الشرق الاوسط وخيار شارون: السلام المستحيل والحرب الممكنة

بقلم: بلال شرارة

يؤكد الاجتياح الاسرائيلي الاخير للمناطق الفلسطينية، وما رافقه من تهديدات للبنان وسوريا، ان المجتمع الاسرائيلي قد حسم الصراع داخله، في النظرة الى الصراع مع العرب بإعتباره الحقبة الأخيرة والحاسمة من معركة "اسرائيل" الدائمة لقهر "قوى الشر"؟
وهذا الاجتياح وهذه التهديدات، تؤكد بصورة قاطعة، ان المجتمع الاسرائيلي، ليس فقط غير ملائم، او غير مهيأ للتسوية او ليس مستعداً لدفع ثمن التسوية والمراهنة على العائد المتوقع منها وانما ان هذا المجتمع لا يريد المضي قدماً في طريق التسوية بل يريد التراجع، عن كل ما تحقق على مساراتها المختلفة، مستغلاً اللحظة التاريخية الأميركية المناسبة، التي حددت من خلالها الادارة الاميركية ما سمي بـ"محور الشر". وايضاً التي اختارت فيها، الادارة نفسها، قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وأدرجتها على لائحة المنظمات الارهابية، مستغلاً تلك اللحظة، للإنقضاض على الفلسطينيين بكل أدوات الحرب، ومعلناً ان هذه الحرب ستتسع تحقيقاً لـ"عملية الخلاص" بدل "عملية التسوية".
من نافل القول، ان المجتمع الاسرائيلي، الذي اختار ارائيل شارون كرئيس للوزراء او كنبي جديد لإسرائيل قد لفظ بصورة مطلقة فكرة التسوية. واعتبر ذلك المجتمع في قيادته السياسية والايديولوجية، ان هؤلاء الاسرائيليين، الذين مضوا قدماً في خيارات السلام المبني على التسوية، قد ارتكبوا حماقة في التفكير في ان الصراع، ليس سوى صراع عادي في شأن الحدود والحقوق السياسية. وان (الحقيقة) من وجهة نظر اليمين السائد في اسرائيل اليوم، هي ان سلام الحمقى، الذي تم اغتياله كمنهج عبر قتل رابين، لا يوهن اسرائيل ويعرضها للخطر فحسب، بل يناقض المقتضيات، التي قضاها الله على الشعب اليهودي بأن يرث الأرض. وهذا بدوره، يؤخر عملية الخلاص، لا خلاص اسرائيل وحدها، بل خلاص العالم بأسره.
في كل الحالات، فإن البقية الباقية من (الحمقى) من وجهة نظر الاصولية اليهودية السائدة اليوم. والمقصود (شمعون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي وبنيامين بن أليعازر وزير الدفاع، كممثلين عن حزب العمل)، فإنهما تراجعا الى الحد الأقصى، امام إندفاع اليمين الاسرائيلي، الذي أطاح سياسياً، وبشكل شبه كلي. بحزب العمل، وشطب دوره المستقبلي في حياة إسرائيل.. اقله، على المدى المنظور.
كما ان اليمين الاسرائيلي، ومن اجل تكريس انتصاره. وفي غمرة الاجتياح الاسرائيلي الاخير للضفة الغربية، تمكن من تعزيز حضوره بصورة قوية، في حكومة شارون. ما يعني ان امكانية تظافر اية جهود بين القوى المتضررة من وجود ارائيل شارون على رأس موقع القرار السياسي في ]إسرائيل[ سوف لا تنفع في اسقاط حكومته، وان سياسته المغامرة وحدها، هي التي ستحكم "اسرائيل" وحتى إشعار آخر.

إجتياح الضفة عملية أمنية ام أيديولوجية؟
في كرّاسة جرى توزيعها على العرب الفلسطينيين في أريحا، قبل اسبوع من قيام حركة "غوش إيمونيم "الاستيطانية العنصرية، بمسيرة ضخمة في تلك المدينة عام 1987 جاء:
"... فانظروا كيف جاءكم الاستيطان وجيرانكم اليهود, بسعة الرزق، والمنازل، وأجهزة التلفزة، والسيارات، وبمستوى معيشة لم تكونوا لتحلموا به انتم ولا اسلافكم.. عندما نستوطن في أريحا فسوف تنعمون بالوفرة والبركات.
"ان سكن اليهود في مدينتكم خير ضمانة بأنكم وأولادكم ستستمرون في العيش في هذا البلد. ولكن ان نفذت نصيحة نصحاء السوء ـ "منظمة تحريركم" وحركتنا "السلام الآن" ـ وانسحبت اسرائيل من الضفة الغربية، تعلمون ان متطرفيكم سيستولون على السلطة بعد سنوات قليلة، ويفرضون حرباً جديدة على هذا البلد. فهل تخالون ان الجيش الاسرائيلي، الذي سيكون عليه احتلال نابلس وحبرون (الخليل) وأريحا مرة ثانية، ويهرق الدماء من اجلها ثانية ـ هل تخالون انه، سيترك عربياً واحداً في الضفة الغربية".
ان هذا السياق، يؤكد ان الاسرائيليين كانوا قد درسوا مسبقاً، وحتى قبل سلوك الفلسطينيين خيار (أوسلو)، اعادة احتلال الضفة الغربية. وكذلك دفع الامور في إتجاه عملية ترحيل (ترانسفير) للفلسطينيين منها، وكذلك من كل الارض الفلسطينية الا ان الوقائع الدولية والشرق اوسطية وأولويات تأجيج الحرب العراقية ـ الايرانية، ومن ثم توفير المناخات لحرب الخليج الثانية تمهيداً لتحطيم الجيش العراقي بإعتباره بات يشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، وكذلك مواقف الأحزاب الاسرائيلية، من عملية السلام ومن السلام كضرورة اسرائيلية ام لا، هو الامر الذي رتب الأولويات الاسرائيلية منذ تلك الفترة حتى اليوم. في وقت كان يجري تحذير تربية الأجيال الاسرائيلية الجديدة والمستوطنين الجدد، على تعميق رابطتهم الحميمة بأرض اسرائيل واثارة الهواجس والمخاوف، من ان تقديم أية تنازلات اقليمية، وتفكيك المستعمرات مقابل السلام، تعادل تمزيق الجسد.
طيلة سنوات، كان يجري داخل المجتمع الاسرائيلي ومقابل حديث السلام والتسوية، تركيز اجابة واضحة لدى كل مستوطن، بغض النظر عن انتمائه السياسي على مسألة الانسحاب من الضفة والقطاع مفادها:
"ان الانسحاب من يهودا والسامرة يندرج تحت قاعدة (يهّارغ فآل يعفور) القاضية بأن يجود اليهودي بحياته منعاً لترك المنطقة لحكم غير اليهود".
وفي الوقت الذي كان فيه العالم ينتظر فيه ان ينجب المجتمع الاسرائيلي (بطلاً) جديداً يواصل ما بدأه رابين، واعتقد ان الجميع ان ايهود باراك، يمكن ان يكون البطل المحتمل . في هذا الوقت كان المجتمع الاسرائيلي وكل من شيمون بيريز الذي تولى رئاسة الحكومة في أعقاب مقتل رابين، وباراك الذي انتخب لإتمام ما بدأه رابين سيتبعان مبدأ : خطوة الى الامام وخطوتان الى الخلف، في اغتيال امكانيات الثقة ببناء وصنع تسوية في الشرق الأوسط، خصوصاً على المسار الفلسطيني.
كما انه في الوقت الذي كان فيه المجتمع الاسرائيلي يستعيد اتحاده بـ"أرضه" ويتفق على توسيع الاستيطان والسيادة اليهودية الى أقصى ما بلغته السيادة اليهودية في الشرق الأوسط من قبل . كانت القيادة الفلسطينية تندفع عن جهل منها او عن مبالغة الى تصديق امكانية التعايش مع مشروع "اسرائيل" على ذات الأرض، رافضة تصديق مصطلح "مملكة الرماد"، الذي يستعمله الشاعر الفلسطيني محمود درويش الخبير في فهم الاسرائيليين ومشاريعهم.
