الشباب السعودي... متهم وان تبثث براءته!

بقلم: رائد قاسم

لقد وضع عضو مجلس الشورى د. طلال بكري يده على الجرح عندما صرح بأنه يقترح فتح دور السينما للشباب في المملكة، تعويضا لهم عن قلة المركز الترفيهية المتاحة أمامهم، وإن حرمان الشباب من دخولهم الأسواق والمتنزهات فيه ظلم، وتمنى أن يجدوا متسعًا لقبولهم في المتنزهات والحدائق والأسواق وبأي مكان، فمن حق الشباب أن يتمتعوا بارتياد الأماكن العامة كغيرهم من العائلات والفتيات.

بيد إن موضوع الشباب وما يعانونه من كثرة التابوهات والمحظورات في مجتمع محافظ اكبر بكثير من افتتاح دور للسينما أو السماح بارتيادهم الحدائق والأسواق المكيفة، فالشباب السعودي يعاني من أزمة خطيرة، تتمثل في عدم وجود برامج حكومية إستراتيجية تستثمرهم كثروة بشرية توازي في أهميتها الثروات الطبيعية.

ما أشار إليه الدكتور بكري ليس سوى مظاهر وأثار لهذه الأزمة، فشباب المملكة يئن من قلة المؤسسات والمراكز التنموية وعدم قدرة الموجود منها على استيعابهم، وعلاوة على حظر دخولهم للمجمعات التجارية والحدائق والمعارض والمدن الترفيهية فإن عددا كبيرا من المتاجر في الأسواق المفتوحة تحظر ارتياد الشباب في الفترة المسائية، ويحظر عليهم (كغيرهم) المسارح ودور السينما والموسيقى، بل وحتى المقاهي صدر أمر بمنع دخولها لمن هم اقل من 21 سنة.

إن مدن المملكة تفتقد فيما تفتقد إليه إلى الملاعب والمساحات الخضراء المفتوحة، والتي يمكن للشباب ممارسات ألعابهم الرياضية فيها، ومعظم المساحات التي يتخذها الشبان ساحات للعب تتقلص يوما بعد يوم، على العكس من أحياء شركة ارامكو التي تخصص مساحات مهيأة لممارسة كافة أنواع الرياضات والهوايات وتشكل متنفسا دائما للسكان.

إن الشباب ثروة لا تقدر بثمن، وهم العماد الحقيقي للدولة ولكافة مؤسسات المجتمع، إلا أنهم في بلادنا في أواخر سلم الاهتمامات، فالدولة ممثلة برعاية الشباب مثلا، لا تمتلك أية برامج تنموية سوى على الصعيد الرياضي (والذي يسوده الرتابة والجمود المعهود) ورغم كونها رئاسة عامة لرعاية الشباب وخدماتها من المفترض أن لا تقتصر على النشاط الرياضي التقليدي، إلا أنها لم تطرح أية برامج تنموية متوافقة مع مهامها وصلاحياتها، كما تفتقد وزارة الإعلام والثقافة لبرامج تنموية خاصة بالشباب هي الأخرى، بالرغم من كونها وزارة للثقافة، كتنظيم مسابقات ثقافية للشباب وعموم المجتمع، ومنح جائزة وطنية للثقافة على غرار بعض الدول، أو طرح برامج لدعم الإنتاج الثقافي والفكري والأدبي للموطنين السعوديين عموما والشباب خصوصا.

من ناحية أخرى يقل إن لم ينعدم دور الأندية الأدبية والجمعية السعودية للثقافة والفنون في دعم وتنمية العنصر الشبابي في المجتمع السعودي، إذ تقتصر خدماتها على فئات معينة وفي نطاق تسوده الرتابة والبيروقراطية، ورغم بروز عدد كبير من الفنانين وشركات الإنتاج الفني فان المملكة تفتقد لمعاهد عليا لتعليم وتدريس الفنون المختلفة كالتمثيل وكتابة السيناريوهات والإخراج والتصوير التلفزيوني والسينمائي والمسرحي.

ونتيجة لهذا الوضع فقد عملت مجموعات شبابية في مختلف مناطق المملكة على إنشاء جمعيات شبابية تنموية، وإقامة برامج وفعاليات تهدف إلى تنمية الشباب وإبراز مواهبهم كنوادي الريبوتات والفلك والخطابة وإقامة المسابقات الإبداعية، كان آخرها جائزة القطيف للإبداع في المنطقة الشرقية، إلا إن إمكانياتها محدودة في نهاية الأمر وتعاني من قلة الموارد المالية وعدم الاعتراف الرسمي بها.

لقد أدى ضعف البنى التحتية للمخصصة للشباب إلى بروز عدد من الظواهر الخطيرة في المجتمع منها التطرف الديني والبطالة والجريمة وبروز ظاهرة التحاق الشباب بجبهات الحرب في عدد من الدول العربية والإسلامية.

