الشعب السوري رمز الصمود والمقاومة يتألم من خيانة بعض اللبنانيين

بقلم: حسان القطب

منذ العام 1975، والشعب اللبناني يعاني من ممارسات النظام السوري ووحشيته، وتدخله غير المقبول في الشأن اللبناني السياسي والأمني وحتى الاجتماعي، منذ ذلك التاريخ والشعب اللبناني والفلسطيني أيضاً على حدٍ سواء، يشعر بضغط وثقل وقسوة التدخل السوري في شأنه الداخلي ومحاولته إملاء شروطه على كل تفاهم بين أبناء البلد الواحد، أو العمل على تمزيق اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد والصف الواحد. فالشعب الفلسطيني ضحية الاحتلال الإسرائيلي، عانى من ادعاء النظام السوري أنه رمز المقاومة والمانعة، فأعطى لنفسه تحت هذه العناوين الحق في سجن الفلسطينيين وتعذيبهم وتشتيتهم واستغلالهم وضرب وحدتهم وجعلهم في مواجهة بعضهم البعض، ولكن مع الأسف مضى بعضهم مع هذا المشروع، فتناسوا تربيتهم وتاريخهم وعقيدتهم ومعاناتهم وحتى معاناة إخوانهم في سوريا، واعتبروا أن المتاجرة بالقضية الفلسطينية التي يمارسها نظام الأسد، قد تعطيهم عذراً أو مبرراً.. وانخرطوا في المشروع رافعين العناوين والشعارات عينها وهم في صميمهم يدركون زيفها وعدم مصداقية أصحابها، وكل من يسير في ركابها، متجاهلين آلاف المفقودين والمعوقين والشهداء، ومعاناة مخيمات لبنان التي حاصرها حلفاء دمشق في حركة أمل اللبنانية، على امتداد سنوات وأذاقوا سكانها مرارة الجوع والعطش والقهر والحصار والقتل والتنكيل.. تماماً كما يجري اليوم في درعا المحاصرة ودوما وحرستا وحمص وتلكلخ.. وسائر سوريا.

والشعب اللبناني الذي ما يزال يعاني إلى اليوم من تحالف بعض اللبنانيين مع نظام سوريا، لا يمكن أن ينسى أن هذا النظام قد تدخل في الحرب الأهلية اللبنانية ليزيد من اشتعالها، ومن ثم ليبرر لنفسه التدخل لإطفائها بطلب دولي وعربي، وليتحكم بمصير لبنان واللبنانيين إلى اليوم، وحتى بعد خروج جيشه من لبنان الذي لم يعرف طريق الجولان بعد، (وبالتحديد منذ عام 1973)، لقد خرج الجيش السوري وممثلي النظام السوري من لبنان ولكن أتباعه لم يرحلوا بعد، أو أنهم لم يستطيعوا العيش دونه فهم يعملون على إدخال نظام سوريا في كل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، ويعتبرون ذلك إنجازاً.. وإعلامهم يسخرونه لخدمة نظام الأسد.. فيبررون له كل ما يرتكبه من جرائم بحق الشعب السوري، كما كانوا يبررون في السابق لهذا النظام ما يرتكبه بحق الشعب اللبناني، هذا النظام والذي باسم تحرير فلسطين والوحدة العربية ومواجهة المشروع الأميركي في المنطقة سبق له قصف مدينة طرابلس مرتين كما يقصف درعا وسواها اليوم، لينجلي غبار تلك المعارك عن آلاف الشهداء والجرحى من أبناء المدينة، ومع ذلك لم تتحرر فلسطين ولم يسقط المشروع الأميركي ولم يتهاوَ، بل نرى اليوم أن نظام الأسد كان يفاوض الولايات المتحدة على البقاء مقابل أن يكون جزءاً من منظومتها وقد نشرت جريدة الأخبار اللبنانية مع الإشارة لأرقام الوثائق ما مفاده: "وقد ظهرت الإيجابية السورية منذ أن قابل الأسد أوّل مسؤول أميركي رفيع المستوى في مرحلة «ربيع» العلاقات الأميركية ـــــ السورية، وهو نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركي جيفري فيلتمان. وفي اللقاء الثاني الذي جمع الأسد ومندوب الكونغرس ستيفن لينش في 5 نيسان 2009، حمّل الأسد الإدارة الأميركية مسؤولية عدم مواكبة الرغبة السورية في مكافحة مرور المقاتلين الأجانب إلى العراق عبر الأراضي السورية، مشيراً إلى أن المقاتلين (الإسلاميين) الأجانب نقلوا مقرهم من سوريا إلى لبنان «حيث تسود الفوضى»،. وعن التعاون الأميركي الحديث مع سوريا، تذمّر الأسد من أن هذا الانفتاح الأميركي لا يزال مقتصراً على لقاء واحد (مع فيلتمان) «ونحن بحاجة إلى المزيد». أما عن «خلايا القاعدة النائمة في سوريا»، فقد رأى الأسد أنّ الاستقرار السياسي في العراق هو العامل الأهمّ في وقف تدفّق الإرهابيين، أكثر من أي تشديد للرقابة على الحدود، «ونحن يمكننا المساعدة في هذه النقطة»".

الأسد يعرض المساعدة على الإدارة الأميركية ومع ذلك لم نسمع اعتراضاً واحداً أو تعليقاً أو حتى إنكاراً واستنكاراً لهذا العرض السخي من بشار الأسد ممن يستنكرون على سواه مجرد اللقاء مع مسؤول أميركي دون تقديم عروض سخية مماثلة، واللقاء الوحيد مع مبعوث الإدارة الأميركية فيلتمان غير كافٍ، في حين إن إعلام حزب الله المتحالف مع نظام الأسد، دأب على تسمية الحكومة التي كان يرأسها الرئيس السنيورة بحكومة فيلتمان، فهل أصبح نظام الأسد نظام فيلتمان، وهل اللقاء مع فيلتمان في سوريا هو لصالح القضية الفلسطينية ولتعزيز التعاون بين قوى الممانعة والمقاومة، وأي لقاء معه في لبنان هو خيانة وانعدام للروح الوطنية.. وهذا الحدث يذكرنا بما جرى منذ أسابيع قليلة في مدينة صيدا اللبنانية، حين استدعي بعض الشباب لرشق موكب السفارة الأميركية بالحجارة احتجاجا على زيارة قام بها لبعض المسؤولين الأمنيين في المدينة، واللافت في الأمر أن هذا الوفد كان في زيارة للجنوب حيث يتواجد حزب الله وحركة أمل بكثافة، ولم يتم التصدي لهم على الإطلاق في تلك المنطقة، وكأن المطلوب هو تهيئة أجواء معادية في مناطق معينة.. وتضيف الوثيقة: "وكشف الأسد لضيفه الأميركي أن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي أبلغه أنّ المقاتلين الأجانب ينتقلون من العراق إلى شمال لبنان «لأن الفوضى هي السائدة في لبنان حالياً (في 2009)، وهي بيئة خصبة لنموّ الإرهاب»"... هذا الكلام الخطير هو برسم حلفاء نظام الأسد في لبنان وبالتحديد في شمال لبنان، أين هو الإرهاب الذي يتحدث عنه بشار؟ ومن الذي يرعاه ومن الذي يرسل الأسلحة إلى الشمال اللبناني، ومن يصدر البطاقات العسكرية ويؤمن الدعم المالي واللوجستي لهذه المجموعات؟ البيئة الخصبة للإرهاب هي تلك التي يرعاها من يمنع القوى الأمنية من ممارسة دورها وتطبيق القانون حيث يمنع من التطبيق في مربعات ومجمعات ومناطق معينة تحت اسم المقاومة والممانعة، وبحجة مواجهة مشروع الولايات المتحدة في لبنان والمنطقة؟

هذا الكلام هو برسم حلفاء نظام الأسد والمدافعين عنه حيث تتحدث الوثيقة عن وضع المملوك والمقداد 3 شروط سورية لأي تعاون أمني استخباري مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب:

1ــ إعطاء القيادة لسوريا في أي حملة أو جهد إقليمي أمني أو استخباري نظراً إلى خبرتها العملية العميقة التي يبلغ عمرها 30 عاماً في اختراق الشبكات الإرهابية وتدميرها، وثروة المعلومات التي تملكها في هذا المجال.

2ــ أن يكون الملف السياسي جزءاً أساسياً من مكافحة الإرهاب، وأن تسهّل «مظلة سياسية» للعلاقات الثنائية الأميركية ـــــ السورية، التعاون بشأن مكافحة الإرهاب.

3ــ بهدف إقناع الشعب السوري بأن هذا التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة مفيد له، يجب حصول تقدم في القضايا المتعلقة بالعقوبات الأميركية الاقتصادية على سوريا، بما فيها إلغاء الحظر على استيراد قطع غيار الطائرات وطائرة خاصة للرئيس الأسد. باختصار، وعلى حد تعبير المقداد، فإن الرئيس الأسد يريد التعاون في مكافحة الإرهاب: «عليكم إعطاؤنا قيادة المعركة، ولا تضعوا سوريا على لوائح العقوبات الأميركية».

الشعب السوري عانى من هذا النظام المتوارث طوال 40 عاماً، واليوم مشهد الدم الذي يسيل مدراراً في شوارع دمشق ودرعا وحمص وسائر مناطق سوريا على يد جلاوزة النظام لا يبرره سوى الرغبة في السلطة والتسلط وممارسة القهر والعنف بحق شعب مسالم اعزل مظلوم، يتهم اليوم بالسلفية والارتباط بتنظيم الإخوان المسلمين لتبرير البطش والتنكيل به، لأن الحالة الإسلامية حالة تثير قلق الغرب وإسرائيل على حدٍ سواء، وما ورد من اتهام الأسد للإسلاميين أمام الأميركيين من اتخاذهم شمال لبنان ملجأً، يعطينا صورةً واضحة عن استغلال هذا النظام لبعض المجموعات والميليشيات في لبنان بتسليحها وإعطائها الرعاية السياسية والغطاء الأمني تحت اسم المقاومة للمساومة عليها حين يحين موعد قطافها بالتعاون مع الأميركيين، أو لاستعمالها في الدفاع عن نظام الأسد في سوريا سياسياً وإعلامياً في ساعاته الحرجة كما يجري اليوم، والبعض يقول أن هناك تورطاً من قبل فريق لبناني مسلح في العمل على حماية نظام بشار الأسد من السقوط..

لطالما كان الشعب السوري نصير قضايا هذه الأمة وفي طليعة المدافعين عن همومها ومشاكلها، وأولها قضية فلسطين، ولكن تواطؤ بعض القوى الفلسطينية واللبنانية في الدفاع عن نظام سوريا وتجاهل ما يرتكبه بحق هذا الشعب الصامد والأبي، يثير القلق ويطرح التساؤل حول جدية هذه القوى فيما تطرحه من شعارات عن المقاومة والوحدة والتحرير والحرية، وخيانة بعض اللبنانيين والفلسطينيين لطموحات وتطلعات الشعب السوري لن تثنيه عن متابعة نضاله وسعيه لتحقيق حريته والخروج من نظام العائلة الديكتاتورية، إلى رحاب الديمقراطية وإنجاز العدالة المفقودة منذ عقود.. فهذه القوى لطالما خانت شعبها وجمهورها..وأخر ما ترتكبه بحق الشعب اللبناني هو تأخير تشكيل حكومة لبنانية وإبقاء لبنان في حالة فراغ دستوري..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com