الشخصية الليبية ومعنى السياسة في ظل الحكم الوطني

" الذين يبغونها عوجا"، لا تروق لهم الحياة، إلا إذا نصبوا فيها الفخاخ. وهؤلاء هم قلة قليلة، الذين يستفيدون من فساد الأوضاع.

وانطلاقا من الواجب القومي والمسؤولية الفنية التخصصية، أحاول أن أنهض بدوري المقسوم في هذه المسؤولية، وأقدم مقاصد وطنية، مهتديًا في ذلك بما هو إنساني في حياة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

وإذا ما أردنا أن نقتدي بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فإن البارئ سبحانه وتعالى قد خاطبه في عدة آيات أنه ليس بالمنفذ القسري للرسالة، وإنما في سيرته لثروة لا تنفذ من الإباء والرحمة، والحب والحكمة والبساطة، والقدرة الخارقة على التنظيم، وكسب القلوب، كقدوة حسنة لنا، إذ أننا ما أحوجنا في هذه الفترة إلى التنبيه إلى مثل هذه السلوكيات.

المرتكز الأساسي لهذه المقاصد – إلى جانب التركيز على وحدة الشعب الليبي – هو المواطن العادي، الذي نسعى إلى توسيع مداركه على مجال المجتمع، وعلى عالم الخبرات، وعلى اهتمامات الآخرين، كي يتوفر للكل مجال سياسي مشترك، وكي لا يقتصر دوره المدفوع بمؤثرات غير وطنية على الوقوف في طوابير الانتخابات لإضفاء الشرعية على العملية السياسية التي تدار من قبل نخب سياسية انتهازية.

نخب سياسية شديدة التماس مع قوى خارجية، لا تكترث بما نعانيه، من حيث أننا نخضع لازمات بنيوية ونظامية، وفي نفس الوقت مستهدفون من قبل هذه القوى الخارجية، التي تريد إضعافنا وتقسيمنا من خلال تقطيع الكعكة الليبية إلى عدد من الأجزاء، وإنجاز مشروع للفرقة.

أولاً: السياسة وعلاقتها بالطبيعة البشرية

الإنسان إما أن يكون كائنًا حركيًا، أي واعيًا وقابلاً للتغيير والكمال، وإما ان يكون كائنًا سكونيًا وغير قابل للتغيير والتطور والكمال.

وهذا ما يعرف في علم السياسة بالنظرة القدرية والنظرة الجبرية. يأتي هذا من منظور الظاهرة السياسية "الإنسان".

فالنظرة القدرية تنطلق من أن الإنسان يصنع قدره، والنظرة الجبرية لا تنفي هذه القابلية ولكنها تخضع الإنسان لقوانين غيبية أو بيئية أو اقتصادية. والثابت هو أن الإنسان يسلك سلوكًا سياسيًا معينًا في ظروف معينة، فإذا تغيرت هذه الظروف تغير سلوكه. بمعنى أن الإنسان بمقدوره كسب خبرات جديدة تمكنه من تغيير سلوكه السياسي وتحسينه، ومرد ذلك إلى مكوناته النفسية الذاتية وإلى البيئة الاجتماعية المواتية.

من هذا المنطلق يقول ابن خلدون في طبيعة الإنسان السياسية: إذا غُلب على أمره صار آلة لغيره، وأصبح شخصا لا خير فيه، حيث تصبح السياسة في نظره شأن الحكام دون المحكومين، وهذا هو الشخص المسلوب الإرادة.

فمسلوب الإرادة ليس له قدر، وليس له منزلة، ومن ثم فهو إنسان بدون كرامة. وهذه هي أهم دلالات الانحدار في المكون النفسي لطبيعة الإنسان.

أما من حيث جوهر طبيعة الإنسان، فالإنسان يتطلع بغريزته لأن يعرف كي يحسن الحال الذي يجد عليه نفسه، فهو يتطلع دائمًا إلى معرفة الحقيقة.

ومن هنا يأتي التلازم في نفس الإنسان بين التطلع إلى المعرفة، أي إلى الحقيقة، وبين التطلع إلى الأفضل، أي إلى الخير.

والتطلع إلى الخير يشترط التأليف بين المصالح المتنازع عليها في المجتمع، وذلك من خلال مستوى تنظيمي متحضر، والتحضر في حد ذاته يعني الإرتقاء بالمستوى الحضاري لطبيعة الإنسان، وهو ما يعبر عنه بالفارق بين الإنسان البدائي والإنسان المتحضر، كالفارق بين العلم والجهل على رأي الفيلسوف اليوناني سقراط: العلم فضيلة والجهل رذيلة.

فالارتقاء بالمستوى الحضاري لطبيعة الإنسان هو ما يشكل ضروب المعرفة الإنسانية، فالسياسة مثلا ليست أداة للحيلولة دون تقاتل المتنازعين، وكأن السياسة أداة سلبية رادعة عن الشر.

السياسة كسلطة الأب في أسرته، التي تعتبر خالقة للخير بقدر ما هي مانعة للشر.

وسياسة الدولة كذلك يمكن أن تكون خالقة للخير بقدر ما تكون مانعة للشر.

إذا السياسة هي من أنبل الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها الإنسان، وذلك من حيث أنها صناعة الخير العام.

ويمكن أن تسوء السياسة في زمان ما، أو أن تسوء ممارسة السياسيين لها في مكان ما، فنصدر حكمًا مطلقًا على السياسة والسياسيين ونقول: السياسة مفسدة.

وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الروماني سينيكا (3 قبل الميلاد – 65 ميلادية) بالقول: "احتراف السياسة لا يعود على الرجل الصالح إلا بالقضاء على ينبوع الخيرفي نفسه، فينقلب إلى إنسان كاذب خداع يتملق الحكام أو ينقلب إلى حاكم طاغية يقضي على كل أسباب المعرفة في نفوس الناس".

حكم غير صحيح بطبيعة الحال، ومن ثم علينا أن نقتدي بسيرة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي مارس السياسة، أي أنه كان يسوس الحياة وهو يبشر بالرسالة. مارس سياسة إصلاح المكون النفسي للإنسان في حد ذاته، حيث جعل من الصدق والأمانة والوفاء دستورًا للعلاقات بين الناس. فكونت تعاليمه هذه حضارة زاهرة خصبة، أغنت وجدان العالم كله لقرون طوال.

إنه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي ناضل - على الرغم من الظروف- ضد القوى الغاشمة المفترسة، من أجل الإخاء البشري، ومن أجل العدالة والحرية، ومن أجل الحب والرحمة، ومستقبل أفضل للناس جميعًا بلا استثناء.

جاء بتحرير الوجدان من الزراية والهوان والخوف، لتنطلق كل طاقات الإنسان، وتؤكد فوق هذه الأرض نبالة المجهود البشري.

فمن مُحكم التنزيل قوله تعالى "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا" (سورة فصلت: الآية 30)، وكذلك قوله تعالى "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (سورة الأحقاف: الآية 13).

من هذا المنطلق علينا أولاً: ألا نندد بالسياسة، كي ندرك فساد السياسيين، وثانيًا: علينا أن نواجه أنفسنا كي نوجه السياسة وجهة الخير العام، وذلك من خلال اختيار المصلح القادر على مس ينبوع الخير في نفس الإنسان، وليس القادر على شراء الذمم، و العبث بعقول الناس، حتى أصبح الرجل يقدّر بما يملك، ولا يسأله أحد كيف ملك.

محاذير تدعونا إلى القول: بأنه علينا ألا نستبدل قادة الأمة السياسيين بقادة إداريين أو فنيين أو عسكريين أو ما على شاكلتهم. فلكل من هؤلاء وظائفهم وأغراضهم التي تختلف عن وظائف السياسيين، وهؤلاء إما أن يكونوا فنيين، أو استرزاقيين، على عكس وظائف السياسيين، التي تتمثل في أنبل الوظائف الاجتماعية وأوسعها وأغناها.

