الشاعر البحريني علي الشرقاوي وشجرة الأطفال

بقلم:أحمد فضل شبلول
قصائد المجموعة تعلن عن انتقال الشاعر من سن إلى سن أخرى

للشاعر البحريني علي الشرقاوي تجربة متميزة في الكتابة للأطفال، أثمرت عن عدة مجموعات ومسرحيات شعرية وغير شعرية، منها مجموعات: أغاني العصافير، وشجرة الأطفال، والأصابع، وقصائد الربيع، والمسرحيات: مفتاح الخير، والفخ والأرانب الطيبة وبطوط.
وسوف نتوقف عند المجموعات الشعرية الأربع للشاعر، والتي لكل منها تميزها عن الأخرى، فمجموعة "الأصابع" تصلح لمرحلة الطفولة الثانية ( 3 ـ 6 سنوات) حيث يكون طفل هذه المرحلة قادرا على التصور الذهني للأشياء، ولديه القدرة على التفكير، وفهم بعض الرموز والمعاني القائمة في اللغة والكلام، غير أنه لايستطيع أن يميز بين الخيال والواقع بدقة. وقد استثمر الشاعر علي الشرقاوي هذه القدرات المحدودة لدى طفل هذه المرحلة فقدم له في مجموعة "الأصابع" ست قصائد أو ست مقطوعات بسيطة وقصيرة وذات كلمات محدودة. يقول في قصيدة الأصابع، وهي من القصائد التعليمية المفيدة لطفل هذه المرحلة: بيدي
بيدي
خمس أصابع
عدُّوا بالأرقام
خنصرْ... بنصرْ
وسطى
سبَّابة، إبهام
أيضا يستطيع طفل هذه المرحلة فهم بعض السلوكيات البسيطة والتعامل عن طريقها مثل مشاركة الآخرين في الأكل، لذا يقول الشاعر في قصيدة "مشاركة": أمي قالت
وأبي قال
شارك غيرك
وجبة أكلك
حين تكون مع الأطفال
ويلفت الشاعر نظر أطفال هذه المرحلة إلى أهم مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية التي يرونها أمامهم كل صباح، وهو "الشمس". وحينما يتحدث الشاعر عن الشمس، فإنه يربط بينها وبين الصغير في صياغة دقيقة ومحكمة ومعبرة ومناسبة لهذه السن. يقول في "الشمس": حين يجيء الصبحُ
تصحو الشمس ونصحو
مثل صغار حمامْ
وحين تنام الشمس
أيضا نحن ننامْ
ثم تبدأ قصائد المجموعة في الطول التدريجي معلنة عن انتقال الشاعر من سن إلى سن أخرى، ولكن في المرحلة العمرية نفسها، فنقرأ قصيدة "ولادة" ولعل طفل نهاية هذه المرحلة يبدأ في التساؤل عن وجوده ومن أين جاء وكيف ولد أو كيف نزل من بطن أمه، وتبدأ فكرة ولادة الأشياء من الأشياء تلفت انتباهه وبخاصة عندما يكون لديه أخوة أو أخوات أصغر منه وشاهد بنفسه كيف كانوا في بطن الأم ثم فـجــأة ولـدوا، وجـاءوا إلـى الحياة.
يقول في قـصيدة "ولادة": هذي الشجرة
تنبت زهرة
ومن الزهرة
تأتي ثمرة
هذي البقرة
تلد عجلا
قد يصبح ثورًا أو بقرة
وكذا الحشرة
تلد الحشرة
والمرأة إن كانت حبلى
تلد طفلا.. تلد طفلة
مثلي حلو
مثلك حلوة
لا بل أحلى
ويلاحظ على هذه القصيدة وجود خطأ علمي في قول الشاعر (وكذا الحشرة.. تلد الحشرة) لأنه من الثابت علميًّا أن الحشرة لاتلد، ولكنها تبيض أو تفقس، ويبدو أن فكرة ولادة الأشياء من الأشياء التي يحاول أن يقربها الشاعر لمفهوم الصغار هي التي جعلته يختار عملية الولادة للحشرات، وعموما فإننا في هذه الحالة فقط نقبل أن تلد الحشرةُ الحشرةَ، ولكن على الشاعر الذي يكتب للأطفال أن يقدم المعلومة الصحيحة في إطارها الفني المناسب، ذلك أن طفل هذه المرحلة ـ على وجه الخصوص ـ إذا اكتسب معلومة خاطئة فمن الصعب أن نغيرها له أو نعدلها أو نصححها، وفي الوقت نفسه إذا اكتشف أو اقتنع بخطأ المعلومة المقدمة له فسرعان مايفقد الثقة في معظم مايقدم له من معلومات في الكتاب ـ أو البرنامج ـ نفسه، مما يفقد العمل الفني عنصرا مـهما من عـناصره التربوية والتعليمية.
