الشخصية المصرية وثورة 25 يناير

بقلم: د. نهلة إبراهيم
الوجه المشرق للثورة المصرية

دائماً ما تطرح تساؤلات كثيرة حول إمكانية الثورة في الشخصية المصرية التي عرف عنها طويلاً مؤاثرة السلامة والسكينة والدعة والخضوع. والشاهد أن قراءة وتحليل التاريخ الاجتماعي للشعب المصري يكشف عن موجات للثورات الكبرى والصغرى عرفها الشعب المصري. وثوراته كالبركان الذي ينفجر بعد طول غليان تحت السطح. وأسباب ثورته تتلخص في تهديد لقمة عيشه وقوت يومه- حد الكفاف- تهديد أرضه، الاعتداء الخارجي على بلده، جور وفساد الحاكم وانتهاك كرامته، والسبب الأعظم لثورته هو دمه، فدم المصري غالٍ عنده، وإن لم يكن غاليا عند حكامه، فهو لا يفرط أبداً في دمه خاصة ًإذا كان الدم "دم ضناه"، وكلمة "الضنى" هذه لا تجدها بمعناها القوي إلا عند المصري الذي يعرف معنى الأسرة والعيلة، وحرمة الدم. وكل هذه العوامل مجتمعة حدثت قبل وأثناء ثورة 25 يناير.

إرهاصات ثورة 25 يناير

جاءت إرهاصات 25 يناير من تردي الأوضاع الاقتصادية، وتفاوت طبقي فادح مستفز، وغياب القدوة على كل المستويات، وسيادة القيم السلبية، وشيوع الفساد والإفساد، كل ذلك دعا الشباب وكل من يبحث عن مناخ نظيف يتنفس فيه بعيدا ً عن حكومة نظيف، فاضطر الشباب الى الهروب للعالم الافتراضي عالم "الفيس بوك" ومنه دارت الحوارات والأحلام والأفكار، خاصة بعد حادث خالد سعيد، ثم مقتل السيد بلال على يد أمن الدولة على أثر تفجيرات كنيسة القديسين في بداية عام 2011 وهو ما أجج نيران الكراهية بين الشباب والشرطة فبدأت إرهاصات ثورة 25 يناير لتغيير الواقع.

التعامل الأمني العنيف وتفجير الثورة

كان من الممكن لثورة 25 يناير أن تمر بسلام كأي احتجاجات مرت قبلها لولا التعامل الأمني العنيف مع المحتجين، ولولا "شوارين الغبرا" بالتعبير الشعبي أي مستشاري السوء الذين أصروا على فرض القبضة الحديدية من جانب، وإطلاق يد السجناء من جانب آخر حتى يمكن للسلطة أن تقوم بالقبض على كل المحتجين ووصمهم بالبلطجة – نفس السيناريو الفاشل في 1977 التي لطخوها ووصفوها بثورة الحرامية (أو انتفاضة الحرامية).

الوجه المشرق للثورة المصرية

جاء الوجه المشرق للثورة المصرية، ثورة المصري المتحضر لتقف في وجه ثورة الجياع؛ فيمكنك الوصول لمطالبك بتحضر وسلمية، ويمكنك الإطاحة برأس النظام بنفس التحضر وسلمية، تحضر ظهر من شباب مصر في شوارعها وحواريها، انتظموا واصطفوا بسرعة عجيبة لحماية شوارعهم وبلدهم. وشهدت البلاد لأولا مرة سيطرة على المرور، وعلى الأسعار، ومواجهة شجاعة للبلطجية أو مدعي البلطجة من الحزب الوطني وبعض رجال الأمن. ومن هنا، ومن هنا فقط، ظهر أن سلبيات المجتمع المصري سببها حكوماته وليس شخصيته.

الانفلات الأمني بين الفوضى الخلاقة وتحضر المصري الفطري

جاءت ظاهرة الانفلات الأمني، أو تطبيق نظرية الفوضى الخلاقة التي تروج لها أميركا منذ سنوات، انفلات أمني وبلطجية في مصر، ومرتزقة في ليبيا، وشبيحة في سوريا، والقاعدة في اليمن، تختلف المسميات والوظيفة واحدة، ترويع الآمنين وإشاعة الفوضى في البلاد، لوضع الشعوب في الاختيار الصعب بين أمن وأمان مع ديكتاتور ظالم أو انفلات أمني وترويع للآمنين وإشاعة للفوضى، مع ثورات تدعو للديمقراطية، لتوحى للبسطاء الآمنين أن مجرد المطالبة بحق الديمقراطية هي الوجه الآخر للفوضى والفقر والمرض، والبلطجة بكل أشكالها.

وهنا نجد تحضر المصري الفطري يقف للفوضى الخلاقة بالمرصاد. ولكن أسوأ ما في مصر من ظلم وفساد وإفساد يأبى إلا أن يحارب شرفاؤها بكل ما أوتي من وسائل فوضع القوى الثورية بين المطرقة والسندان.

القوى الثورية بين المطرقة والسندان

بدأت أولى المواجهات بين الثورة وأعدائها بتفتيت القوى الثورية، وبدأت المواءمات والإغراءات بالحقائب الوزارية ومقاعد مجلس الشعب، ثم دارت رحى الانتخابات أولا ً أم الدستور أولا؟! وانتهت بنجاح باهر لتفتيت قوى الثورة وشق الصف من الداخل، وتتكرر ثانية أخطاء ثورة 19 بشق الصف، وصار من ملأوا الميدان بروح 25 يناير وروح أكتوبر وأهازيج الوطن يتناطحون تارة باسم الدين، وتارة باسم الحفاظ على الثورة، والفريقان خاسران بضياع مطالب الثورة الأولى والأساسية؛ فالقوى الثورية نسيت شعار "إيد واحدة" الذي اجتمع عليه المصريون في مشهد أذهل العالم، حيث اجتمع المصريون ولأول مرة لأداء قداس وصلاة الجمعة، بمشهد يقهر كل محاولات الفتنة الطائفية، ولكن سرعان ما بدأ ماراثون الوقيعة بين الشعب والشعب، مسلميه ومسيحييه، ثم ماراثون الوقيعة بين الإسلاميين والليبراليين. وها نحن نشهد مجددا ً تكرار سيناريو السادات عقب حكم عبدالناصر، يطلق العنان للإسلاميين بكل جماعاتهم واتجاهاتهم لمواجهة الاشتراكيين والناصريين، لاستتباب حكمه، فما كان إلا أن انتهى السيناريو بمقتله هو نفسه على يد رموزٍ منهم.

واذا ما انتقلنا بنظرة متأنية للجماهير الصامته، نجد أن لسان حالها يقول إما أن تحكم الثورة وتحقق أهدافها وترحمنا من سعار الأسعار، وتوفر لنا الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وإما أن نسكت ونسيبها للي يعرف يديرها. أما الجيش المصري فيحتاج موقفه في ثورة 25 يناير لتحليل خاص.

الجيش المصري وثورة 25 يناير

الجيش المصري ليس ككل جيوش الأرض، ليس تحيزا ًولكن لأن رجاله أبناء العمال والفلاحين والمهنيين. أبناء لأسر وعائلات مصرية صميمة، وارتبطت شخصيته دوما ًبالدفاع عن الوطن في صورة الدفاع عن الأهل والأسرة والعائلة. لذا لم يكن ليطلق رصاصة واحدة على المصريين، وكم رأينا من جنود وضباط يبكون في الميادين لمجرد ورود أوامر بضرب الثوار. وتزخر مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من الفيديوهات الدالة على ذلك.

ومع ذلك فلا يمكننا إنكار حقيقة أن الكثيرين من ضباط وجنود الجيش المصري تتلخص لديهم الثورة في الإطاحة برأس النظام الفاسد وكفى، فعلام استمرار الثورة، ولم الإصرار على المزايدة بالمطالب، وكأن رأس النظام والحفنة القليلة الملقاة في "طرة" هي الوحيدة المسئولة عن فساد وإفساد مصر من أعلى الرأس الى أخمص القدمين؟!

ومحاولات الوقيعة بين الجيش والشعب لازالت مستمرة. وعلى المجلس العسكري أن يدرك تماما ًطبيعة شخصية الجيش المصري والشعب المصري، ويعلم أن طريق خلاص مصر والمصريين في استكمال وتحقيق كل مطالب الثورة، فلا يمكن تحقيق مطالب الثورة بيد رموز الحزب الوطني ولجنة السياسات، وإلا لما وصلنا لثورة 25 يناير من البداية!

ولا يمكن أن نمسك العصا من المنتصف، فإما مع الثورة، أو مع أعداء الثورة، وليس هناك من طريق وسط. وهنا أؤكد على أن الشخصية المصرية التي تحب جيشها لدرجة التقديس ستقف بجانبهم ضد أي ضغوط خارجية أو داخلية، والشعب على استعداد لأن يغفر أي شيء إلا الانحياز لأعداء الثورة. والخطر الحقيقي يكمن في مواجهة الثوار بذات العنف الأمني الذي قاد لاندلاع الثورة.

والتطهير الكامل للبلاد هو السبيل الوحيد لإخماد نيران الثورة التي تضطرم – ولا تزال - تحت الرماد، فلا يمكن أن نبني برجا ًشاهقا ًعلى فوهة بركان. ولا يمكن أن نجري انتخابات برلمانية أو رئاسية في بيئة يرتع فيها الفساد والإفساد.

الانتخابات البرلمانية بين الخروج من عنق الزجاجة وإرهاصات ثورة الجياع

واذا ما تمت الانتخابات البرلمانية في ظل بيئة من الانقسامات والبلطجة والشقاق، فإنني أتوقع انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات بصورة ملحوظة. فلا يأبه كل المتصارعين في حلبة الانتخابات بآلام الملايين الذين يعتصرهم الجوع والفقر والمرض والدروس الخصوصية ومصاريف المدارس وطلبات الأعياد التي تدنت إلى النذر اليسير الذي لا يطال. والنتيجة الحتمية لتلك الانتخابات بهذه الصورة وبقانون الانتخابات ستكون حتما ًصراعات طاحنة عقب إجراء الانتخابات، وقد تكون أشد في وقعها من نتائج انتخابات 2010 .

وهنا لن يكون من سبيل إلا لثورة الجياع، وهذه لن يقف في وجهها أحد لا مثقفين، ولا رجال دين، ولا جيش. فالكل يأكله الفقر والتجاهل، ولا أمل في حل قريب ليتصبر به الناس. ورئيس مصر القادم في هذه الحالة سيظل مجهولا ًلأمد طويل.

ولكن الضغوط الموضوعة على كاهل المصريين قد تدفعهم – أمام تناحر القوى الثورية – إلى المطالبة بحاكم عسكري قوي ليمسك بزمام الأمور، ولكن شريطة أن يحقق مطالبهم وهذه معادلة صعبة.

وأنا هنا أتساءل هل سنترك العربة تجري في المنحدر أم سنمسك بعجلة القيادة ونوجهها في طريق استكمال مشوار الثورة وتحقيق مطالبه وتطهير البلاد؟! وهل سنراعي أن دم المصري غال، وإن لم يأخذ حقه بالقانون فسيأخذه بيده، وسيكون ثأرا وبحارا من الدم لن تنتهى؟!؛ وهل ستتخلى القوى الثورية إسلامية وليبرالية عن تقديم الأنا على الثورة، وتطالب حقاً – في وحدة صف واحد – بكل مطالب الثورة؟! عندئذ قد يظهر الفارس الأسطوري وسيكون للمرة الأولى قادة الثورة إسلاميين وليبراليين أو فالنقل بالأحرى مصريين.

فهل يمكن أن نتذكر أننا مصريون، فقط مصريون، وأن مصر أهم من أي مكاسب حتى وان عظمت، وأن نصرة الثورة ستأتي بكل المكاسب للثوار وللمصريين؟! وهل يمكن أن نستمع لرأى حزب "الكنبة" الذي طالما سخرنا منه واتهمناه بأبشع التهم، وجريمته أنه يحب مصر ولا يفهم في السياسة وألاعيبها، ويتمنى أن يرى من يحب مصر والمصريين بحق؟! أرجو ذلك حتى لا ينصرف جموع المصريين عن الثوار، وعمن خرجوا من الثورة مبكرا ًويبكى على زمن فاسد خير من أمل كاذب تعلقوا به ليخلصهم من الفساد فتاه في دروب الشقاق.

هذه نصيحة مخلصة قبل أن تضيع الثورة، ويضيع الثوار ولا أشك في أن كلهم وطنيون مخلصون أحرار، ولكن حبهم لمصر لم ينضج بعد.

د. نهلة إبراهيم ـ كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية