'الشاعر' الثقافي الفصلي يستعد لصدور عدده الخامس

عدم جدّية بعض المثقّفين

بينما تشهد مجتمعاتنا العربية لحظات حرجة تعيشها كتابة الشعر العربي، في زمن باتت الكلمة فيه تحدياً بحد ذاته؛ ينتظر كتاب "الشاعر" صدور العدد الخامس منه، وهو كتاب "فصلي ثقافي" يشارك فيه عدد كبير من المبدعين من تونس ومن العالم العربي؛ أسّسه ويرأس تحريره الشاعر التّونسي نصر سامي، صدرت منه أربعة أعداد دون أيّ تمويل من الدّولة أو من أيّ مؤسّسة، بل صدر بتمويل ذاتي يتركّز على قوّة الفكرة التّي آمن بها عدد من المبدعين.

يقول الشاعر نصر سامي متحدثاً عن كتاب "الشاعر": "ليس كتاب الشّاعر كتابا شخصيّاً وإن حرص على متابعة الإغواء اللّذويّ الخاص لعوالم الذّات الرّائعة. وليس للشّعر فقط وإن حرص على التقاط الشّعر في كلّ صنوف الإبداع. وليس فضاء جيل بل هو فضاء لتلك النّار الخالدة التّي تخترق الأجيال والأمكنة وهو بعد ذلك كلّه تجربة لا تدّعي شيئا بل تطلع ياسمينها النّاعم وتلوّح بيديها في وجه الظّلام والخوف مستعيدة تلك الصّرخة الخالدة: ارحل".

وهذا الكتاب، كما هو مكتوب في مقدمة عدده الأوّل، ينتصر للجودة لا للنّوع، يهتمّ بالتّقنية ولا يحبّ برودتها القاسية وقيودها المتعالية، ينتصر للعميق ولكن أيضا للّعين والمنسيّ والمرفوض. ولا يحبّ تلك النّظرة الأخلاقية للإبداع بل يتحرّك خارجها حيث التّفلسف والتّفكّر والحيرة والقلق والمعارف العاصية والزّيغ والقطائع. وهو يرحّب بكلّ نصّ رؤيويّ إشكاليّ عصيّ صعب كما يرحّب بالنّصوص غير القلقة في نوعها حرّة كانت أو نثريّة أو غيرها ويطمح إلى نشر الدّراسات النّقديّة ويرحّب بالنّصوص التّي تتعمّق ظواهر الإبداع تحليلا أو تأصيلا أو تأسيسا أو بيانات.

ويضيف رئيس التحرير متحدثا عن خصوصية الكتاب في مقدّمة الكتاب الثاني: "إننا نحاول أن نجعل من هذا الكتاب حقلا لتجارب الحدود أو على الأقلّ للنصّ الذّي يتمثّل عالمه وينخرط فيه ويحاول بوسائله القديمة أو الجديدة أن يفكّكه ويزرع في أعضائه سمّ التّخييل وترياقه الجميل. نحبّ أن ننشر نصوصا مدهشة لكن في غيابها سننشر ما يكون قريبا من غابات "الآلام المزهرة". أن يكون النصّ قريبا ممّا نريد فتلك علامة، أمّا النصّ الذّي نريده فوعد نثق أنّه سيتحقّق".

صدور "الشّاعر" في مرّات عديدة ونشره الورقي والإلكتروني جعل عديد الكتاب يهتمّون به، حيث إن القائمين عليه يؤمنون بقدرة الشعر على إيجاد وإدارة الاختلاف مهتمين فعلاً بما يحدثه وأحدثه من قدرات وتغييرات الآن وعبر التاريخ ككل واقفاً بوجه القهر والظلم ومؤسساً للغد البهي. مؤكدين أنهم مجموعة من الشعراء والنقاد والكتاب الحداثيين غير المنقطعين عن حركة التاريخ في الماضي.

وتأتي المادة المنشورة في الكتاب لتركز على الإبداع شعراً وقصاً مع التركيز على الدراسات الجادة والتّي تخضع للتحكيم من قبل كثير من المختصّين، كما تمّ تخصيص عدد مزدوج في 350 صفحة لقراءات نقدية محكمة حول الشعر العربي القديم، تحاول إعادة هذا النصّ إلى دائرة السؤال واستنطاقه والإصغاء العميق إلى ما يقوله.

أما عن الصعوبات التّي تعترض صدور "الشاعر" فيحدثنا نصر سامي فيقول: "حين فكّرنا في القيام بهذا المشروع الطّموح كنّا على وعي بالعوائق الكثيرة التّي تحول دونه وأهمّها صعوبة نشره لما يعرفه الجميع من ظروف مادية ومعنويّة تجعل من إصداره فضلا عن ضمان صدوره مستقبلا أمرا مستحيلا أو على الأقلّ صعبا. وتغلّبنا على هذه الصّعوبة حين عبّرت إحدى دور النّشر التونسيّة عن استعدادها لإصداره فكان ذلك رافدا مهمّا لنا لتنفيذه. وهنا تجلّت لنا صعوبة أخرى هي عدم جدّية بعض المثقّفين في التّعاطي مع المشاريع الثّقافيّة عموما ولكنّا تغلّبنا على ذلك فاستقام لنا العدد الأوّل جامعا للشّعر وما جاوره من صنوف الإبداع لمجموعة من الأسماء التّونسيّة والعربيّة المهمّة".

كذلك تحدث سامي في الختام، عن البيئة الفكرية التي صنعها الكتاب، إذ أن كثيراً من الدراسات التي وصلت إليهم شكلت فرصة للتعلّم والاكتشاف، بل إنّ بعض الدّراسات دفعتهم إلى العودة إلى كتب تركوها ظناً منهم أنهم استوفوا دراستها. مبيناً أن العدد الخامس الذي ينتظر صدوره في فترة قريبة، يدعو إلى معاشرة تلك النّصوص، معاشرتها، لا قراءتها بتعجّل، معاشرة لا تكتفي بالشّروح، على أهمّية ذلك، بل ترصد متخيّلها وتفتح خبيئها وتروّض مطلقاتها وتصغي إلى تيّار الزّمان الذّي يخترقها وتهضم تلك الرّوح المتحرّرة وتبدأ منها.