كما ان القيادة الفلسطينية اصرت على تجاهل تحذيرات الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي نبهها الى ان كل نقطة في اتفاق أوسلو تحتاج الى اتفاق والذي وجه عناية الجميع الى ان اسرائيل تستدرج الفلسطينيين الى مسار خاص بهم، وهي ستضعهم في حقل رماية بالذخيرة الحية امام الجيش الاسرائيلي. وان خلاص الفلسطينيين هو بالتمسك بالحل العادل والشامل لأزمة الشرق الأوسط، وعدم الوقوع في فخ الكيانية على حساب اشقائهم لأنهم سيدفعون ثمن ذلك من دمهم.اذن، استغلت الاصولية اليهودية كل الوقت لإعادة انتاج المجتمع الاسرائيلي ليناسب "عملية الخلاص" لا عملية التسوية. وكانت تبحث عن "بطل" يقود عملية الخلاص هذه، فرأت ان ارائيل شارون يتمتع بكل المواصفات المطلوبة.
وهكذا، ومنذ اللحظة الاولى لتوليه السلطة، كان ارائيل شارون يعد لانقلاب يطيح بكل ما ترتب على اتفاقية أوسلو.
واذا كان بنيامين نتنياهو قد تمكن، خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، من تجميد العمل بالإتفاقية المذكورة .. واذا كان "العمالي" ايهودا باراك، قد تمكن من صرف الوقت على مفاوضات عقيمة في (كمب ديفيد) و (وايت بلانتاش) و (شرم الشيخ)، فإن ارائيل شارون كان وما زال مصمماً، على الانفكاك من سلوك أي طريق يؤدي الى تمكين من الفلسطينيين من تحقيق أيٍ من أمانيهم الوطنية.
مهد شارون لوصوله الى رئاسة الحكومة بالعمل على اطلاق المشاعر الدفينة للفلسطينيين واستفزازهم عبر تدنيسه لحرمة المسجد الأقصى الشريف، حيث انطلقت بالمقابل انتفاضة الأقصى.
وامام تمادي الجيش الاسرائيلي في عمليات القمع وسقوط تجربة باراك في إخماد الانتفاضة عن طريق "كسر عظام الفلسطينيين"، بدأ الجيش الاسرائيلي يتمادى في سفك الدماء مع وصول ارائيل شارون الى رئاسة الحكومة.
من المعروف ان ارائيل شارون، كان على الدوام يقف كرجل ظل خلف الكثير من السياسات الاسرائيلية، وكان "بطلاً" من وجهة نظر الاسرائيليين. وكرجل علني فإن ارائيل شارون أدار اشد السياسات الاستيطانية، وكذلك رسم خلال وجوده في حكومات سابقة، خططاً مسبقة، لمواجهة تنامي الممانعة والمقاومة الفلسطينية.
حتى انه قسم غزة الى أقسام متعددة من اجل التمهيد لأي عمل عسكري يجتاح المدينة فيما بعد. وقبل ان يأخذ راية رئاسة الحكومة من باراك، شارك في رسم الخطط العسكرية لفصل المناطق الفلسطينية وتقطيع أوصالها وحصارها تمهيداً، لدى توليه رئاسة الحكومة، لوضع الفلسطينيين امام نفس الشروط، التي عرضها يشوع بن نون على الكنعانيين قبل غزوة بلادهم، حيث خيّر الكنعانيين بين ثلاثة: الفرار او القبول بالحكم اليهودي او القتال.
بغض النظر عما يعتقده كل من اجازوا او وافقوا او اشاحوا بوجههم عن قيام شارون بإطلاق العنان لجيشه لإستباحة المناطق الفلسطينية، بدعوى انه سيقوم بما عجزت او رفضت السلطة الفلسطينية القيام به، وهو سحب السلاح من الشارع الفلسطيني وتقييد حرية المنظمات المدرجة على لائحة الإرهاب. فإن شارون وكعادته كان لديه مخططه الخاص، الذي ينسجم مع (المبادئ والقيم) التي يؤمن بها الاصوليون، الذين اختاروه كحارسٍ لاسرائيل، سيحميها وينقذها من كل مخازي الاجيال، التي اغترت بالسلام المزيف، وبمنحها الشجاعة للسلام الحقيقي (شالوم ـ إمتْ) الذي سيقوم في اسرائيل الى ابد الآبدين.