فعمل السياسي شامل ومتنوع، فهو من يصنع "نمط الحياة السياسية"، وذلك من واقع الاقتداء بقادة الأمة. فالاقتداء عبارة عن اقتناع باطني لدى الجميع بمجموعة منسجمة من القيم والأفعال، وهذا هو ما يخلق الاستمرارية بدل اللجوء بين الفينة والأخرى إلى تبني قناعات غير واضحة وقد تكون أحيانًا مفسدة لطبيعة الإنسان.

ثانيا: معني السياسة في ظل الحكم الوطني

السياسيون هم اليوم أفراد منا نختارهم في انتخابات عامة، ويتوقف بقاؤهم أو ذهابهم على إرادتنا

(عندما تكون لنا إرادة بطبيعة الحال)، فنحن نمارس اليوم الحكم الوطني، نمارسه ممارسة ديمقراطية، لأن جميع الدساتير الحديثة تقوم على مبدأ حق الشعب في اختيار حكامه. وبقدر ما نمارس هذا الحق ممارسة إيجابية بقدر ما نصونه من الهدر والضياع.

إن الحكم اليوم يفترض أن يكون حكمنا لا حكم الأجنبي، ومن ثم فنحن لا غيرنا مسؤولون عما يجري في بلادنا. فإن كانت هناك مؤامرة فمن خلالنا، وإن كان هناك فساد فنحن السبب في ذلك.

أي أننا ارتضينا على أنفسنا - بوعي أو بدون وعي - أن نتحول إلى أدوات لتحقيق غايات مآلها لغيرنا.

لا يجوز أن نستنكر فساد المفسدين أو المتآمرين باتخاذ موقف سلبي منهم، ومن ثم نتوعد بقطع أصابعنا للتأكيد على الاحتجاب عن المشاركة السياسية في العمليات الانتخابية.

سلوكيات تدعو إلى السلبية واللامبالاة، وتفضي إلى تحويل الديمقراطية إلى استبدادية من جديد، وتمسخ الوطنية إلى استئثارية على غرار وطنية وديمقراطية الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي كان يردد دومًا لخصومه السياسيين بالقول "سوف أبطش بهم ديمقراطيًا" مع أن البطش والديمقراطية نقيضان.

فتفادي المشاركة السياسية يتيح للأقلية المفسدة أن تتصرف بالسياسة كما تشاء، فتتحول السياسة إلى مرآة منازعات، ومخادعات، ومساومات، ومناورات وعمالة، ومؤامرات وجرائم هذه الأقلية المستأثرة بالسلطة. وفي نهاية المطاف ينقلب المشهد السياسي إلى أكثرية تتفرج وأقلية لا يظهر إلا فسادها، وتصبح السياسة مرادفة للفساد، بمعنى هم قله قليلة الذين يستفيدون من فساد الأوضاع، وهذا معاكس تمامًا لمعنى الحكم الوطني.

فالحكم الوطني يعني المزيد من المشاركة العامة في الحكم، والمزيد من التراضي، والمزيد من التوافق الاجتماعي، أي أن يسود احترام الغير والرأي الآخر (ولا نقول التسامح لأنه فيه شيء من التعالي).

يتحقق هذا من خلال:

• توسيع مدارك المواطن على مجال المجتمع، وعلى عالم الخبرات، وعلى اهتمامات الآخرين، كي يتوفر للكل مجال سياسي مشترك.

• إعادة جدولة القيم والأفضليات وفقًا للإطار الفكري الجديد (بدلاً من التركيز على التقاليد خوفًا من التجديد)، وبالتالي توسيع نشاط التعاون عن طريق بلورة دور المواطنين في المشاركة في صنع هذه الجدولة.

• تثقيف المواطن على كيفية الحفاظ على الأمن والسلام، وتعزيز الحس المشترك والشعور التضامني بين المواطنين، والتصدي للأفكار المنحرفة التي تحاول أن تخترق المجتمع الليبي.

