الشركاء الأذلاء

بقلم: طلال بركات

ظهرت في ظل الاحتلال تسميات غريبة تطلق على أطياف من الشعب العراقي ولم تكن تلك التسميات عفوية وإنما من ورائها مقاصد طائفية وأثنية وعرقية مثل مقولة السنة العرب كأن الشيعة ليسوا بعرب وكأن السنة أقلية لا يشكل عددهم إلا نسبة ضئيلة من السكان.
إن الغاية الأساسية من وراء مقاصد تقزيم السنة وتصنيفهم بالأقلية هي مسخ لعروبة العراق وإنكار دورهم المتميز في خدمة العراق والعروبة والإسلام.
ومعروف من هم وراء تلك المقاصد التي تم تثبيتها في قانون إدارة الدولة المزعوم. اذ بدت العملية السياسية في العراق بعد مضي سنتين من الاحتلال واضحة المعالم من خلال الممارسات التي أسقطت القناع عن الوجه الأمريكي بعد سقوط حجة أسلحة لدمار الشامل ثم حجة الحرية والديمقراطية التي طبقت على ارض الواقع بنهب المتاحف وتدمير المدن واجتياح النجف والفلوجة وقصف مرقد الإمام علي والقتل الجماعي لأبناء الشعب العراقي، واعتقال عشرات الآلاف، وتعذيب السجناء بطريقة مهينة، وقتل الجرحى واستفحال الطائفية والعرقية والمناطقية، والارتهان للأجنبي بلا حياء، وبعد أن بات واضحا لدى الشعب العراقي إن المشروع الأمريكي في العراق هو جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يرمي إلى الاستحواذ على النفط والثروات العربية في المنطقة وتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى، فقامت الإدارة الأمريكية منذ البداية بتقنين الاحتلال بمعايير دولية ومن ثم تشكيل مؤسسات الدولة العراقية وفق شروط ذلك المشروع ومن الأشخاص المحسوبين على المخابرات الأمريكية والمستنسخين في كل مرحلة ممن ضللوا الشعب العراقي وخدعوه، وكذبوا عليه، وحولوا البلاد إلي فسيفساء طائفية عرقية متناحرة ابتداء من أعضاء مجلس الحكم وسيده الحاكم المدني الأمريكي بريمر، إلى ما يسمى بنقل السيادة للحكومة المؤقتة برئاسة السفير الأمريكي نغروبونتي، إلى الانتخابات المقتصرة على السائرين خلف المشروع الأمريكي بعد مقاطعة القوى المناهضة للاحتلال لها، ومن ثم تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات والتي باتت تسمى بالحكومة المنتخبة ومائة وستون ألف جندي أمريكي على ارض العراق.
هذه اللوحة التي رسمتها الإدارة الأمريكية بريشة الصاروخ والدبابة بعد أن قسمت المجتمع العراقي بألوان الطيف وفق المحاصصات الطائفية والاثنية والعرقية وفي نفس الوقت قامت بوضع أسس تشكيل مؤسسات الدولة وفق نفس المعايير فضلا عن تأطيرها ببعد قانوني من خلال أجراء انتخابات الجمعية الوطنية لكي تصبح الممثل الشرعي للشعب العراقي بالرغم من عدم مشاركة نصف سكان العراق لتلك الانتخابات، وعند بحث تشكيل الحكومة تقاس النسب على أساس مقاعد الجمعية الوطنية دون الأخذ بنظر الاعتبار الحجم الحقيقي للجهات المقاطعة لتلك الانتخابات. ومن هنا يأتي الحديث عن دور السنة حينما يؤكد البعض برياء على إن العملية السياسية لا يمكن أن يكتب لها النجاح مالم يشارك فيها جميع الأطياف خصوصا بعد أن تم الاستحواذ على الكعكة بكاملها والمقصود بجميع الأطياف هنا هو التباكي على أهل السنة والمطالبة بمنحهم ستة مقاعد كمكرمة أو هبة لغرض احتواء هذه الطائفة تحت عباءة الراكبين على الحصان الأمريكي وذلك من خلال حشر شخصيات لا تحمل من هذه الطائفة سوى العنوان بعد أن نامت في أحضان الاحتلال ورضعت من مكرماته. وهناك شخصيات خرجت من الموقد بدون حمص كما يقول المثل العراقي بعد انخراط اللعبة الانتخابية فلم تجد لنفسها من سبيل تحتمي في ظله حتى بدت تزايد باسم أهل السنة من اجل الحصول على منصب أو جاه أو راتب ضخم، وهناك محاولة لإقناع شخصيات أخرى ومساومتها من اجل الدخول في لعبة المحاصصة الطائفية وقبول شروط مذلة تضع مقدرات هذه الطائفة تحت رحمة السائرين خلف المشروع الأمريكي.
من هنا لابد من وضع النقاط على الحروف ومناقشة ملابسات ظروف هذا الموضوع بإمعان من اجل الوصول إلى حقائق ثابتة لا تقبل المزايدة والتلاعب بحقوق الآخرين وأولها يجب الاعتراف بحقيقة أساسية يكمن من وراءها ضعف صوت أهل السنة بالرغم من ثقلهم السكاني داخل المجتمع العراقي وهي تشتت أبناء هذه الطائفة في تجمعات حزبية سياسية أو دينية فضلا عن إن تلك الأحزاب غير متحدة وغير مؤهلة لاستقطاب الجماهير والسبب في ذلك يعود إلى عدم طرح مشروع سياسي متكامل يستقطب كل الأطياف بل إن اغلب تلك الأحزاب والتجمعات السياسية والدينية المحسوبة على الطائفة السنية تتعامل مع الحدث اليومي دون الأخذ بنظر الاعتبار الثوابت والأهداف الوطنية التي لا يمكن الانحياز عنها.
وهذا بات واضحا في اكبر حزب سياسي ديني محسوب على السنة كالحزب الإسلامي الذي اتخذ مواقف متذبذبة أضعفت مكانته في الوسط السني من جهة وفي الوسط السياسي على الساحة العراقية من جهة أخرى كالمشاركة في المشروع الأمريكي والدخول في مجلس الحكم ومن ثم الانسحاب من الحكومة المؤقتة وفضيحة عدم انصياع ممثل الحزب لقرار الانسحاب من الحكومة بسبب حلاوة المنصب، ومن ثم قرار عدم المشاركة في الانتخاب وبعدها إعلان الندم على ذلك. هذا التخبط يدل على ضعف في القيادة وخلل في الاستراتيجية والتخطيط الذي تجلى واضحا من خلال قيام احد القياديين في ذلك الحزب والمنوه عنه آنفا بالانضمام إلى لائحة الائتلاف من اجل الحصول على المكافئة والفوز برئاسة الجمعية الوطنية تحت شعار تمثيل السنة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود شخصيات تتاجر باسم السنة وليس هم إلا طلاب مناصب وجاه وطلاب مصالح شخصية ورواتب مغرية. وهناك شخصيات أخرى رفضت منذ البداية المحاصصة الطائفية ورفضت المشاركة في المشروع الأمريكي. فماذا تغير حتى باتت تلك الشخصيات تطالب الانحشار في ذلك المشروع والسعي من اجل الدخول في لعبة المحاصصة الطائفية والمطالبة بسبع وزارات ومنصب نائب رئيس الوزراء وكأن الفوز بذلك سينهي الاحتلال أو إن تلك المشاركة ستجعل القرار السياسي العراقي قرار وطني يجرد السفير الأمريكي من صلاحياته ويحول المائة وستون ألف جندي أمريكي حماة للمقاومة الوطنية التي لولاها لما بات لهؤلاء من شأن، وعندما يتعلق الأمر بقضايا مصيرية لا احد يستطيع أن يتحدث بأسم أهل السنة مالم يثبت بجدارة أنه أهلا لذلك ويكون قد حصل على تفويض شرعي وقانوني يؤهله التحدث والتفاوض بأسمهم في مختلف الأصعدة.
الذي رفض المشروع الأمريكي يفترض أن لا يشرفه المشاركة في مؤسساته خصوصا وان الإجماع على الرفض يعني بمثابة حجر أساس صلب لتوحدهم ووحدتهم التي من خلالها تجعل منهم قوة قادرة على تبديد العملية السياسية النابعة من سلطات الاحتلال والقائمة على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية والمرفوضة من قبل المشروع الوطني والحضاري الذي يتطلع له أبناء الشعب العراقي بكل اطيافه الوطنية. فالمطلوب أولا أن يعي الجميع إلى الخطر القادم والانتباه إلى دسائس التنظيمات الشعوبية الصفوية التي مغزاها الالتفاف على أهل السنة وإغرائهم بمناصب هزيلة ليكونوا في خندق الطائفية من اجل شق صفوفهم أكثر من ما هم عليه ألان، وأن يحذروا الفخاخ التي تنصب ويتفادوا السقوط في كمائن الوزارات والمناصب. لان من اولويات الواجب الوطني هو إنهاء الاحتلال ومن ثم إقامة انتخابات حرة ونزيهة بعيدة عن المحاصصات الطائفية والعرقية تشارك فيها جميع الأطياف السياسية لكي يتمخض عنها الدستور الدائم، وليس القبول كشركاء أذلاء من اجل إملاء فراغات تجمل العملية السياسية لصالح قوائم استحوذت على أغلب مقاعد الجمعية الوطنية التي يزمع اعتبارها ممثل شرعي للشعب العراقي، بل أن المطلوب هو الانتماء إلى مؤسسة الشعب ودعم المقاومة الوطنية الشريفة وان يترفعوا عن الصغائر ويتحملوا مسؤولياتهم التاريخية لإنهاء الاحتلال والعمل علي جدولة انسحاب القوات المحتلة والعمل على إطلاق سراح عشرات الألوف من المعتقلين وإعلاء صوت المقاومة العراقية الوطنية كحق مشروع للدفاع عن الوطن من خلال طرح مشروع وطني يمزق ورقة المحاصصة الطائفية ويستقطب كل الأطياف الوطنية الخيرة من شيعة وسنة وأكراد وغيرهم. طلال بركات، كاتب عراقي Talal_barakat1@hotmail.com