إن الدولة بما تمتلك من إمكانيات كبيرة يمكنها إن تقدم الكثير لشبابها الذي يبلغ 5 ملايين نسمة بنسبة 28 % وهي من اكبر النسب في العالم، فالشباب هم ثروة البلاد الحقيقية، والثروة التي لا تنضب أبدا، إلا إن المشاريع المخصصة للشباب قليلة ومحدودة جدا، فحتى برامج الابتعاث وصندوق الموارد البشرية والتدريب تعد ناقصة لأنها عرضة لتقلب مواردها المالية ولا تشكل جزء من البنى التحتية، وخطط التنمية ومشاريعها تظل بلا روح إذا لم يكن من بينها مشاريع بنى تحتية مخصصة بالكامل للتنمية الاجتماعية والإنسانية، فالشباب هم عماد الاقتصاد والجيش والمجتمع وكافة المؤسسات التي تدير شئون البلاد، لذلك لا بد من النظر إلى الشباب باعتبارهم ثروة قومية ووطنية فعلية لا تقل أهميتها عن النفط والغاز وسائر الثروات الطبيعية، ويجب البدء بإنشاء المؤسسات والمركز التنموية عبر خطة إستراتيجية متكاملة تهدف إلى إبراز مواهب وقدرات وإمكانيات الشباب السعودي وتنميتها وصقلها بما يحقق مساهمتها الحقيقية في التنمية الإنسانية والاقتصادية والحضارية.

إن رفع الحظر عن دخول الشباب للمجمعات التجارية والأسواق والملاهي والحدائق، على غرار كافة دول العالم لهو من بديهيات الحقوق التي يجب أن يحظى بها الشباب السعودي، وانه لأمر معيب إن يمارس هذا التمييز العنصري بكل هذا السفور! فكيف يمنع إنسان من ارتياد مكان عام بناء على كونه ذكر؟ والحجة هنا انه مخصص للعائلات، يذكر في هذا الصدد أن موطنا أميركيا أراد الدخول لمجمع تجاري برفقة ابنه فمنع. فقال لرجل الأمن: أوليس يمنع دخول غير العائلات؟ فانا وابني عائلة!! بينما لا يمكنك أن تتحقق من كون النساء والفتيات الآتي يدخلن من عائلة واحدة! بل لا يمكنك الجزم من كون هؤلاء النساء أرحاما لمرافقيهم الرجال.

إن هذا الحظر لهو من النقاط المظلمة في بلادنا ومن أشدها ظلما وأكثرها عدوانا، نأت عنه كافة دول العالم قاطبة، وان إيجاد القوانين الرادعة سبيلا وحيدا لحفظ الحقوق والأعراض وصيانة الآداب والقيم، أما قطع السبيل بالحرمان فانه لمن العدوان والبغي، يذكر في هذا الصدد أن شاب سعودي جاءته نوبة مرض السكر بينما كان يتسوق في سوق تجاري بمملكة البحرين، فذهب لحقن نفسه في دورة المياه، وما أن خرج حتى أحاط به رجال امن المجمع بعد أن شكوا انه يتعاط المخدرات، وتركوه بعد أن تبين لهم أنها حقنة أنسولين! إن هذا ما نحتاجه في بلادنا ف بالقوانين والأنظمة الحامية والصائنة نظمن تقليص السلبيات الناتجة عن ممارسة الحقوق والحريات والخصوصيات، إذ لا يمكن بأي حال القضاء عليها مطلقا، لان الشعب ليس من الملائكة ولن يكون، وليست دنيانا جنة ولن تكون! وان الدين ليحرم الشك والظن والتهمة المبنية عليهما من دون دليل قاطع وبرهان ساطع، وان إنكار المنكر لا يكون إلا في ظواهره القطعية ولا يجوز بالريبة والمراقبة والتجسس المبني على الاحتمال والفرضية، وان مثل ذلك كمثل من يسعى لتحريم وتجريم قيادة المركبات لتسببها بإتلاف الأرواح والممتلكات، فينجح في مسعاه، وتقل إن لم تنعدم الوفيات الناشئة عن حوادث السير، ولكن هذه الغاية لنبيلة لم تتحقق إلا على حساب حقوق وحريات وكرامات المجتمع، والتسبب بتأخره وتراجعه وتعسير سبل حياته ومسالك عيشه، وكان من المفترض أن يكون تحقيق هذا الهدف بوضع قوانين وأنظمة للمرور والسير وتطبيقها بكفاءة ومسئولية.

إن أساس الأسس الذي يقوم عليه عماد الدول المتطورة يكمن في اهتمامها بمواردها البشرية، لذلك فان مدارس تلك البلاد ليست مدارس تلقين وحشو بقدر ما هي مدارس للتفكير والنقد، كما تعج تلك البلاد بالمراكز التعليمية والعلمية والفكرية والثقافية والأدبية والترفيهية، التي تصقل مواهب شبابها وتفجر طاقاتهم، علاوة على المساحات الواسعة جدا من الحرية على مختلف الأصعدة، وان تلك النظرة القاصرة التي يعتقد بها الكثيرون من أن شباب الغرب ليس له هم سوى الجنس ومصاحبة الفتيات والتسكع، مدعمين بتلك الإحصائيات المنشورة هنا وهناك، ليست سوى قراءة ناقصة ومشوهة، إذ لا يوجد مجتمع على وجه الأرض لا تشوبه السلبيات والنواقص والعيوب والأخطاء، وإنما الحكم دائما للميزان الذي يرجح كفة الايجابيات على السلبيات أو العكس، وان التقدم والتطور الإنساني والحضاري في الدول الغربية لا ينسجم مع بديهية تقدمهم في التعليم والصحة والاقتصاد، فتعليمهم مختلط! والرجال والنساء إلى جانب بعض في كافة مجالات الحياة، ومع ذلك فشباب الغرب يحقق معدلات تفوق وإبداع تعليمي وعلمي رفيع، لا يمكن أن يقارن به نتاج نظامنا التعليمي الديني والمحافظ بأي حال!

لو كان شباب الغرب يقضون لياليهم في اللهو وليس لديهم أي اهتمام سوى بالجنس والمتع المادية لكانت بلادهم في أسفل درك التأخر والتخلف، ولكانوا أكثر شباب البشرية تعاسة وبؤسا.

وكم يتألم المرء وهو يرى مطالبات بحظر الاتصال الهاتفي على برامج الواقع العربية (ستار أكاديمي) باعتبارها من المفاسد المؤكدة، وفي نفس الوقت لا يطرح المطالبون بأي بديل له يواكب موضات العصر وصرعاته المثيرة، ففي بريطانيا مثلا تنتج برامج الواقع بهدف إعداد قادة سياسيين وعلماء ومفكرين، ولا يقتصر إنتاجها على الغناء والتمثيل والموسيقى، كما تخصص برامج واقع لإعداد وتقوية وإبراز مهارات الشباب العقلية والبدنية، بينما في عالمنا العربي لا نمتلك سوى ثقافة الحظر والمنع والحرمان وسد الذرائع!

قرأت يوما أن شابا سعوديا لم تسعه ظروفه لإكمال دراسته الجامعية، فعمل سائقا على خط مكة - جدة، فتعرف على رجل سويدي، فكان بينهما صحبه، فعرض عليه الرجل السويدي أن يأتي إلى استكهولم، ويلتحق بدراسة متخصصة لمدة سنتين، فقبل الفتى وذهب هناك ودرس والتحق بسوق العمل، ثم تزوج وأسس أسرة، وأصبح لا يفد بلاده إلا في الإجازات، ولعله يسعى الان للحصول على الجنسية السويدية!

إن الكثير من شباب العرب لن يحظوا دائما بما حظيه هذا الشاب من فرصة خلاقة، وليس من أنصاف الحلول على المدى البعيد أن يهاجر الشبان العرب إلى الدول المتقدمة وبلادهم تعج بالإمكانيات والثروات، لذلك وبسبب إهمال الحكومات وضربها بعرض الحائط لكافة حقوق وحريات شبانها، وممارستها أشكال نوعية من الإهمال والإقصاء فقد أصبح الشباب قادة الاحتجاجات الغير مسبوقة التي حدثت في عدد من الدول العربية مؤخرا، فالشباب ليسوا سوى ثروة إن لم تستثمر فإنها سوف تتحول إلى طوفان رهيب، وهذا ما حدث في أكثر من بلد عربي، من ناحية أخرى فان الشباب إذا ما استثمروا فأنهم سيتحولون إلى المدافع الأول عن الأوطان وحكوماتها الوطنية، فالشباب سلاح دو حدبن.

إن يوم 13 من أغسطس اتخذه العالم "يوم الشباب العالمي" وانه لعلى الأبواب، فماذا أنجزنا لشبابنا؟ وبماذا سنجيب العالم عندما يسألنا عن مبررات ممارستنا عليهم تمييزا ليس له نظير وذلك بمنعهم من ارتياد الأسواق وحرمانهم من دخول الحدائق والمعارض والمنتزهات؟ وأي خطط تنمية نفخر بها أمام الآخرين وهي خالية من إنشاء المؤسسات والبنى التحتية المخصصة للشباب، الذي يشكل الجزء الأهم من مكونات شعبنا؟

إن شباب المملكة العربية السعودية يستحق الأفضل وبالإدارة الفذة سيصبح نموذجا رائعا في العالم العربي، فلنستثمره قبل أن يأتي عليه يوما نحرمه حتى من دخول المقابر بحجة الاختلاط وسد الذرائع!

رائد قاسم