• تشجيع الرجال والنساء على مضاعفة جهودهم في سبيل العمل التطوعي.

• تنمية الوجدان الإنساني والتعاطف مع قضايا الشعوب المضطهدة أو المحرومة والفقيرة.

• رد الاعتبار الانساني لشخصية المواطن الليبي وتحريره من دونية مستوى الوضعيات الاجتماعية، أي أن يصبح "ذات سياسية" وغير قابل للمساومة في أهليته الوطنية.

وكل هذا يتطلب كشف الستار عن وضع المواطن الليبي العادي، هل هو فعال أم مهمش؟

أم أن حال المواطن الليبي العادي هو من حال السواد الأعظم من أبناء الشعب الليبي، الذي يتصف بالخنوع والإستسلام نتيجة استئثار معمر القذافي بالسلطة وممارسة القهر المعنوي والتسلط عليه لأكثر من أربع عقود زمنية؟

ثالثا: مفهوم القهر والتسلط

مفهوم القهر والتسلط له دلالات مختلفة. ففي الفكر الغربي له دلالات مادية كسفك الدماء، والبطش، والتعذيب، مما ينتج عن ذلك تنمية الشخصية والقدرة على المواجهة وخلق روح التحرر والاستقلالية، متمثلة في ممكنات فكرية وايدولوجيات ذات طبيعة انشقاقية كمنشطات بيئية للعقلية الغربية.

بينما في الفكر العربي فله دلالات معنوية أكثر منها مادية كممارسة روح التعالي والكبرياء، واحتقار الآخرين، وهو ما يعرف بالقمع السيكولوجي (النفسي) مما نتج عن ذلك مزيد من التسلط والقمع المعنوي ومن ثم طمس الشخصية المعنوية، وتأصيل سلوك الخنوع والخضوع، وهو ما حوّل الإنسان العربي إلى إنسان ذيلي، سهل الخنوع ويقاد لما يملى عليه، وبالتالي يستخف به مثلما استخف فرعون بقومه فأطاعوه "فاستخف قومه فأطاعوه" (سورة الزخرف الآية 54).

ما نتج عن ذلك عدم بروز منشطات بيئية للعقلية العربية: كوجود نخب نضالية يدين الشعب بشكل عام بالولاء لها، ومن بإمكانهم منازعة الحاكم على شرعية الحكم، ومن باستطاعتهم توحيدهم، ومن ثم توجيههم نحو التمرد ضد السلطة.فهذه الأسر وهذه النخب توارثت سلوك الانصياع للحاكم وتملق السلطة، وبذلك رسخت استبدال قدسية طاعة ولي الأمر بقدسية الحقوق الأساسية للإنسان.

وقياسًا على ذلك فالمواطن الليبي العادي لم يحظَ بدولة وطنية تعزز من شخصيته المعنوية. فهو يعاني نفسيًا من أثار مصادرة سلطة تقرير مصيره أثناء العهود الاستعمارية، ومصادرة سلطاته السياسية والاقتصادية أثناء فترة نظام الحكم الملكي الفاشل، وفترة نظام حكم القذافي الراديكالي، لأن الدولة سواء في العهد الملكي أو في فترة عهد القذافي كانت دولة تشوبها الضبابية، وذلك من حيث كونها دولة زمرة، أي إنها كانت دولة سلطة وليس دولة مجتمع.

هذا يعني أن المواطن الليبي العادي لم يصل يومًا إلى مستوى ثقافي معين يمكنه أن يكون سيد نفسه.

إذا من هو هذا المواطن الليبي العادي الذي سوف يتوقف بقاء أو ذهاب السياسيين على إرادته؟

• هو الإنسان الذي يخشى المجابهة والمواجهة الشخصية.

• هو الإنسان الذي يفضل الاستسلام والطاعة والتزلف: يا عرفي للمستعمر الإيطالي، ويا شيخ للأعيان والمتنفذين اجتماعيا، واخيرًا يا قائد لمن استخف به وحرمه حتى من حقه في ثروة بلاده.

• هو الإنسان الذي يعاني من دونية مستوى الوضع الاجتماعي (عدم قدرته عله اتخاذ القرار المناسب بمفرد).

• هو الإنسان المتردد الذي لا يتحمل المسؤولية ولا يحترم الذين يتحملونها.

• هو الإنسان الذي يكره العمل، ولا يثق في الجهد الجماعي، لأنه يريد الوصول إلى غاياته من أقصر الطرق، حتى وإن لجأ إلى التملق ووضع نفسه في مواضع دونية.

هذه الشخصية التي نمت تحت أنظمة القمع والتعسف لم تحظ يومًا بدولة وطنية يمكن وصفها بالشخصية "البهلوانية"، التي تتصف بسرعة التكيف مع الأوضاع فقط من أجل الاستفادة الآنية، أي شخصية غائية ذات نفس صغيرة، والنفس الصغيرة تميل بطبيعة الحال إلى الانحدار التدريجي من أجل أهوائها وأطماعها وصولاً إلى أن يصبح صاحبها ذ نبًا من الأذناب أو ذيلاًً من الذيول.وهذه هي المواصفات المرضية للشخصية السلبية، التي تطحنها مشاعر العجز والدونية على المستوى النفسي.

وفي هذا المقام تسعفنا عبارة الفيلسوف الانجليزي شكسبير الشهيرة "تكون أو لا تكون".

بمعنى إما أن تكون سيدا، صاحب كرامة، وإما أن تكون حقير محقّرًا، أي لا شيء.

رابعا: كيف السبيل إلى إعادة الكرامة؟

عندما تجّلت حقائق الأساليب اللاإنسانية والممارسات الوحشية للنظام النازي، شعر السواد الأعظم من الألمان بالذنب، وعمَّ التساؤل: لِما تحمسنا لمن لا نعرفه واعتبرناه زعيمًا )وقائدًا)؟

وعلى نفس المنوال تزلف الكثيرون من أبناء الشعب الليبي، ليس فقط لمعمر القذافي، بل والأكثر من ذلك لأهل الثقة وأهل الحظوة والمقربين منه، فتراوحت المواقف من معمر القذافي بين العبادة والرهبنة، نتيجة الانزلاق في السلوك العام، جرّاء المقاومات الكارزماتية (مقومات الشخصية المؤثرة) لشخصية معمر القذافي، حتى قامت علاقة السيد والعبد.

وكما ورد بشأن شخصية المواطن الليبي العادي، فبالأمس ساد التأليه واليوم يسود الإزدراء.

نلتمس العذر لأبناء شعبنا ونقول: بالأمس سادت مفاهيم مغلوطة، وقيم وقناعات فاسدة، وعلاقات سيئة. قيم ليست واضحة وتسودها السلبية، وعلاقات مبتذلة قائمة على التزلف من أجل تحقيق مصالح شخصية، ومفاهيم مغلوطة كمكانة الفرد القائمة على الولاء والجهوية، والتفاخر والاعتزاز رغم الكسل والإنجاز الضعيف. فتحول الإنسان الليبي العادي في هذه المرحلة إلى إنسان لا يثق في نفسه، ولا في قدراته، ولا يعرف للواقعية معنى، ويعيش على أحلام اليقظة.

ردد مفاهيم دون أن يدرك دلالاتها: "النظام الجماهيري البديع"، القائم على وحدة المعرفة وتعدد الحقيقة المستوحاة من نظام الديمقراطية الأثينية المباشرة في عهد السوفسطائيين، الذين ادعوا العلم بكل شيء، وافتخروا بأنهم يستطيعون أن يؤكدوا قولاً أو يهدموه بحجج متعارضة في آن واحد، إذ أن الحق ليس واحد (بالنسبة للسوفسطائيين)، بل هو متعدد بعدد الأشخاص.

وهذا معاكس بطبيعة الحال لبديهيات التفكير المنطقي السليم القائم على أن المعرفة متعددة والحقيقة واحدة.

استغل معمر القذافي ولجانه الثورية هذه السفسطة الآثينية القديمة لاحتواء التطلع العقلي لليبيين نحو تغيير اجتماعي شامل، فهاجموا الأوضاع الاجتماعية القائمة، واعتبروها مسؤولة عن جمود المجتمع الليبي. وبالنظر إلى المؤثرات السلبية للنظم السياسية الدكتاتورية على القيم والثوابت الاجتماعية كانت النتيجة: تمزق اجتماعي وتبعثر وطني، مما أوصل المجتمع الليبي بوضعه الحالي إلى أزمة اجتماعية خطيرة وهي أزمة اختلال معدلات الضبط الاجتماعي، حيث لم تعد هناك قيود أمام حركة الفرد في المجتمع، مما أدى إلى نتائج سلبية كازدياد معدلات الإحباطات الانفعالية بدل التقليل منها. خاصة وإن القائمين على السلطة الأن هم ساسة محليين تصرفاتهم متحجرة في نطاقهم الخاص، أي أنه هناك فرق بين البيئة المحلية الخاصة والبيئة الوطنية، ومن ثم فلا دراية لهم بمواجهة المشكلات العامة، كنمو أفكار وتوجهات صدامية وتنظيمات عسكرية جهوية لتمجيد المقاومة المحلية.

خامسا: الحل

يكمن في العمل السياسي الشامل والمتنوع، فن الممكن، ففن الممكن لا يعني فن الحرب وإنما فن المساومة والتسوية.

فالمساومة والتسوية وسيلتان من وسائل التراضي والإقناع الاختياري.

والتراضي والإقناع الاختياري هما أرفع صورة من صور التفاهم في المجتمع، أي الرضوخ لحكم العقل وليس لحكم القسر.

والرضوخ لحكم العقل له مكانة في النفوس، هذه المكانة ينتج عنها الاحترام المتبادل بين المواطنين من منطلق التراضي والاقناع.

إذًا علينا أن نمارس سياسة اصلاح المكون النفسي، وذلك على هدي ما هو إنساني في حياة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي عامل حتى اليهود بصبر ورحمة وحكمة لم يعرفها التاريخ من قبل ولا من بعد، بل وتزوج منهم، وحض أصحابه على أن يعاملوهم بالحسنى.والأهم من ذلك رفض نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن يغتال أحدا من أعدائه، إذ أن الإغتيال لم يكن من القيم التي جاء بها، وإنما هي لعنه وكان يطلب من أصحابه أن يلعنوها.

علينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا من خلال الدعوى إلى العفو الشامل عن المواليين لنظام القذافي (عدا الذين ارتكبوا جرمًا في حق الليبيين ) لماذا؟

كي لا نلقى في قلوب أبنائهم البغضاء، فتشب القلوب الصغيرة مطهرة من الضعف الذي يستذل الكبار، على أمل أن ينشأ جيل جديد، بوجدان آخر، يضيء بتعاليم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، جيل يحيا بالرحمة والبر والصدق بدلاً من الكراهية.

وبدلاً من أن نغرس الأحقاد في قلوب صغارهم بإقرارنا لقانون العزل السياسي "المفبرك" الى حد ما، وبدلاً من أن نفتح عيونهم على ّمذلّي آباءهم، وبدلاً من زرع الخوف، علينا أن ندعو الأطفال وحدهم لأن يكتشفوا الحقيقة يومًا بعد يوم، وسوف لن يطيقوا عار الانتساب إلى آباء بلا قيم. وسوف يحمل عنا الصغار عندما يكبرون عبء محاسبة الآباء الأشرار.

وأخيرًا نختم القول بأن: مقاصدنا هي التركيز على وحدة الشعب الليبي، ففي الوحدة قوة، وفي القوة ثقة، وفي الثقة القبول بالآخر والإبداع، وليبيا تكبر عندما تكبر نفوسنا، فالدولة هي المواطن مكتوبة بأحرف كبيرة.