الشارع العراقي... خط احمر

بقلم: جواد العطار

لا يخفى على المتتبع ان بريق التظاهرات في ساحة التحرير ببغداد كاد يخفت او يتلاشى مع تناقص اعداد المتظاهرين او ارتفاع سقف المطالب دون مبرر او تحول المطالب العامة الى شخصية، حتى اضحت ساحة التحرير متنفسا لكل من يعاني من امر ما؛ او له مطلب وبحاجة الى من يسمعه.

والامر وفقا لهذه الشاكلة كان جميلا لان ذلك هو ديدن النظام الديمقراطي في الحرية والتعبير عن الرأي دون قيد او شرط، لكن اعتقال اربعة من المتظاهرين وما رافقه من القصة المعروفة التي اتخذت اكثر من سيناريو، والسماح لتظاهرة اخرى في يوم الجمعة الماضي وبذات المكان ومنحها الاذن والاجازة بالتظاهر؛ ما شكل تناقضا بين اجازة مجلس المحافظة وما ذهبت اليه عمليات بغداد سابقا بتحديدها اماكن التظاهر بملعب الشعب في الرصافة او ملعب الزوراء في الكرخ؛ لتخالف تلك التظاهرة كل التوقعات وان كانت تحمل هدفا ساميا تمثل بمطالب التعجيل في تنفيذ احكام الاعدام بالارهابيين وسفاح الدجيل؛ الا ان جهات حكومية ارادت لها ومن ورائها اهدافا سياسية لم ترى بعين المتفحص انها قد تؤدي الى اطلاق شرارة فتنة او مصادمات بين فئتين من الشعب او قد تعيد الامر الى ما لا يحمد عقباه، فالانقسام بين كتلتي دولة القانون والعراقية واتجاههما الى الشارع وتقسيمه على اسس سياسية سيتيح للمتربصين بالديمقراطية والعملية السياسية من اعداء العراق الفرصة؛ كما انه قد يعيد تقسيمات عرقية ومذهبية ذهبت الى غير رجعة.

ان الجمعة الماضية اشرت مصادمات عصفت بين متظاهرين عراقيين في سابقة خطيرة تدق ناقوس الخطر والحذر من الشارع الذي يعتبر هذه الايام خطا احمر لعدة اسباب منها انه بحاجة الى التطمين لا التحشيد، لكن نهار ذلك اليوم لم يكد ينقضي حتى اخرج زعيم القائمة العراقية ما بجعبته ليعلن انه سيقف وراء متظاهري الفيسبوك بالدعم والمساندة بعد هجوم شديد اللهجة على شخص رئيس الوزراء وكتلته، ولم يكد ينقضي ذلك اليوم التصعيدي حتى اعلن حزب الدعوة برئاسة المالكي انه سيقيم دعوى قضائية ضد علاوي لانه وجه تهما باطلة وكاذبة بحقه... وكذا اعلنت العراقية التوجه الى القضاء ضد من استخدم الموارد العامة للبقاء في السلطة... ووفقا لهذا التصعيد فان يوم الجمعة الماضي ازال اللثام عن الحقائق التالية:

1. ان الحوار بين العراقية ودولة القانون وصل الى طريق مسدود.

2. ان مباديء الشراكة والتفاهمات والاتفاقات السياسية لم تتعد كونها حبرا على ورق.

3. ان التراشق والخلاف بين الكتلتين الاكبرين بدأ يتجه الى الشارع.

واذا كانت الحقيقة الاولى قابلة للنقاش لان لكل طرف في النظام الديمقراطي دور محدد بين سلطة (تمثلها دولة القانون اليوم) ومعارضة (موقعها شاغر الى الان) وممكن ان تملئه العراقية، فان الحقيقة الثانية ملزم بها الطرف الراعي للشراكة واتفاق اربيل والممثل بشخص السيد مسعود البرزاني المدعو اليوم الى لعب دور الوسيط؛ الشريك في حل الخلاف بين الكتلتين؛ اكثر من اي وقت مضى قبل ان يتحول ذلك الخلاف الى ما لا يتوقع نتائجه احد، وهو ما تؤكده الحقيقة الثالثة والقائمة على اتجاه الكتلتين الى تحريك الشارع.

ان التوجه الى الشارع في هذا الظرف الصعب خصوصا وان العراق مقبل على اكثر من تحد داخلي وخارجي؛ اقليمي ودولي؛ اهمها اقتراب موعد انسحاب القوات الاميركية نهاية العام الجاري، يحتم ترتيب اوراق البيت العراقي ولملمة شتاته السياسي بشكل يضمن انسيابية ذلك الانسحاب ونجاح العراق في الحفاظ على سيادته بقواه الامنية الحالية، وهو لا يحتاج بشكل اكيد الى بعثرة الاوراق او خلطها من خلال التوجه الى الشارع الذي لا يضمن اي طرف مدى قدرته السيطرة عليه او توجيهه بموضع يخدم الهدف من اللجوء اليه تحديدا دون غيره، وبالتالي فان انفلاته لا سامح الله؛ او توجهه بصورة مشابهة الى ما يحدث في اليمن مثلا؛ قد يعيد الذاكرة الوطنية الى الاطراف المتنازعة ويجعلها تفكر مليا في خطوات اكثر عقلانية بعيدة عن شخصنة الصراعات قريبة من عقلنتها وضبطها من خلال طاولات الحوار السياسي الهادئ التي تعيد لحكومة الشراكة او الاغلبية؛ ايا كانت؛ هيبتها... وللكتل السياسية دورها ومكانتها... وللوطن امنه واستقراره.

جواد العطار