وبالإضافة إلى هذا الخطأ المعلوماتي، لاحظنا وجود أخطاء في الوزن وبخاصة في (تلد عجلا، تلد طفلا، تلد طفلة) وأعتقد أن المعنى والوزن يستقيمان في حالة إذا ما قال الشاعر: هذي البقرة
تُولِدُ عجلا
وكذا الحشرة
تفقس حشرة
والمرأة إن كانت حبلى
تلدُ الطفلَ، وتلدُ الطفلة
###
أما المجموعة الشعرية "قصائد الربيع" فأعتقد أنها كتبت لمرحلة متقدمة عن المرحلة التي كتب لها الشاعر "الأصابع" فقصائد الربيع تصلح لمرحلة الطفولة المتوسطة ( 7 ـ 9 سنوات) حيث تنمو مقدرة الطفل على التركيز ويكتسب مهارات متقدمة في القراءة، وقد احتوت هذه المجموعة على سبع قصائد هي: أغنية الصباح، وحب الناس، والفصول، والدمية، والمقلمة، والربيع، والرسومات.
ولعلنا نلاحظ أن هناك اهتماما أكثر بعنصري الطبيعة وبالأشياء المحببة للطفل، وقد تمثل عنصر الطبيعة في قصائد عن الصباح والربيع والفصول والنجوم والقمر والطيور والأشجار والثمر، بينما تمثل عنصر الأشياء المحببة للطفل في قصائد عن الدمية والمقلمة والرسومات المختلفة والألوان. يقول الشاعر في أغنية الصباح: غردي
غردي ياطيور
زغردي للصباحِ
والندى والزهور
غردي
فالفضا ملعبٌ
والغصون سكن
شرِّقي
غرِّبي في الرياح
واحملي في الجناح
بسمةً
لعيون الوطن
لقد اهتم الشاعر ـ في قصائد هذه المجموعة ـ ببيئة الطفل خارج منزله، وخارج محيط أسرته، واهتم أكثر بالأشياء الصغيرة التي يتعامل معها في حياته اليومية المدرسية مثل: الدمية والقلم والمقلمة، وقد برز عنصر الألوان بقوة في هذه المجموعة، وفي القاموس اللغوي للنصوص، وبخاصة نصوص المقلمة والربيع والرسومات. يقول في "المقلمة": عندي
ياأمي مقلمةٌ
تجلس أقلامي داخلها
مثل أزاهير البستان
الأحمر يضحك للأخضر
والأزرق ينظر للأصفر
والبني الداكن يصحو
ويكلمني:
ارسمني في لون بلادك
إن بلادك يا ابني أحلى البلدان
عندي يا أمي
مقلمةٌ
ما أجملها بالألوان
ولاشك أن وجود الألوان في القصيدة أو النص الشعري للأطفال يضفي شيئا من البهجة والتفاؤل على عالم القصيدة، كما أن الألوان تنمي حاسة البصر عند طفل هذه المرحلة، غير أننا نتوقف عند قول الشاعر في قصيدة "الدمية": أسنانها كحبة الرمان هذا التشبيه يوقعنا في شيء من الحيرة لأن اللون الشائع لحبة الرمان هو اللون الأحمر المائي اللامع، وهذا التشبيه من شأنه أن يجعل أسنان الدمية حمراء اللون بما يتنافى مع لون الأسنان الشائع وهو الأبيض سواء في الإنسان أو الدمى أو حتى الحيوانات، وقديما شبه أحد الشعراء الأسنان بالبَرَد لشدة بياضها، لذا نرى أن تشبيه الأسنان بحبة الرمان غير موفق من جانب الشاعر، صحيح أن هناك الرمان ذا الحبات البيضاء، ولكن الشائع أمامنا هو الرمان ذو الحبات الحمراء المائية.
