الشاعر ياسين حزكر: أريد ظهورا يليق بما أكتب

على تَـلَّـةِ التَّأويلِ أرْسَلَ نَاظِـرَهْ ** ومَدَّ يَدَ الأوْجَاعِ يَـسـأَلُ غَابِرَهْ

ياسين حزكر باحث متخصص في ميدان الأدب والشعر العربي عموما والأدب والشعر المغربي خاصة، وفي تاريخ الأندلس والمغرب من الناحية الحضارية والثقافية والسياسية. كما أنه مؤلف وسيناريست أفلام ومسرحيات وبرامج: وثائقية، إذاعية، تلفازية، سينمائية، ومتخصص في الأفلام التاريخية والتراثية.

شارك مؤخرا ضمن عشرين شاعرا في مسابقة "أمير الشعراء" التي تبث على الهواء مباشرة من مسرح شاطئ الراحة بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، وأثبت وجوده كشاعر من نجوم البرنامج في دورته السادسة.

وقال عن تجربته تلك:

تجربتي بمسابقة أمير الشعراء في موسمه السادس تتميز بميزتين مهمتين:

 أولهما أنني أجمع بين الاشتعال الشعري بموجب حب فطري والاشتغال النقدي بحكم تخصصي الأكاديمي في مناهج الدراسات الأدبية والنقدية. هذا الاشتغال وذلك الاشتعال يعطي نصوصيَ الشعرية نوعا من الكمال الذي يتجلى في تقنيات بناء الصورة المكتنزة بالتصورات المنهجية المُؤطِّرة لها. النقد الذاتي لنصوصي يساعدني في تخفيف نقد لجنة التحكيم في "أمير الشعراء" وتوجيهه ليصير في صالحي والخروج بأقل قدر من الملاحظات النقدية، وهذا لا يكون طبعا على حساب جماليات النص وعفويته وتلقائية دفقه ـــ حتى لا نُتَّهَمَ بالصنعة ـــ إنما يكون بما تستدعيه نظرية تذبذب الكاتب بين الوعي بحالة الكتابة وعدم الوعي بها على نحو ما ذهب إليه رولان بارت في كتابه الموسوم "الكتابة في درجة الصفر" وعلى نحو ما أكده ّذ. نجيب العوفي في كتابه "درجة الوعي في الكتابة" فتصير الكتابة ــ بذلك ــ ممارسة نقدية موازية لفعل الإبداع ومزامنة له في الآن نفسه.

 ثانيهما؛ أنني شاركت في "أمير الشعراء" وأنا بن أربع وعشرين سنة في الموسم الثالث، كنت نظَّامًا حينها؛ أجيد الكتابة العروضية بدون روح في النص، أو لنقل بدون نضج في النص، لم يتأتَّ إلا مع توالي المشاركات وتوالي الإخفاق في المرور لمرحلة العشرين. هذا الإخفاق كان دافعا للتوسع في قراءة تجارب الشعراء في الوطن العربي بالموازاة ومحاولة فك شفرة لجنة التحكيم.. إلى أنْ توفقنا والحمد لله في الموسم السادس من مسابقة الأمير، كانت قصيدة التصفيات موسومة بعنوان "أشلاء الورد" وهي قصيدة تطرقت لمأساة الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا الذي كان مدافعا عن حقوق الأقليات في ديكتاتورية فرانكو، بما تثيره من تشابكات وتشابهات مع ما نعيشه في أوطاننا العربية من تهميش لحقوق الأقليات المذهبية والعرقية. وقد أعجبت بها لجنة التحكيم أيما إعجاب.

