السينما العراقية إلى أين؟

مسارات قلقة

تمتد السينما العراقية إلى العشرينيات من القرن الماضي كإنتاج وقاعات عرض, واستمرت بخطى بطيئة لكن واثقة لأن المعنيين بصناعتها عزموا جهدهم لتطويرها بما يتلاءم مع التطور الثقافي لبلد مثل العراق، علّم البشرية الكتابة وتأسست فيه الدول والانظمة الحاكمة بالتشريعات والقوانين التي تنظم الحياة, وبقايا الآثار توضح عمق وتطور هذه الحضارات العامرة بالثقافة والعلم.

أول عرض سينمائي عراقي (سينما توغراف) في العراق ليلة الأحد 26 يوليو/تموز 1909 في دار الشفاء في الكرخ، وأول دار سينما أنشئت في العراق في 5/9/1911 وهي سينما البلوكي في ساحة الميدان. وبعد ذلك سينما سنترال 1920, الوطني 1927, رويال 1929, ثم الزوراء والرشيد والحمراء, ثم الهلال 1932 مع جناح خاص للعائلات, روكسي 1932, غازي 1937, ثم تاج الصيفي وديانا, النجوم 1947, ثم مترو والفردوس وهوليوود, ثم الخيام, فيصل, ريجنت في الخمسينيات, ثم النصر, السندباد, سميراميس, أطلس, بابل في الستينيات.

حاليا بقيت 4 دور سينما مهترئة في بغداد, سميراميس, الخيام, السعدون, النجاح وأغلقت جميع الدور في البصرة والموصل.

في 19/2/1931عرض أول فيلم ناطق في سينما الوطني وهو فيلم "ملك الموسيقى". وفي عام 1943 أسست اول شركة لانتاج الافلام والتي عرفت بـ "شركة افلام بغداد المحدودة"، أبرز مؤسسي هذه الشركة هم: مهدي البصام (تاجر) وحسن حسني (ملاك) وناصر نعيم (تاجر وصاحب معمل)، برأسمال قدره 15 الف دينار طرحت منها للاكتتاب 12,600 سهم وحدد سعر السهم ديناراً واحداً، لكن الشركة فشلت في انتاج الافلام السينمائية، ولم ينجح الانتاج السينمائي في عمل الافلام في العراق فاستمر مستورداً لها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

أول فيلم عراقي انتج عام 1946 وهو الفيلم العراقي المصري المشترك "ابن الشرق"، واول فيلم عراقي ملون انتج عام 1962 وهو فيلم "نبوخذ نصر"، وأقصر فيلم عراقي هو فيلم "ادبته الحياة" 1958 ومدته 35 دقيقة. وأطول فيلم عراقي "المسألة الكبرى" 1983 ومدته 170 دقيقة. وأاول مؤسسة حكومية سينمائية عراقية أنشئت عام 1959 "مصلحة السينما والمسرح".

السينما الفن السابع الذي وجد فيه الجمهور متعتهم وفائدتهم في مراسيم فرحهم وجميعنا نتذكر كيف كانت أفواج من الناس تقف على شبابيك بائع التذاكر للحصول على بطاقة الدخول للفليم السنمائي كأفراد وعوائل. الافلام العربية المثيرة: نغم في حياتي، أبي فوق الشجرة، وكومديا بود سنبنسر وتران سهيل وغيرها. المهم كان هنالك مجتمع يتابع بشغف ومن شتى الطبقات المثقفة وغير المثقفة. وهذا الباب الشرقي شهد الكثرة والنوعية من قاعات العروض السينمائية وحملت أسماء تأريخية مثل الخيام، والسندباد، وغرناطة، واطلس، والنصر، وبابل، وبقية القاعات في المدن والمحافظات.

والسؤال هنا هل كان الجمهور آنذاك مثقفا وواعيا أم كانت هذه الاداة الثقافية هي المتنفس الوحيد بعد التلفاز؟

الجواب الاثنان معا الوعي والحاجة، لكن لما اختفت قاعات العرض بشكل ينذر بالكارثة وغدت من سينما الجماهير العامة الى سينما النخب حيث العروض الخاصة وفي مواسم محددة. هل السبب الدولة كراعي للثقافة والناس أم المعنيون بحرفة السينما؟

في كل الحقب السياسية السابقة كان هناك اهتمام ملحوظ وان كان بسيطا لكن الانتاج موجود بغض النظر عن جودته وعلى سبيل المثال لا الحصر: نبوخذنصر، عمارة 13، الظامؤن، الملك فيصل، الاسوار.

اذن ما أسباب هذا التدهور المريع؟

1- عدم الايمان بصناعة السينما كأدة فنية فاعلة في عملية النهوض بالمجتمع من خلال المعنيين في الثقافة، بدليل عدم تخصيص المبالغ اللازمة بل وعدم وجود التخطيط الاني والمستقبلي لها.

2- فقدان روح المبادرة والحماس عند المعنيين في الشأن السينمائي الاكاديمي والانتاجي والوظيفي، مع وجود بعض الاستثناءات التي تعد على اصابع اليد. ومنهم د. طه الهاشمي استاذ قسم السينما في كلية الفنون الجميلة، وبعض الطلبة المهتمين بهذا النشاط. ومبادرات فردية للدكتور طارق الجبوري. واسقاط فرض من بعض المؤسسات السينمائية الحكومية.

3- اندثار بل اجتثاث للقاعات السينمائية العراقية والتي هي جزء من تاريخ العراق الحضاري والمعماري. ويبدو هنالك خطط ممنهجة للقضاء على إرث هذا البلد والذي بدأه البعض بعد الغزو الاميركي للعراق الى التدمير الداعشي لحضارة وادي الرافدين في الموصل وصلاح الدين.

4- ضعف القدرات التقنية الموجودة، وعدم وجود استوديوهات لانجاز الاعمال السينمائية، نتيجة فقر البنى التحتية للسينما العراقية.

السينما مرآة للمجتمع، تعكس ما فيه من ازدهار أو تدهور، ولا تستطيع النهوض إذا كان المجتمع يعاني من كبوة. والسينما والمجتمع متواكبان حالياً، كلاهما متدهور الحال، فالثقافة والبحث العلمي والتكنولوجيا والأفكار المجتمعية، كل ذلك يشكو من التدهور والانحلال، ولا يمكن أن ينهض أي عنصر بمفرده، من دون باقي العناصر الأخرى. فإذا كان المجتمع متعلما ومثقفا سيرفض نوعية الاهمال المقصود لهذا المرفق المهم، وسيضطر المسؤولون عن الثقافة مراعاة الذوق المجتمعي والعمل على تطويره.

القلق الآن هو كيف يمكن أن تعود السينما العراقية لحيويتها وحضورها الاجتماعي؟

الحل يكمن في أن نؤمن بأهمية الفن السينمائي كثورة فكرية هائلة تؤدي في حالة صناعتها ودعمها بشكل إيجابي إلى خلق أجواء صحية راقية في الحياة.

السينما مدرسة حياتية مرئية، تمنحك أن ترى الواقع برؤية جمالية واقعية وأسلوب مؤثر من خلال القصة والاخراج والممثل، وبقايا أدوات السينما.