###
أما مجموعة "أغاني العصافير" فقد احتوت على سبع قصائد هي: أمي، والساعة، والأطفال، والعصفور، وبابا، وأمنيات المستقبل، وعيد الميلاد. وقد اعتمد الشاعر في معظم هذه القصائد على الصوت المتكرر سواء صوت الآلة (مثل صوت الساعة) أو الصوت الطبيعي (مثل صوت العصفور) أو صوت الحروف بتكرارها. يقول في قصيدة "الساعة": دقي ياساعة دقي
تِك. تِك. تِك
تِك. تِك. تِك
وأفيقي من نوم الغسقِ
تِك. تِك. تِك
تِك. تِك. تِك
ويقول في قصيدة "العصفور":

صو. صو. صو
صو. صو. صو
صو. صو. صو
عصفورٌ انهضُ قبل النور
والأرض تدور
فأشمُّ الخضرة في وطني
لايمنعني قفصُ أو سور
أنا العصفور
أنا العصفور
صو. صو. صو
صو. صو. صو
صو. صو. صو
أما في قصائد أمي والأطفال وبابا وأمنيات المستقبل، فإن الشاعر يكرر الحروف والأسماء فيقول أمي. أمي
أمي. أمي
هي تطعمني
أمي. أمي
هي تلبسني
أمي. أمي
أو يقول: أطفال.. أطفال
أطفال.. أطفال
نلعب، نرقص، نضحك تحت ضياء الشمس
نسهر، نكتب، نرسم في صفحات الدرس
أحلاما أجمل من أمس
أطفال.. أطفال
أطفال.. أطفال
وإن كنا لانشجع على بعض السلوكيات التي تحدث عنها الشاعر بطريقة إيجابية ـ من وجهة نظره ـ مثل السهر في المقطع السابق.
ولاشك أن تكرار الأصوات والحروف في قصيدة الأطفال ـ بعامة ـ يضفي نوعًا من البهجة والحيوية على القصائد، ويشارك في تدريب حاسة السمع أو تدريب الأذن على سماع الأصوات والتفاعل معها والتفرقة بينها، غير أنه لا يجب التمادي أو الاندفاع في التكرار حتى لا يتحول العمل الفني إلى مجرد أصوات فارغة من المضمون أو المحتوى، وقد استطاع الشاعر علي الشرقاوي من خلال النماذج السابقة أن يحافظ على هذا التوازن بين تكرار الصوت أو الحرف والمضمون الفني والتربوي والتعليمي.
غير أننا نتوقف عند قول الشاعر في قصيدة "أطفال": نبني مدنا فوق الصخر
نزرع شجرا فوق البحر
ولعل الطفل الذي سيقرأ هذا المقطع سيتساءل: كيف يُزرع الشجر فوق البحر؟ وخاصة بعد أن تصور أو تخيل بناء المدن فوق الصخر. لاشك أن زراعة الشجر فوق البحر صورة شعرية جميلة، ولكننا نتعامل في مجال النص الشعري المكتوب للأطفال، أو في مجال أدب الأطفال الذي له شروطه وجمالياته ومقاييسه الخاصة التي تـحكـم توجـه الشاعـر الـفني، وأعـتقـد أن هـذه الصورة الشعرية (زراعة الشجر فوق البحر) ليس من السهل على الطفل أن يدركها، ويدرك ماترمي أو تهدف إليه، فالزراعة عند الطفل مرتبطة بالحقل وبالنهر، أما الزراعة (فوق البحر) فلن تمثل إلا غموضا في المعنى وعدم الفهم الذي ربما يسبب له خللا في استقبال النص كله.
###
أما مجموعة "شجرة الأطفال" فإنها تمثل نقلة نوعية في إنتاج الشاعر للأطفال، وهي تقف في الوقت نفسه موقفًا وسطا بين القصيدة الغنائية المفردة في المجموعات السابقة، والمسرحيات الشعرية التي كتبها الشاعر للأطفال، ففي هذه المجموعة يعتمد الشاعر على أكثر من صوت في النص، بل إنه يعتمد على صوت الطفل الواحد وصوت المجموعة.
