السينما الجزائرية مازالت مستعمرة فرنسية

'سنوات الدم' محفورة في السينما الجزائرية

الجزائر – اعتبرت السينما الجزائرية منذ ولادتها في ذروة الحرب على الاستعمار مكملة للثورة التحريرية ولا تمر سنة واحدة دون رصد افلام تؤرخ لهذه الذكرى وتمجدها، في حين توجه لها اصابع اللوم على اغفالها في كثير من الاحيان لاهتمامات ومشاكل الجزائريين وانشغالها عن معاناة الشعب الجزائري الذي يشتكي من نيران البطالة والفقر في الدولة الغنية بالنفط.

وارتبطت الأعمال السينمائية الجزائرية بقضايا تاريخية وسياسية تتعلق في المقام الاول بالتحرير والنضال.

واعلن عيسى راس الماء رئيس مخبر "الأفلام الثورية في السينما الجزائرية" بجامعة وهران، انه يسعى إلى جمع وأرشفة الأعمال السينمائية المنتجة حول ثورة التحرير قبل وبعد الاستقلال.

واشار النقاد الى ان ميلاد السينما الجزائرية أو "السينما المناضلة" ارتبط بمرحلة "سنين النار" بعد ان اشتعلت نار المواجهة إبان تحرير الجزائر. وانخرطت في هذا المخاض الذي اسفر عن استقلال البلاد. وجسد هذا المسار اول عمل سينمائي جزائري "الغطاسون" للطاهر بنحناش واسماء اخرى مثل أحمد راشيدي وجمال الدين شندرلي وفيلم "ياسمينة" و"صوت الشعب" و"بنادق الحرية" لمحمد لخضر حامينة.

وقام المخبر بمراسلة مركز الأرشيف لسينما إفريقيا السوداء بفرنسا، للحصول على نسخ من الأفلام الكولونيالية التي تصور بشاعة الاستعمار الفرنسي، والجرائم التي ارتكبها في حق الشعب الجزائري.

وقد تعزز المخبر بناد سنيمائي يجسد مشروع خاص بتصوير أفلام قصيرة حول ثورة التحرير الجزائرية.

وتركّز وزارة الثقافة الجزائرية التي تتحكّم في صندوق الدعم السينمائي، على تمويل الأفلام التاريخية تحضيراً لكل مرة للاحتفالات الرسمية باستقلال الجزائر.

واستنفذ الجزء الأهم من ميزانية القطاع العام للسينما في الجزائر خلال السنتين الماضيتين، في مشاريع ضخمة تتحرّك فوق أرضيّة مكرّسة سلفاً، من بينها الفيلمين التاريخيّين "مصطفى بن بولعيد... أسد الأوراس" لأحمد راشدي، و"خارجون على القانون" لرشيد بوشارب.

وتحظى السينما التاريخية في الجزائر بنصيب الاسد من الانتاجات الفنية التي لا تخاطب الجمهور الجزائري في الصميم ولا تتناول مشاغله ومشاكله بعين فاحصة ومدققة بل تمر عليها مرور الكرام.

واعتبر المخرج مؤنس خمار الذي نال شريطه "المسافر الأخير" جائزة "أفضل فيلم عربي قصير" في "مهرجان أبو ظبي السينمائي" في وقت سابق ان السينما الجزائرية تبحث عن انطلاقة جديدة بعدما عانت تبعات سنوات الدم في فترة الاستعمار و التسعينيات".

وقال المخرج الجزائري أحمد راشدي إن السينما في بلاده ما زالت "تجريبية"، منتقدا غياب الإرادة الحكومية لإنتاج فيلم "يشرف" الجزائر في المحافل الدولية.

وأضاف "أفلامنا لا تصل إلى التلفزيون الجزائري، ولا إلى القنوات العربية، يجب تطبيق قانون الاستثناء الثقافي المعمول به في أوروبا والذي يفرض على كل القنوات تخصّص 40 بالمائة من وقت البث للأفلام الأوروبية".

وقال راشدي "يجب التخفيف من الأعباء الإدارية على الإنتاج السينمائي، نحن نضطر لاستصدار 11 وثيقة إدارية كل أسبوع، وهو شيء متعب جدا، هناك إعفاء بالنسبة لتجارة البطاطا ولا يوجد إعفاء جمركي لمجال الإنتاج السينمائي في الجزائر، كما أن الميزانيات التي تخصص للأفلام غير كافية".

متى تسترجع هويتها العربية؟

وتعاني الأعمال السينمائية الجزائرية بإجماع المختصين الى جانب الخلل في المضمون من معضلة اللغة.