ويضيف الشاعر المغربي ـ صاحب "الرؤيا الجمالية في ديوان ترجمان الأشواق للمتصوف ابن عربي" ـ يمكنني أن أقول ها هنا: إنه قُدِّرَ لي أن أخفق سابقا لأحلق لاحقا في مرحلة العشرين مع نص "طين مجنح" الذي تعرضُ لمأساة حرق الطيار الشهيد معاذ الكساسبة من طرف الظلاميين. وأحمد الله أنني لم أكن أتأهل في المواسم السابقة وإلا كنت ضيعت علي هذا النضج الذي أكتب به حاليا؛ وبذلك فنجاح تجربتي من فشلها قد يلخصه عدد مشاهدات قصيدتي على اليوتيوب المعنونة بـ "معاذ الكساسبة يبكي جمهور شاطئ الراحة" والتي جاوزت 32000 مشاهدة!

وعن مسيرته الشعرية منذ البدايات وحتى وصوله إلى مسرح شاطئ الراحة يقول حزكر المولود في الرباط عام 1984: كانت البداية بإرسال نص "أشلاء الورد" كما أسلفت والذي قال فيه د. صلاح فضل بالحرف "جمعت بين أطرف بيت وأعنف بيت على التوالي" وكان يقصد بذلك قولي:

رَأَى مَا رَأَى.. مَا كَان ثَـمَّـةَ وَجْــهُـــهُ ** ولا كَانَ ذَاكَ الطِّفْلُ يَـمْـلِكُ ذَاكِــرَهْ

مِنَ الشَّارِع الـمَخْصِيِّ لَـمْـلَـمَ صَرْخَةً ** وأُغْـنِـيَةً تَنْـعَى الرَّصِيفَ.. وخَـاطِـرَهْ

وقد أثنى عليه د. علي بن تميم قائلا "والله لقد شوقتنا وجذبتنا لمعرفة هوية هذا الطفل الذي ينمو ويتشكل عم طريق لازمة رأى" ويقصد بذلك قولي:

على تَــلَّــةِ الــتَّـــأويلِ أرْسَلَ نَـــاظِـــرَهْ ** ومَـدَّ يَـدَ الأوْجَــــاعِ يَــسـأَلُ غَــابِــرَهْ

رأى قمرًا يَنْشَقُّ خـَـلـْــفَ قَـمِــيــصِــهِ ** فَــزَرَّرَ خَـوْفـًـا بــالـنُّـجُـومِ مَـشَـاعِـرَهْ

رأى حُلْمَهُ الموْءُودَ.. طِـفْـلًا ولُــعْــبَــةٌ ** مِـنَ الـوَرَقِ المسْحُورِ شَكَّلَ طَـائِرَهْ

رأى كَـعْـكَـةَ العِيدِ اليَـتِـيـمِ بِــرَأْسِــهِ ** وشَـمْـعَـتَهُ الـعَـذْرَاءَ تَـرْقُـصُ حَــــائِـرَهْ

رَأَى مَا رَأَى.. مَا كَان ثَـمَّـةَ وَجْــهُـــهُ ** ولا كَانَ ذَاكَ الطِّفْلُ يَـمْـلِكُ ذَاكِــرَهْ

أما د. عبد الملك مرتاض فسألني عن سبب عدم امتلاك هذا الطفل لذاكرة؟ فأجبته بأن الطفل في النص هو "لوركا" وما دمنا لا نعرف من اغتاله وأين قبره، فستظل ذاكرته منفية ومجهولة وقد كان ذلك مطابقا لقولي:

مِنَ الشَّارِع الـمَخْصِيِّ لَـمْـلَـمَ صَرْخَةً ** وأُغْـنِـيَةً تَنْـعَى الرَّصِيفَ.. وخَـاطِـرَهْ

وفي قَــبْـرهِ الـمَـنْـفِــيّ أوْقَــــدَ حَـرْفَـــهُ ** وأرْقَدَ مُوسِيقىً أضَـاءَتْ دَفَــاتِـــرَهْ

هكذا كانت الانطلاقة موفقة إلى حد كبير. وكانت المقابلات المباشرة موفقة كذلك؛ حيث كان الفوز مزدوجا انتزعت بطاقة اللجنة وتصويت جمهور شاطئ الراحة.. بنسبتين متشابهتين 47 في المائة.

ويؤكد الشاعر المغربي أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة صارت رائدة على مستوى إشعاعها الثقافي، لقد صارت بصريح العبارة قبلة العرب الأولى في دعمها للإبداع بشتى أجناسه؛ الدعم المادي والمعنوي، بحيادية لا نراها حتى في مسابقاتنا الوطنية التي تتحكم فيها مافيا الشعر والشللية والفساد الثقافي والأخلاقي وتقديم الرداءة والمجاهرة بها وتتويجها.

ويرى أن دولة الإمارات العربية المتحدة؛ قدمت للعالم العربي العدالة الثقافية التي طالما انتظرها المبدعون المهمشون. أحيت التراث النخبوي والشعبي. سلطت الأضواء الإعلامية على من يستحق من المبدعين الأكفاء. لم تتحرك بدافع أيديولوجي وهذا ما يعجب المبدعين. مكافآت المبدعين مكافآت مالية ضخمة أحيت في المبدع إنسانيته وكرامته المفتقدتين في ظل تسيُّد وتسيُّب ثقافة الغناء والرقص. صارت مكافآت الشاعر والناقد والمسرحي والرسام والخطاط تعدل مكافآت المغنية والراقصة والممثلة. دولة الإمارات العربية المتحدة تعتني بالمثقف قبل أن يدخل مطارها الدولي؛ فإن دخل يدخل معززا مكرما بدءا من سيارة "الليموزين التي تنظره عند بوابة المطار، مرورا بالمرفق الذي يوضع رهن إشارته في أي شيء يحتاجه، وقوفا عند كرم الضيافة وحسن اختيار الفنادق الفخمة التي يستقر بها المثقف، نهاية عند استقبال وجوه الدولة وحفاوة وجهائها وشيوخها ومجالستهم للمثقف والثناء عليه.

ويضيف: إذا أعطينا الصدارة لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى الثقافي عموما، فعلى المستوى الشعري يبقى "أمير الشعراء" بصمة نوعية وتجربة رزينة ورصينة في إحياء الشعر العربي. كل المسابقات والمهرجانات تأتي بعده، تقلده وتنجح في ظله ولا تتعداه.

وعن متابعة الحركة النقدية لمسيرته الشعرية قال الشاعر ياسين حزكر الحاصل على دكتوراه وطنية في الآداب والنقد 2015: للأسف في بلد جميل مثل المغرب وفي ظل الحكم الملكي السديد، ما زال الشأن الثقافي والشعري والنقدي مشُوبا بالفساد ومصابا برداءته، النقد لا يتعدى الشللية والمحاباة والمجاملات والقراءات السطحية من غير أهل الاختصاص قصد استحداث وتلميع نخب معينة لا تشارك في نهضة هذا البلد إنما تدمره وتلوث ذائقة ناشئته.

وأوضح أن هناك نقادا أكاديميين حقيقيين، لكنهم في هامش المتن شأنهم شأن المبدع المهمش، وبين الحين والآخر يبهرنا بعضهم بدراسات دقيقة وذات مصداقية. ولكنه أضاف: للأسف لم يتناول أحد بعد تجربتي الشعرية بالنقد ببساطة لأنني لم أصدر ديوانا شعريا لحد الساعة واعتزلت نشر قصائدي منذ 2009 لسبب بسيط هو أنني أريد ظهورا يليق بما أكتب لا ظهورا عابرا يموت ولا يلتفت إليه أحد.

وختم بقوله: أستبشر خيرا مع مسابقة "أمير الشعراء" في موسمها السادس. فقد عرضتني على أكبر نقاد العالم العربي وأشادوا بتجربتي، بقي أن يصدر لي ديوان حتى يجد النقاد إذا أحبوا ذلك متنا يستندون إليه في دراستي، والقادم أجمل.