احتوت هذه المجموعة على ست قصائد هي: الصديقتان، والطين، والقمر، ومدرستي، والزائر، والزورق. تنتمي القصيدة الأولى إلى قصائد السلوكيات حيث تتحدث القصيدة عن كيفية سلوك الطريق عند إشارات المرور: صديقتي
هل نقرأ الألوان في إشارة المرور
فإنها تقول في سرور
اضِيءُ في الأحمر قف
اضِيءُ في الأصفر هيا استعد
اضِيءُ في الأخضر سر
صديقتي
ما أسهل العبور
ثم تبدأ القصائد الحوارية، أو قصائد الأصوات فيتحدث طفل معين، وترد عليه مجموعة من الأطفال، أو طفل آخر أو طفلة، ثم مجموعة الأطفال، وعادة مايكون الرد إما تعليقا أو تكملة أو استفهاما لكلام الـطـفل السابـق. يـقـول الشاعر في قصيدة "الطين" ـ والمقصود به الصلصال: الصوت: هيا نلعب ياأصحابي
عندي طين
المجموعة: سندوِّرهُ
ونشكِّله
نخلا في أحلى تكوين
الصوت: هذا الطين
بين يدينا مثل عجين
يبحث عن كفٍّ ليلين
المجموعة: الأحمر
الصوت: نجعله عذقا
يتراقص بين عيون الناس
ولئن كانت القصيدة السابقة عن الطين أو الصلصال، فالقصائد التي تأتي بعد ذلك تكون عن القمر، وعن المدرسة، وعن الزائر، وعن الزروق. يقول في قصيدة "القمر": المجموعة: قمر
ما أجمله القمرُ
نورٌ في العالم ينتشرُ
طفلة: قالوا
ما أكثر ماقالوا
قمر الدنيا سوف يموت
ببطن الحوت
طفل: قلنا
ونكرر ماقلنا
ضوء الفرحة ليس يموت
في قصيدة "الزائر" يتحقق عنصر التشويق، فالقاريء أو المتلقي أو الطفل الموجهة إليه القصيدة، لايعرف من هو هذا الزائر الذي يتحدث عنه الصوت والمجموعة إلا في نهاية النص، وهذا الأسلوب أقرب إلى أسلوب "الفوازير" في حالة ماإذا قمنا بحذف الجزء الأخير والذي يتكشَّف فيه الأمر، ونعرف أن هذا الزائر ماهو إلا "الربيع" ولأهمية هذا العمل في مجال النص الشعري للأطفال، سنضعه كاملا بين يديء القاريء: الصوت: طقْ.. طقْ
المجموعة: مَنْ بالباب ؟
الصوت: أنا
المجموعة: من أنت ؟
الصوت: طفل في التربة مسجون
عاش لديها تسع شهور
ويدور.. يدور
المجموعة: لا نعرفه
لا نعرفه
لا نعرفه
الصوت: صوتي حلو مثل النهر
يتفتح في شفة الزهر
ويراقص طفل العصفور
المجموعة: لم نسمعه
لم نسمعه
لم نسمعه
الصوت: بين المرِّ أكون السكر
أين أطل يحل الأخضر
يملأ هذي الدينا نور المجموعة: أهلا بربيع الإنسان
أهلا بربيع البلدان
بالأحضان
بالأحضان
ولا شك أن مثل هذه القصائد الحوارية تسهم في إثراء المعرفة لدى الطفل المستقبل لها، فضلا عن إمكانية تمثيلها أو القيام بإلقائها مع مجموعة من زملائه وأصدقائه سواء في المدرسة أو خارجها، وهي بعامة تصلح لمرحلة الطفولة المتأخرة ( 9 ـ 12 سنة) وما بعدها.
في قصيدة ""القمر" التي سبق أن اقتطعنا جزءا منها، تقول الطفلة: قالوا
ما أكثر ماقالوا
قمر الدنيا سوف يموت
ببطن الحوت
هنا نعود مرة أخرى إلى حالة الغموض، وكيفية تصور الطفل للقمر الذي يموت ببطن الحوت، وأعتقد أنه ليس من السهولة بمكان أن يتخيل طفل هذه المرحلة كيف يموت هذا القمر في داخل بطن الحوت. إنه يحتاج إلى ربط أشياء كثيرة ببعضها البعض كي يتوصل إلى فهم أو إدراك هذه الصورة، عليه أن يتخيل بطن الحوت وظلمته ودخول القمر أو ضياء القمر إلى هذا البطن... وما إلى ذلك.
إن هذه العلاقات من الصعب على الطفل إقامتها، لذا فإن أسهل شيء يفعله هو أن يصرف نظره أو تفكيره عن هذا المعنى، وهو الشيء الذي سيكون ضد هذا العمل الشعري ومثيله.
ولكن بصفة عامة فإن مجموعة " شجرة الأطفال" لعلي الشرقاوي تعتبر بحق من أرقى ماكتب من شعر لأطفال هذه المرحلة المتأخرة، فهي تعودهم ـ من خلال ما تقدمه من حواريات ـ على السلوك والتفكير الجماعيين، والإنصات إلى آراء الآخرين، وحفز الطفل على التفكير والرد بطريقة مناسبة تنمي فيه استقلالية الشخصية واحترام ذوات الآخرين الذين يتحدثون معه في الموضوع نفسه، بالإضافة إلى اكتساب معلومات جديدة كانت في هذه المجموعة عن الطين (الصلصال) والقمر والربيع والزورق، وأعتقد أنه من المعلومات التي يكتسبها الطفل عن الربيع قول الشاعر ما معناه أن الربيع يغيب تسعة شهور عن الدنيا يكون خلالها: طفل في التربة مسجون
عاش لديها تسع شهور
ويدور.. يدور
وقد كان الشاعر موفقا في الصياغة الشعرية البسيطة والمعبرة لهذه المعلومة الجغرافية عـلى
الـرغم من الـخطأ الـنحـوي فـي قوله (تسع شهور) والمفروض (تسعة شهور) ولكن في هذه الحالة الأخيرة سينكسر الوزن الشعري.