وقالت الإعلامية والمخرجة السينمائية الفلسطينية مريم حامد إن فكرتها عن السينما الجزائرية والمرسخة لدى غالبية الجماهير المشرقية هي أنها متأثرة بالثقافة واللغة الفرنسية، ودعت إلى ضرورة أن تسترجع السينما الجزائرية هويتها العربية.

ويطالب مختصون في المجال الفني بضرورة التأسيس لمادة تدرس في معاهد التمثيل تختص بكتابة الحوار والاتفاق على لغة موحدة للسينما الجزائرية.

ويتسائل بعض النقاد "نشاهد أعمالاً فنية في التلفزيون او السينما الجزائرية، لا نفهم هل هي عربية أو شاوية أو قبائلية لا نعلم أين نصنفها، رغم أن السينما في حد ذاتها لغة، فمازالنا نجهل الى حد الان بأي لغة تنطق السينما الجزائرية هل بالعربية الفصحى أم بالدارجة أم اللغة الثالثة أو البيضاء".

ويعتبرون ان اللغة في حد ذاتها تمثل عائقا امام انتشار وتوسع السينما الجزائرية وتحد من رغبتها في التمدد على الصعيد العربي والدولي.

واعتبرت حامد أن ما يقدم حاليا في الجزائر لا يعبر فعليا عن واقع الشارع الجزائري، ناصحة زملاءها المخرجين بـالابتعاد عن تبعات الاستعمار السابق والثقافة الغربية".

وتعتبر اللهجة الجزائرية صعبه جداً لانها مزيج من اللهجات المحلية الامازيغية والبربرية والفرنسية والعربية.

"العربية في خطر"، "انقذوا لغتنا الام"، "عقد تاريخنا العربي الاصيل ينفرط تدريجيا"... صيحات فزع تطلقها النخبة المثقفة في الجزائر التي تحولت فيها لغة الضاد الى ضيف ثقيل الظل والفرنسية الى صاحبة البيت المكرمة والمبجلة.

وتقول المادة الثانية من قانون تعميم إستعمال اللغة العربية في الجزائر "إن اللغة العربية مقوم من مقومات الشخصية الوطنية الراسخة، وثابت من ثوابت الأمة يجسد العمل بها مظهرا من مظاهر السيادة وإستعمالها من النظام العام".

وحذر الباحث الجزائري بومدين بوزيد من مخاطر ازدواجية اللسان على الاستقرار الإجتماعي بما يعد لصراعات تمزق المجتمع مستقبلا، مشيرا إلى أن الخطر آت من تحلل بنية المجتمع والتمزق النفسي والقيمي في الجزائر، والذي يتم تفسيره دائما من منظور نفسي أو سياسي، لكن التفسير من منظور لغوي لازال غائبا.

وسجلت اللغة العربية في الجزائر إنتكاسة خطيرة في العشرية الأخيرة، فمناهج التعليم التي تبنتها المنظومة التربوية التي وقع إصلاحها بعد 1999، قزمت العربية بشكل رهيب ووضعت اللغة الفرنسية في مكانة مرموقة بحيث يبدأ التلميذ الجزائري تعلم اللغة الفرنسية مباشرة بعد سنته الأولى الإبتدائية.

واعتبر رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن العربية عثمان سعدي بمداخلته أن الأزمة اللغوية بالجزائر تكمن في هيمنة الفرنسية على كل نواحي الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية بالبلاد، بينما يتم تشويه العربية اللغة الرسمية للبلاد، وهو "ما أدى إلى فشل منوال التنمية".

وتعتبر الجزائر البلد العربي الوحيد الذي تستعمل في مقرراته الرسمية لغة اجنبية غير لغته الرسمية فالاجتماعات الوزارية والتخاطب بين المسئولين أصبح باللغة الفرنسية حتى لافتات المحلات بلغة عاصمة الانوار، بل اعضاء الحكومة انفسهم كثيرا ما يستعملون الفرنسية لمخاطبة شعب يعاني شق منه من الامية.

واعتبر الفنان الجزائري موسى حداد الذي بدأ مسيرته السينمائية مساعدا للمخرج الإيطالي غيلو بونتيكورفو في فيلم "معركة الجزائر"، و"نزهات الموت في لاريدو" ان فرنسا تركت البصمة الاكبر في الجزائريين متفوقة بذلك على الحضارات الفينيقيية والرومانيية والتركية.

اعداد: لمياء ورغي