشرف الآداب إطلاقًا".. فلا سياسة سليمة من دون أخلاق ومن دون مناقبية.

فالرجل السياسي الحقيقي، بمفهوم كمال جنبلاط، هو رجل الدولة وصاحب المبادىء الذي يبني مواقفه انطلاقا من مبادئه وأيضا من محيطه ومجتمعه.. وواجب الرجل السياسي تربية الجماهير وقيادتها نحو الأفضل..

لكنه كان يرى ان لا قيمة للأخلاق والمناقبية والمبادىء، من دون الحريات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والثلاثة على تلازم كامل. حيث لا حرية سياسية من دون التأمينات والضمانات الإجتماعية ومعالجة البطالة وتأمين السكن وفرص العلم والعمل، ولذلك كان يرى كمال جنبلاط: "الحرية جهاد، وهي الجهاد الأكبر في حياتنا.. واننا نخشى ان يعتاد المواطنون على الحرمان من الحرية وان ينتهوا الى استساغة هذا النقص، كما هي الحال في الشيوعية"..

وكان يحذّر دوما من الخطاب "الشعبوي" السائد والدارج والطاغي في أيامنا هذه، فالأكثر "شعبوية" هو الأكثر جماهرية ولو الى حين، فالخطاب الشعبوي المقرون بالطائفي ليس أكثر من "زوبعة في فنجان" فسرعان ما تزول.. ولذلك كان يقول: "لكن المهم، والذي يستحق توجيه كلّ العناية، هو إثارة الناس في أعماقهم، لا تحريك سطحياتهم، لأن ثورة الأعماق تبقى، أمّا ثورة السطح فتذهب بها الزوابع".

ويضيف كمال جنبلاط: "يكاد لبنان في هذه المرحلة يكون اتحادا فيدراليا لطوائفه اكثر منه دولة في المعنى السليم والصحيح". وهذا كلام قاله في ندوة سياسية في العام 1958 أي قبل خمسة وخمسين سنة.. فما أشبه اليوم بالأمس.

وربما كان يرى، مدى خطورة الإنقسام الطائفي على الوحدة الوطنية وعلى الحياة السياسية في لبنان، وان لم يكن يتوقع كل هذا الإصطفاف المذهبي الحاد القائم اليوم، والذي قد يأخذ لبنان الى حرب أهلية جديدة، أخطر من الحرب الأهلية التي غرق فيها لبنان لأكثر من خمسة عشرة سنة وكلفت حوالي مائتي ألف قتيل عدا الجرحى والدمار والخراب الذي لحق بلبنان. وكان يقول المعلم: "إن القيادة الجديدة القادرة على بناء استقلال لبنان الحقيقي ليست قيادة إسلامية ولا هي قيادة مسيحية. إنها قيادة وطنية لبنانية، علاقتها هي بشعب لبنان الواحد، وبلبنان الشعب الواحد".

ثم، لماذا ينزعج بعض اللبنانيون، عندما تعصف رياح التغيير والحرية في الدول العربية، والتي ستعصف في كل دول العالم، فلا حياة من دون حرية وسقوط "السجن الكبير" حتمي في كل الدولة الديكتاتورية والمخابراتية، ولا عودة الى المضي فقد سقط جدار برلين ولا جدارا يمكن أن يمنع وصول رياح الحرية والديمقراطية. كمال جنبلاط رأى سقوط جدار الخوف قبل ثلاث سنوات من استشهاده، وفي كتابه: "لبنان وحرب التسوية" يقول: "هذه الأنظمة الكلية الشيوعية بدأت تعصف فيها رياح الحرية، والتي ستتحول الى ديمقراطيات سياسية ذات نظام حريات وشورى في المناهج والأحزاب قبل سنة 1985 في تصورنا.."..

ويقول ايضا في كتاب "هذه وصيتي": "ان الشيوعية الماركسية بصدد التغيير تغيرا بطيئا لكنه ثابت وأكيد، والطفرة الفجائية النهائية قريبة، وسينتهي الأمر بالحرية الى الغلبة، تحملها ايدي الشريحة الجديدة الواسعة من انتيليجنسيا العلماء والفنانين والمثقفين على مختلف الأصعدة ثم يتبعها المواطنون انفسهم"..

نعم، غابت رجالات الدولة عن لبنان، وتركوه لأقداره، في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية، وعدنا لنسمع كلاما يراد به باطل، ان بعض مشاكلنا اليوم ما كانت لتحدث لو أن الوصاية السورية لا زالت موجودة في لبنان! فهل هذ الكلام هو استدعاء جديد للأحلاف "المتجددة" باستدراج وصايات من دول أخرى ومن نوع آخر؟ كون الوصي القديم مشغول اليوم بقتل شعبه!

