الشرق الأوسط الجديد .. حرية أم عبودية طوعية؟

بقلم: عبدالمجيد محمد
الانتفاض في وجه الطغيان

عندما كتب ايتيان دو لا بويسي مقالته المثيرة للجدل "العبودية الطوعية" حاول الكثير من الفلاسفة المعاصرين له في بدايات عصر النهضة الأوروبية تجنب النقاش الفلسفي لمثل تلك النقاط التي طرحها لا بويسي عن حتمية توجه الحاكم الى الاستبداد والظلم وحتمية توجه العامة الى القبول بحكمه أو الطواعية الكاملة لظروف حكمه.

المشهد يختلف اختلافاً جوهرياً في ظل الظروف التي نعيشها في المنطقة الملتهبة شعبياً، أي الشرق الأوسط الجديد بكل معطياته الآنية، فمحاولة لا بويسي قبل ثلاثة قرون ونيف في إظهار حتمية الحراك الاجتماعي الشعبي والسلطوي والمتجه إلى ثنائية الحاكم والعبد أثبتت الشعوب عدم صحتها بالتناسب الطردي مع الزمان وليس المكان، فالمكان الجغرافي وإن اختلف، والشعوب وإن اختلفت فهي في مرحلة ما من مراحل حراكها الاجتماعي ستفرض على هذه الحتمية، حتمية جديدة أو بطريقة أخرى استبدال الحتمية التي افترضها لا بويسي بحتمية مغايرة لما عرفت به الشعوب في الزمن الذي كتب فيه لا بويسي مقالته ذات الطابع الفرنسي والأوروبي والمتصارع مع قوى الإقطاعية الملكية ورواسبها الاجتماعية الضاربة في القدم، فقد قدمت الشعوب الأوروبية مثالاً قوياً على عدم صحة الافتراض الذي قال به لا بويسي عندما بدأت بالخروج على الطغيان والدخول في طريق التحول الديمقراطي الذي سيضمن للشعوب العيش في جو اجتماعي مغاير لما كان مفروضاً أو اعتيادياً لسنوات طوال ومراحل متعاقبة سواء من حيث تسلط الحاكم أو الكنيسة والأمر سيان، فالطغيان أو التسلط وإن اختلفت مصادره فهو معاد وطارئ على طبيعة الإنسان البدائي أو الإنسان القديم.

ونتيجة لعلاقات القوة والفعل وتمايز القدرات العقلية وما فرضته الطبيعة من شروط قاسية على ذلك الإنسان ظهرت أنواع مختلفة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أدت بالإنسان الى اللجوء الى القوي، ومع مرور حقب متلاحقة اتخذ هذا اللجوء شكل الفطرية خلال مرحلة طويلة أو فترة امتدت لعشرات القرون من الزمان، ولكن ومع تزايد حجم الطغيان والتسلط على كاهل البشرية أخذ الإنسان بالعودة الى جذوره الأساسية وهي الجذور التي ترفض الطغيان والتسل. ومع تزايد الضغوط انتزعت أوروبا حريتها من أيدي طغاتها وبدأت بالتطور الديمقراطي التدريجي الى أن وصلت الى ما هي عليه الآن.

التحول من تلك الحتمية الى الأخرى المغايرة لها أخذت وقتاً أطول في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وإن بفوارق هنا وهناك، مثل الحالة التركية والإيرانية والكويتية الى حد ما، ولكن كان الأعم والأشمل صدق تلك الحتمية التي نادى بها لا بويسي وهي مضي الشعوب الى العبودية طواعية ومضي الحاكم أبداً الى الاستبداد والتسلط.

ونتيجة لحالة الطغيان الطارئة وأساسها الاجتماعي الفج وافتقارها الى أساسيات أو بديهيات مراعاة العلاقة الإنسانية المتوازنة القائمة على الاحترام المتبادل لإمكانيات البشر وقواهم العقلية والتأقلمية فقد تعرضت في هذه المرحلة الى صيرورة التحول الأوروبي أو النموذج الأوروبي في الابتعاد عن حياة العبودية بالاعتماد الكلي على طاقات الشعوب المتسلط عليها من قبل العتاة والمعادين لطبيعة الإنسان.

وإن عدنا الى الوراء فسوف نرى المعاناة التي واجهت الأوروبيين في صراعهم ضد القوة التي سلبتهم حريتهم وكرامتهم، وربما هذه المعاناة تكون هي العامل المشترك بين الحالتين أو بين جميع الحالات التي تحاول فيها الشعوب كسر صيرورة دو لا بويسي مع اختلافات هنا وهناك تتعلق بعمق حالة الاستبداد والطغيان وفي قابلية الشعوب لتقبل مثل هذه الحالة ومراعاة الإمكانيات التي توفرت للطغاة حينذاك والآن والفارق الكبير التي ستوفره هذه الإمكانيات في حجم المعاناة المشتركة بين الظرفين.

لقد امتلكت آلة الطغيان الأوروبية الكثير من الإمكانات التي وفرت لها السبيل في قمع الكثير من المحاولات الشعبية للخروج من ظرفها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائداً نتيجة لحالة البدائية المتوسطة التي كانت تتسم بها تلك المرحلة من مراحل التاريخ الإنساني وأدوات القتل البدائية، إضافة الى أدوات الحماية المضادة لمثل تلك الأدوات، فقد كان يكفي أن يقوم المرء بالانتقال الجغرافي من مكان الى آخر حتى ينأى بنفسه من المعاناة المفروضة على إقليم جغرافي ما نتيجة لمحاولة الإقليم الانتفاض في وجه المستبد أو الطاغية وفشله في محاولته تلك، أما آلة الطغيان الحالية فهي تملك من الإمكانات ما يمنع المرء من التهرب أو النأي بنفسه عن نتائج الانتفاض على آلة الطغيان الضخمة.

وهنا يكمن الفرق بين الحالتين، في الحالة الثانية لا وجود لمحاولة ثانية فالأمر ببساطة هو أن حجم الالتفاف الدولي والإنساني العالمي حول أحقية هذه المحاولة وعزل الطغاة سياسياً واقتصادياً عن المحيط يوفر لهذه المحاولة الاستمرارية حتى إسقاط الركن الأول من حتمية دو لا بويسي، وهي ميل الحاكم الى الاستبداد أبداً، بغض النظر الى حجم المعاناة التي قد تنتج عنها والتي ستصل في النهاية الى إسقاط الركن الآخر لحتمية دو لا بويسي في ميل العامة الى العبودية الطوعية، أما الحالة الأولى فقد افتقرت الى الإمكانات المضادة الضامنة لها شروط الاستمرارية لذلك تميزت بأنها كانت محاولات إقليمية لا تتجاوز حدود المدينة المنتفضة.

الانتفاض في وجه الطغيان كان دائماً، وعلى مر التاريخ مرحلة تتحدد معها ملامح نهاية حقبة من حكم الأفراد المتسلطين إن طالت أو قصرت وفق ظروف كل حالة من حيث توافر الشروط الموضوعية والذاتية التي تمكنها من تحقيق الهدف الأساسي لها.

ولأننا نعيش على بعد أربع قرون أو أكثر عن دو لا بويسي ورفاقه الأوائل الذين حاولوا تقديم تحليل فلسفي اجتماعي لحالة الطغيان مفندين الحالة طبعاً وغير مصرحين بشرعيتها على الرغم من قسوة الطغيان الذي واجهوه، فإننا بصدد حالة مغايرة لحتمية تاريخية جديدة ومعاصرة تحدد ملامحها طبقة من اللابويسيين العمليين الذين يواجهون طغياناً بصيغة مطورة استغرقت حداثته أربعة قرون، ويسطّرون بإيمانهم بأحقية الطبيعة الإنسانية الواعية على الطبيعة الإنسانية اللاواعية والمدفونة في ثياب الطغيان أسمى فلسفات العصر الحديث، عصر الحرية وعصر الشعب.

عبدالمجيد محمد

Mecid_1@hotmail.com