لقد دفع شارون الفلسطينيين الى أخذ الخيار الوحيد الممكن، الذي سبق ان اختاره اجدادهم الكنعانيون: القتال.
وازاء "العنف الاسرائيلي المتمادي"، حسب الوصف الدولي وبالحقيقة ارهاب "الدولة" الرسمي، الذي يستخدم كل انواع الأسلحة لم يكن امام الفلسطينيين الا سلاح رادع واحد هو: الاستشهاديون.
كان شارون يبحث عن مبررات تتيح له الاقدام على أعمال حاسمة لـ"خلق الوقائع" الضرورية من اجل:
- الاطاحة نهائياً بكل الاتفاقات التي وقعت في السابق، والقفز فوقها وانزال الاحباط المطلوب بالفلسطينيين، ودفعهم الى " ترانسفير" جديد ليس من الضفة الغربية فحسب، وانما من كل فلسطين.
- إستعادة موقع اسرائيل المعنوي كقوة اقليمية قابضة، عبر الانتقام من لبنان، ومن سوريا، اكان في لبنان اوفي سوريا.
- اعادة انتاج شعارات التسوية عبر مؤتمر دولي جديد، ينطلق من التأكيد على اولوية الأمن الاسرائيلي وعلى التطبيع الكامل معها. في مسوغات الحرب الاسرائيلية: اعتمد شارون، ويعتمد، في التخطيط لعملية اجتياح الضفة الغربية وعملياته القادمة على مساحة فلسطين، على ان الفلسطينيين سيوفرون له المبرر، عبر العمليات الاستشهادية، التي ستلقى ادانة من المجتمع الدولي بإعتبارها تطال المدنيين. امام اعتماد السلطة الفلسطينية على شعار قوتها في ضعفها وارتفاعها دائماً على حساب معاناة الشعب الفلسطيني، وعدم كسبها للوقت لتسليح شعبها لمواجهة أي استحقاق طارئ، وقيامها فقط، على تسليح عناصر اجهزتها الامنية المكلفة بحراسة ادارات ومؤسسات، هذه السلطة، لم يبق امام منظمات المقاومة الفلسطينية، حتى الموالية منها للسلطة، من سلاح رادع سوى العمليات الاستشهادية بإستثناء عملية نوعية واحدة نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بإغتيالها الوزير الاسرائيلي رحبعام زائيفي رداً على اغتيال أمينها العام ابو علي مصطفى.
استثمرت اسرائيل الى الحد الأقصى، على المقاومة الانتحارية للشعب الفلسطيني بإعتبارها عمليات قاتلة للمدنيين، ولكن لم يجرؤ أحد على توجيه السؤال لإسرائيل عما أجاز لجيشها قتل المدنيين كيفما أدار اسلحته؟ كما لم يجرؤ أحد على توجيه سؤال محدد: هل هناك مدنيون في إسرائيل؟
ان الجواب على السؤال الأول، يكمن في ان الولايات المتحدة تجعل من اسرائيل استثناء، لا تنطبق عليه القرارات ولا الاتفاقات ولا الاعلانات الدولية ولذلك فهي ستبقى تتمادى في سفك الدماء واعتماد القوة والعدوان.
اما الجواب على السؤال الثاني: فإنه وبإستثناء الرئيس السوري بشار الأسد خلال كلمة ألقاها في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في بيروت. فإن احداً من القادة السياسيين او المفكرين او الاعلاميين العرب لم ينتبه الى اسقاط الذريعة الاسرائيلية حول "الضحايا المدنيين الاسرائيليين". وعما اذا كان هناك مجتمع مدني حقيقي في اسرائيل، ام ان اسرائيل هي في واقع الامر" ثكنة عسكرية" تدار بآليات تشبه آليات النظام المدني في نمط فريد للسلطة يظهر بالشكل كديموقراطية برلمانية .فيما هو في جوهره "ثكنة" موجهة دينياً.
يقول الرئيس بشار الأسد:
"من ضمن حرب المصطلحات طرح مصطلح سمعناه اليوم في احد الخطابات من قبل احد الضيوف حول مصطلح ضرب المدنيين والأبرياء ومع كل أسف طرح سابقاً، ولكننا سقطنا في هذا الفخ عن حسن نية وبدأنا نتجادل، مسؤولون ومثقفون وصحافيون، هل هذا يجوز او لا يجوز. مصطلح ضرب المدنيين والأبرياء، هو مصطلح صحيح، لكن ليس في هذه الحالة. نحن الآن امام حالة احتلال ضرب المدنيين والأبرياء عندما يكون هناك دولتان متجاورتان وهناك عمل عسكري بينهما شيء، وعندما يكون هناك احتلال فالموضوع شيء آخر.
"ليست القضية قضية مدني وعسكري، في كل الأحوال، العسكري فيه شرف اما المحتل فهو انسان من دون شرف. المحتل لا يوصف بالمدني والعسكري. المحتل يوصف بأنه مسلح او غير مسلح. هذا بشكل عام، اما بشكل خاص في الحالة الاسرائيلية فالكل مسلح، المستوطنون مسلحون كالجيش الاسرائيلي وهم ساهموا بقتل الفلسطينيين وساهموا بالتهجير. ساهموا في كل الأمور، حتى المستوطنات مبنية من الأساس على شكل نقاط استناد عسكرية للحرب. حياتهم بنيت على الحرب والقتل. فإذن هنا نقسم كما قلت بين مسلح وغير مسلح، وفي اسرائيل الكل مسلح. بكل الأحوال المصطلح المعتمد بالنسبة لنا هو المقاومة حق مشروع ضد الاحتلال، فأي محتل هو محتل، لا نقسم مسلحا او غير مسلح، فهو محتل والمقاومة هي حق مشروع ضد الاحتلال." المدنيون في ادبيات الإسرائيلية .. هناك عسكر ولصوص يقول رفائيل إيتان احد رؤساء اركان الجيش الاسرائيلي السابقين: "يكمن أصل المسألة في مدى استعداد الجيل المقبل للقتال. ولا بد لحل من ان يبدأ الآن في رياض الأطفال. علينا ان نربي الأطفال بحيث يقدموا من تلقاء أنفسهم الرد الروحي ـ الخلقي على أعدائنا، او ان يضربوا بقبضتهم اذا ما دعت الحاجة. لكن علينا ان نبدأ بتعليمهم في رياض الأطفال. لأنه حينما يصل الفتى الى الجيش يكن
الوقت قد فات".
يصف تقرير صحافي خاص من غزة بدقة أكذوبة المدنيين في الكيان الصهيوني خلال استدعاء احتياط الجيش حيث يقول:"بدقائق معدودة يخلعون ملابسهم المدنية المختلفة ويرتدون الملابس العسكرية ويتحولون من مدنيين الى مقاتلين وتتبخر الكذبة الصهيونية، التي تحاول من خلالها التصوير للعالم ان عمليات المقاومة الفلسطينية تستهدف المدنيين".
يقول المعلق العسكري الاسرائيلي الشهير زئيف شيف في مقالة له (هآرتس، 15/11/85) بعنوان «الطاقة العسكرية المحتملة للمستوطنين» ما يلي: تشمل هذه الطاقة "الجنود" والمتعاطفين (في المستوطنات وخارجها) والاسلحة الوفيرة والمعدات والمستوطنات الكثيرة التي يسيطر عليها مستوطنون مسلحون.
ويذكر شيف بأن الجنرال رفائيل فاردي ابلغ مناحيم بيغن رئيس حكومة اسرائيل لدى تعيينه شارون وزيراً للدفاع، انه سيستقيل من منصبه، كمراقب للمؤسسة الامنية، لأنه لا يريد الخدمة تحت امرة شخص، قال لبعض جنود الجيش الاسرائيلي، الذين لجموا المستوطنين خلال قضية قدوم، ان عليهم عدم الانصياع في مثل هذه القضية لتعليمات قادتهم (كان رفائيل فاردي آنذاك منسق النشاطات في المناطق).
ويقول شيف: اعتقد ان دولة اسرائيل فقدت في الواقع السيطرة على السلاح الوفير، الذي أعطي للمستوطنين من اجل حماية أنفسهم. وهناك من يزعم ان عدد قطع الأسلحة الموجودة لدى المستوطنين معروف للجيش الاسرائيلي، بفضل تسجيل مبرمج على الحاسبة الالكترونية. ويقول ضباط آخرون، ان الجيش يعرف، في احسن الأحوال، بـ80 بالمئة من السلاح وأصحابه.
ويوضح شيف: وكلما حققت في الموضوع، اتضح لي ان هناك في الضفة فيها ازدواجية تزويد بالاسلحة، وبالتالي، فإن الأرقام غير مؤكدة، وهناك أسلحة اعطيت للمستوطنين بواسطة مؤسسة الدفاع الاقليمي، وهناك اسلحة وصلت الى ايديهم بواسطة وحداتهم في الاحتياط، وهناك اسلحة تم شراؤها او الحصول عليها بأموال خاصة.
ويشرح شيف: ان الدفاع الاقليمي في يهودا والسامره هيئة عسكرية شاذة بالمقارنة مع الدفاع الاقليمي المعروف منذ قيام الدولة ]اسرائيل[، لا سيما في مرتفعات الجولان. وقد منحها رفائيل ايتان عندما كان رئيساً للأركان (كان شارون وزيراً للدفاع)، دفعاً كبيراً وككل نظام دفاع اقليمي، كانت الغاية هي الدفاع عن المستوطنات بواسطة قطع الاسلحة المختلفة.
ويؤكد شيف ان ايتان (واساساً شارون) منح الدفاع الاقليمي في المستوطنات الاولوية العليا سواء بالنسبة الى العتاد و السلاح او بالنسبة الى وضع طاقة بشرية ذات نوعية ممتازة في صفوفه، فالكثيرون من المستوطنين، الذين كانوا يخدمون في وحدات قتالية، مثل الدروع وسلاح المظليين وغيرهما، اخرجوا من وحداتهم ونقلوا الى الدفاع الاقليمي.
ويؤكد شيف ايضاً، حقيقة أخرى جديرة بالإهتمام وهي: التدخل الفعال الواسع للمستوطنين بكل ما يقوم به الجيش الاسرائيلي في يهودا والسامره (الضفة والقطاع). ولهذه الحقيقة تعبيرات كثيرة. فرجال الدفاع الاقليمي، أي السكان المحليون، يعملون خلال خدمتهم في الاحتياط، مرافقين مسلحين عندما تجري حملات اعتقال لعرب "مشبوهين". كما ان بعض قادتهم يخدمون لضباط وقادة في الدفاع الاقليمي. وهناك قادة وحاخامون يقدمون الى الجيش الاسرائيلي مقترحات عملياتية، مثل نسف المنازل والطرد.
ويكشف شيف ان الجهاز الامني التابع للمستوطنين، مثل بنيتهم التحتية، اقيم بأموال الدولة .. وبالنسبة الى سائر الامور، فإن المستوطنين يتمولون بأموال المكلفين في اسرائيل، وبصورة غير مباشرة من المساعدات الاميركية الهائلة التي تتدفق على الدولة.
هل يكفي ما تقدم بقلم المعلق الاسرائيلي الأشهر زئيف شيف للتأكيد على انه لا يوجد في اسرائيل مسلح او غير مسلح، وانه بالحقيقة لا يوجد مدني في اسرائيل؟
اذا كان ما تقدم لا يكفي فلنأخذ المشاهد التالية لصورة حركة بعض المستوطنين:
- 21/8/1969 اقتحام المستوطن الاسرائيلي "دنيس دوهان" ساحات الحرم القدسي الشريف وتمكنه من الوصول الى المحراب وإضرام النار فيه.
- 14/8/1979 محاولة جماعة "غور شون سلمون" الاستيطانية اقتحام المسجد الاقصى.
- 13/1/1981 اقتحام افراد حركة امناء جبل الهيكل الاستيطانية الحرم القدسي الشريف.
ـ قيام المستوطن المجرم باروخ غولد شتاين عام 1994 بإرتكاب مجزرة بحق المصلين في الحرم الابراهيمي أثناء تأديتهم الصلاة مما ادى الى استشهاد (29) مصلياً.
وما يجدر ذكره ان المستوطنين يقومون بشكل يومي بقطع الطرقات والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين ويسحقونهم بالسيارات.
ويكفي ان نورد شهادة افراييم أرديني القائد السابق في مركز الشرطة الصهيونية في الخليل، التي اكد فيها ان خمسين بالمئة من المستوطنين ذوي سوابق جنائية، ليتأكد للجميع ان (المدنيين) الاسرائيليين هم في واقع الأمر "عسكريون" في إجازة. الخطوات الاسرائيلية المقبلة من الخطأ الا يتم النظر الى شارون الاّ كثور في حديقة الخراف.
ان هذا الجنرال سيواصل التحرك وصورة الحركة التي سيرسمها تعتمد على المغامرة العسكرية. على المستوى الفلسطيني بالاضافة الى قناعاته الشخصية فإن شارون بات محكوماً الى كتلة كبيرة من الاحزاب الدينية، التي تتصدر فكرة "الترانسفير" او الترحيل للفلسطينيين من ارضهم البرنامج السياسي المعلن والخفي لهم وعليه فإن شارون وتحت دواعٍ مختلفة سوف يرفض بأي صورة لقاء عرفات بل انه يعتبر ان عرفات "لاعب" انتفت الحاجة اليه.
ومن الطبيعي ان يكسب شارون الوقت لهضم ما حققه وان يواصل الضغط على الضفة بوسائل أمنية وعسكرية واقتصادية مختلفة لوضع سكان الضفة امام خيار "الترحيل".
وفي المرحلة الثانية من عملية شارون المتدحرجة فإن شارون سيستهدف قطاع غزة بأسلوب وتكتيك جوي مختلف يعتمد على طاقة نار جوية وبرية عالية.
وفي المرحلة الثالثة من العملية المتدحرجة سيكون عرب 1948 هدف شارون عبر سلسلة من اعمال الانتقام الجماعية تحت ستار سيطرة المتطرفين على جمهور العرب.
ان اسرائيل ستشترط بداية تنازل عرب 1948 عن أي مطلب بالنفوذ السياسي.
ان الجماعات الاستيطانية الاسرائيلية المختلفة تعتبر ان لحظة التعايش قد انتهت , وانه يجب الا يبقى من العرب الا صورة مستوطن يرتدي الزي العسكري وهو يقود عربيا عجوزا أعمى عبر الطريق.
ان القاعدة التي حكمت وستحكم حركة اسرائيل تجاه عرب 1948 وتجاه الفلسطينيين
بشكل عام فهي كما أوردها:
Yedidya Segal."Neither Arabic nor arabs." "Nekuda,Noq,May16,1980,pp,12-13
"ان هدف علاقات حسن الجوار بعرب اسرائيل ليس هدفاً وهمياً فحسب، بل هو يتعارض ايضاً مع معنى المشروع الاستيطاني في ارض اسرائيل. فقد جئنا الى هذه الارض لنرثها، لأنها أرضنا، لا أرض مئات الألوف من العرب يعيشون فيها كالورم المؤلم الخبيث ـ كالورم السرطاني في قلب الدولة.
"علينا ان نستوطن داخل المناطق العربية الكثيفة ونستولي على أراضيهم ونهين مشاعرهم الوطنية ... علينا الا نكف عن مضايقتهم وتذكير شعبنا بأنه إما يقيم العرب او اليهود في ارض اسرائيل ـ وأما ان يقيم فيها الشعبان كلاهما فلا". على المستوى العربي سيكون لبنان وسوريا، وسوريا في لبنان كما اشرنا هدفاً مقبلاً لصورة الحركة العسكرية والسياسية الاسرائيلية
اولا: للإنتقام من لبنان جراء الخروج المذل للجيش الاسرائيلي من لبنان.
ثانياً: لإسقاط الممانعة السورية واسقاط المطالب السورية الثابتة ببناء سلام عادل وشامل تحت مظلة القرارات الدولية.
وتعتمد اسرائيل بقيادة شارون في المرحلة الحالية على:
اولا:عجز منظمة الامم المتحدة عن المبادرة الى تثبيت المصداقية الدولية وشعور اسرائيل المتمادي انها تمثل استثناء لا تطبق عليه ولا تنطبق عليه القرارات الدولية.
ثانيا: النظر الى اوروبا على انها ذات شخصية ضعيفة واستغلال انشغال فرنسا بالانتخابات الرئاسية وخروج بريطانيا على الاجماع الاوروبي وكذلك المواقف القطرية المتباعدة بين دول الاتحاد الاوروبي في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط.
ثالثا: تثاقل روسيا عن القيام بأي دور فعال واساساً تجنب روسيا الانزلاق الى موقف متعارض مع الولايات المتحدة.
رابعا: تحييد دور الصين العملي في المبادرة الى لجم التوترات الدولية بما في ذلك القريبة من حدودها (الصين وباكستان) وحتى افغانستان التي كانت تمر بها طريق الحرير.
خامسا: إلتزام الولايات المتحدة للأهمية الحاسمة لقوة اسرائيل العسكرية في الشرق الاوسط وقدرتها على المشاركة في اعادة التنظيم السياسي للمنطقة، ودورها المركزي في محاربة ما يسمى (الإرهاب).
وفي هذا المجال لا بد من ملاحظة ان المواقف المعلنة للرئيس الاميركي ونائبه ومستشارته للأمن القومي ووزير دفاعه وكذلك حركة المبعوث الاميركي الجنرال انطوني زيني وفيما بعد جولة وزير الخارجية الاميركي الجنرال كولن باول كل ذلك اكد على وحدة المصالح الاميركية والاسرائيلية في القضايا العالمية والاقليمية. خلاص ام فوضى عارمة اذا كان ما يفعله شارون قد حطم كل امكانية للمضي قدماً في عملية التسوية استناداً الى مرجعية مدريد واستناداً الى خلاصة الاتفاقات على مختلف المسارات فإن عملية شارون المتدحرجة تدفع في هذه الحالة في سياق "عملية الخلاص".
الا ان الوقائع التي ضمنها:
- ان العرب الذين خاضوا حرب تشرين وفي الطليعة سوريا اثبتوا انهم قادرون على الفعل رغم وقوف العالم رجلٍ اميركية واحدة.
- ان لبنان وهو أصغر الأقطار العربية مساحة وسكاناً أثبت ان المقاومة تستطيع ان تشكل قوة ردع اذا استندت على الوحدة الوطنية لشعبها وعلى عمق جغرافي عربي واسلامي مستعد لدعمها.
- نهوض الشارع العربي المتصاعد الذي بدأ يتخذ خطوات عملية تتجاوز تعبيرات التظاهر الى الاستعداد للتطوع وجمع الاموال ومقاطعة البضائع الاميركية ومطالبة الانظمة العربية بقطع مختلف انواع العلاقات العربية مع اسرائيل واستخدام الاسلحة العربية ومنها النفط وسحب الاموال في المعركة.
- ان العالم لا يمكنه ان يبقى متفرجاً على الاحداث خصوصاً وانها باتت تشكل تهديداً للأمن والسلام الاقليميين والدوليين وقد بدأت دول العالم بإتخاذ اجراءات قطرية ضد اسرائيل.
- تجاوز الاحداث لموقعها الجغرافي سيؤدي للإطاحة بالأمم المتحدة وسيستدعي قيام نظام دولي جديد لا يقبل الازدواجية في تطبيق المعايير الدولية.
في كل الحالات فإن الاحداث والوقائع الجارية وما يمكن ان تؤول اليه الأوضاع أدت وستؤدي الى تحول الاحلام والرؤى (اليهودية)المختلفة الى كوابيس تقلق راحة العالم الذي يحتاج الى استقرار مبني على السلام العادل والشامل. بلال شرارة، أمين عام الشؤون الخارجية في مجلس النواب اللبناني و مستشار الرئيس