ويقول في مكان آخر: "ان من يسبق التاريخ بافكاره، يتوقع ان تكون المقصلة بانتظاره في بعض الاحيان". وربما اغتيل كما جنبلاط لأنه كان يحلم بالحرية والديمقراطية وهي على ما يبدو أحلاما قاتلة في لبنان وفي العالم العربي.

ولكن الحريات تستحق منا النضال والجهاد والتضحيات، حيث انه لا حياة سياسية حقيقية من دون حريات سياسية ونظام ديمقراطي، وعلينا بالنهاية الإختيار بين السجن الكبير وبين الحرية والديمقراطية.. قد يتأخر الوصول الى هذا الحلم، لكنه آت لا محالة.

ولذلك يجب العودة الى قراءة كمال جنبلاط من جديد، خاصة من الرفاق الحزبيين، والمناصرين والمؤيدين ومن كل الأصدقاء، والعمل على إبراز النخبة السياسية. والحزب التقدمي الإشتراكي أراده كمال جنبلاط "حزب النخبة" فلا أحزاب سياسية ولا حياة سياسية من دون النخبة.. خاصة اليوم، حيث غابت النخبة عن أكثر الأحزاب السياسية في لبنان.. ولذلك فإننا أكثر ما نفتقد اليوم في الحياة السياسية اللبنانية رجالات.. ولا دولة من دون رجالات.

حتى رجالات الدولة كانوا أيام كمال جنبلاط قلة ولذلك كان يقول: مسكين لبنان، هل يظل يحكمه هؤلاء الناس!".. ولكن ماذا كان ليقول اليوم أمام هذا المشهد السياسي الساقط والهابط في الوسط السياسي؟

ومع غياب رجالات الدولة، غاب للأسف العقل والعقّال، وما كان يجري قبل فترة تحت الطاولة، من انزلاق اللبنانيين، من كل "الأفرقاء" في المحنة السورية أصبح الكلام عن التدخل في سوريا، مباحا، والكل صار حريصا على الدفاع عن أبناء جلدته وعن حقوقهم، والحرص هذا بات يخفي استدعاء للحرب الأهلية في لبنان.. واستدعاء لأن ينصر كل مذهب ابناءه في سوريا ويدافع عن حقوقهم المسلوبة.. وهذ يعني ان تهب كل مجموعة مذهبية بل كل عشيرة وعائلة في لبنان، لنجدة اخوانهم في سوريا، والجميع يعرف انه ربما، لا توجد عائلة أو عشيرة في لبنان الا ولها امتداد قرابة في سوريا.. فهل المطلوب أن تنتصر كل العائلات اللبنانية لامتداد عائلاتها في سوريا؟

وهل يمكن إدراج ما يحدث في القصير وحمص في غير هذا الإطار، لينصحنا نوري المالكي من العراق ويطمئننا الى الحرب الأهلية الزاحفة الى لبنان، وقد تكون وقود هذه الحرب قادمة من بلاد ما بين النهرين وقد أصبح المالكي أهم رموزها وأبطالها في العراق.

وما معنى أن يلاقيه السيد حسن نصرالله من لبنان، ليقول أنه يجاهد في القصير وجواره، عن أبناء طائفته من اللبنانيين المقيمين في سوريا.. وهل هو بحاجة الى لوائح اسمية بالعائلات والأفراد اللبنانيين المقيمين في سوريا، من الأرتوذكس والكاثوليك والموارنة والدروز وغيرهم، وهم ايضا يحملون الهوية اللبنانية. فما رأيه أن يقتدي اللبنانيون كل اللبنانيين به ويهبوا لـ"الجهاد" دفاعا عن نصفهم الآخر المقيم في سوريا؟

وأخيرا، وفي ذكرى استشهادك السادسة والثلاثين، نقول لك: ان جثة قاتليك (النظام السوري وحزبه) مرّت من أمامنا بعد أربعة وثلاثين عاما على استشهادك وفي التاريخ واليوم ذاته، يوم الأربعاء في 16 آذار 2011، عندما انتفض الشعب السوري وثار على سجّانيه، وكأنه أراد أن يثأر لك ولآلاف ضحايا هذا النظام على مدى ربع قرن.

وانت القائل: "أنقذ الله سوريا من هذا الحكم الطاغي وأعاد للعروبة قدرتها ومنعتها وعزتها على ضفاف بردى"..

وينقل أبو موسى الأشعري عن الرسول قوله: "الله تعالى يمهل الظالم الى وقت عذابه لكنه لا يهمله" و"إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته".. ولله في خلقه شجون...