###

وبالنظر إلى مجمل نصوص هذه المجموعات الشعرية الأربع للشاعر علي الشرقاوي سنجد أن أهم مايميزها تغني الشاعر ـ في معظمها ـ بالطبيعة وجمالها ومحاولة تقريبها للأطفال في مراحل عمرية مختلفة، وبخاصة التغني بالربيع والطيور والقمر والصباح والشمس والأشجار والنهار والألوان المختلفة والأزهار والنور والضياء والحقول والأنهار والأمواج والبحار والرياح والأمطار، وقد اختار الشاعر عناوين مجموعاته من مفردات هذه الطبيعة الساحرة، وعدا مجموعته الأولى "الأصابع"، نجده يختار العناوين التالية: قصائد الربيع، أغاني العصافير، شجرة الأطفال.
وهو بالإضافة إلى اختيار مـفردات الطبيعة، يـختار مـفردات أخـرى يـتعامـل معها الطفل بصفة مستمرة، وتشكل واقعا يوميا جميلا بالنسبة له، فبالإضافة إلى التغني بالأم والأب نجده يتغنى بالمقلمة والطين (الصلصال) والدمية والساعة والقلم والمدرسة وإشارات المرور الملونة... الخ.
ولئن كان الشاعر قد تحدث عن عيد الأضحى في قصيدة العيد بمجموعة الأصابع، فقال: حنِّيني يا أمي
هيا
فغدًا عيد الأضحى
والعالم يصحو مبتهجا
يغسل حزن الجرحى
ما أجمله
عيدا واحد
نهرا واحد
حلما واحد
يجمع أرض الفصحى
فإنه لم يكرر الحديث عن أعياد المسلمين، ولاعن أي مظهر إسلامي آخر في مجموعاته الأربع تلك، ولكن تحدث في أغانٍ عن عيد الميلاد، ويقصد به هنا عيد ميلاد الطفل ـ أي طفل ـ وليس عيد ميلاد السنة الميلادية، كما قد يتبادر إلى الذهن. يقول الشاعر: عام قد راح
فتعالوا نطفيء شمعته بين الأفراح
غنوا للفرحة يافتيات
غنوا للفرحة ياأولاد
فالليلة عيدٌ للميلاد
وأعتقد أن المجال مفتوح أمام الشاعر لكي يتحدث عن أعياد المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم بعد
أن ألمح بالحديث عن عادة محلية في قوله في القصيدة السابقة حنِّيني يا أمي.
أيضا المجال مفتوح أمام الشاعر لأن يتحدث للأطفال عن بطولات المسلمين وانتصاراتهم وفتوحاتهم العظيمة في شرق الأرض ومغربها، ومن الممكن أن يحدث هذا عن طريق القصائد الحوارية التي يكتبها الشاعر بإجادة تامة.
لقد احتوت هذه المجموعات الأربع على ست وعشرين قصيدة كلها من الشعر التفعيلي، كانت النسبة الغالبة فيها ـ من الناحية الموسيقية ـ لتفعـليتي الخـبـب (فعِلُن.. فعْلن) حيث وردت عشرون قصيدة من هاتين التفعيلتين بنسبة تقترب من 81 % من مجموع القصائد، بينما احتلت تفعيلة الرجز (مستفعلن ومشتقاتها) المرتبة الثانية، فوردت منها خمس قصائد، أما القصيدة الوحيدة المتبقية فقد جاءت من الـمتدارك الأصلي (فاعلن.. فعِلُن) وهي قـصيـدة أغـنـية الـصـباح (مجموعة قصائد الربيع) والتي سبق ورودها من قبل.
وقد لاحظنا أنه من بين هذه المجموعات الأربع يوجد مجموعتان شعريتان اعتمدتا بالكامل على تفعليتي الخبب، وهما المجموعتان: الأصابع وأغاني العصافير.
ولا شك أن اعتماد الشاعر على تفعيلتي الخبب بشكل أساسي يرجع إلى سرعة إيقاع هاتين التفعيلتين بطريقة تتناسب مع السن التي يكتب لها الشاعر وتوثبها وحركتها الدائبة التي لاتعرف الكلل ولا الملل. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية