'السيميائيات' في عدد خاص من 'عالم الفكر'

كتب ـ السيد نجم
سيميائيات التلقي

تعتبر "العلامة" جوهر إبداع الإنسان، فالإنسان كائن رمزي، حيث يمكن القدرة على إحالة المعطى المباشر بتفاعله والفعل فيه، وتحويله أو إعادة صياغته، حسب غايات أخرى، جديدة ومتجددة. وهو الكائن الوحيد بين الموجودات القادر على أداء تلك المهمة.
كما أن ابتكار الإنسان للأداة، أدى إلى انفصاله عن الموضوع، مثل "اللغة" التي شكلها من مجموعة الأصوات، وأصبحت أداته في إنتاج وتوصيل أفكاره، وضبط علاقاته مع غيره، من خلال سن القوانين والاحتكام إلى الشرائع والأعراف، وغير ذلك، لم يكن ليتحقق لولا قدرة الإنسان على ما تمده به الطبيعة والحواس، وخلق عوالم أخرى غير تلك التي يراها بعينيه.
إذن السلوك "السيميائى" هو السلوك الذي تجاوز ردود الفعل الغريزي (وهى المشتركة في كل الكائنات، أعنى السلوك الغريزي)، حتى أنه خلق ما هو غير طبيعي ولا مرئي، وتحدث عنه وأصبح جزءا من ثقافته، كما في (الغول وجزر ألواق ألواق) تلك التي باتت رمزا أو علامة.
لعل أقرب الأمثلة للعلامة، فيما تقدمه "العين" من وظيفة الإبصار (وهى وظيفة بيولوجية في كل الكائنات)، بينما تتحول وظيفة العين إلى دلالات أخرى، عندما "تغمز". هنا تتولد معان أخرى مرتبطة بسقف ثقافي يشير إلى دلالة معينة (وتصبح الغمزة سلوكا سيميائيا).
وأيضا "العلامة" تصبح "أداة" في الكشف عما في النفس البشرية، لكن هذا الإحساس المتولد، كما في غمز العين، هو إحساس انفعالي، غير مرئي، ويصبح مرئيا أو مكشوفا عندما نجزأه إلى وحدات مثل "الهوى"، "الشعور"، "الميل"، "الحب"، حيث كل وحده تحيل إلى جملة من السلوكيات، وهو ما استطاع علم النفس تحديدها وتوصيفها.
عبر "أرسطو" بوضوح وببساطة عن حالات الترميز، التي قادت الإنسان إلى التميز بين الصالح والطالح (مثلا) وهى فوارق لا تأتي إلا من خلال الكلام. فالصوت قادر على التعبير والتفريق بين الألم والفرح، وهي عند الإنسان كما الحيوان، لكن "الكلام" وحده يميز بين الصالح والطالح. حتى أن إنسانية الإنسان مشروطة باللغة، فيها التواصل وتراكم المعارف، ثم انتقالها.
فالألفاظ دالة على المعاني التي في النفس، والحروف المكتوبة بها دالة على اللفظ، لكن الحروف مختلفة الشكل (الخط) وكذلك التعبير عنها صوتا "اللفظ"، بين جماعات البشر، لكن الحالات الوجدانية مشتركة بين الجميع.
وبذلك حدد أرسطو أول خاصية للسان، الذي هو العرف الثقافي واللغوي، وكل الأشكال الرمزية التي أنتجها الإنسان، وحفظ داخلها خبرات حياته.
بذلك أعطى أرسطو الحدود المكونة للعلامة: "الكلام"، و"الأشياء"، و"الأفكار".. فالأشياء هي ما تراه الحواس، والأفكار هي أداة التعرف على الأشياء، والكلام هو الأصوات التي تخبرنا عن الأفكار.
وتوالت الإضافات والتنويعات على المعطى الأرسطي للعلامة. فقال الرواقيون، بالتميز بين ثلاثة عناصر في وجود كل علامة، وهى: مضمون العلامة، والعلامة، وما هو موجود فعلا. ثم ميزوا فيما بعد بين ما هو نفسي وغير النفسي (والنفسي صورة مجردة عن الشيء).
كما أدلى القديس أوغسطين بدلوه، بما يعنى أن الفكر والمعرفة هو بناء يعود إلى سلطان الله، وأداة التوصيل لهذه المعرفة هي اللفظ أو اللغة. فما هو متحقق في اللفظ ليس سوى صورة لما هو موجود في ملكوت الله.
وهي نفسها القضايا التي ناقشها الفكر اللغوي العربي، فوضع اللغة وطبيعتها وعلاقاتها بعالم الأشياء وعوالم الفكر، هي المدخل إلى فهم الدلالات وتصنيفها.
هكذا شاع بين اللغويين والأصوليين الفلاسفة وفقهاء اللغة أن الأشياء متعددة الوجود: موجودة في الأعيان، وموجودة في الأذهان، وموجودة في اللسان. وكل وجود له آلياته وطبيعته الخاصة.
أما وقد اتخذت مظاهر المعرفة السيميائية الحديثة شكل علم مستقل، على يد فردينان دو سوسير، وشارل سندرس بورس، فقد تعدد المناحي وتنوعت.
وقد عرض العدد الخاص من مجلة "عالم الفكر" الكويتية، العدد 35 المجلد 3، مجموعة من الدراسات الهامة حول "السيميائيات".
"السيميائيات: النشأة والموضوع" د. سعيد بنكراد، "السيميائيات التأويلية وفلسفة الأسلوب" د. أحمد يوسف، "العلامة والرمز في الفلسفة المعاصرة" د. الزواوى بغوره، "أوليات منطقية رياضية في النظرية السيميائية" د. محمد مفتاح"، "يورى لوتمان.. مدرسة تارتو - موسكو وسيميائية الثقافة والنظم الدالة" د. عبدالقادر بوزيدة، "في سيميائيات التلقي" د. المصطفى الشاذلي، "سيميائية الأهواء" د. محمد الداهي، "سيميائيات التواصل الفني" د. الطاهر رواينية، "سيميائيات مدرسة باريس" د. محمد بادي.
وقد خلصت هذه الأبحاث والدراسات في مجملها إلى أن "السيميائيات" ثورة معرفية، فقد كان تأثيرها كبيرا بحيث تخطى الحقل الإنساني إلى مجالات معرفية أخرى، بداية من الأنثروبولوجيا إلى النقد الأدبي، والتحليل النفسي. كما لعبت ثورة الاتصالات دورها في تطوير "السيميائية"، وهو ما برز في مجال الإعلانات التجارية.
وفي مجال البحث عن دلالتها، سئل أمبيرتو ايكو، عن الدور الذي تلعبه السيميائيات في النضال ضد العنصرية والكراهية. فأجاب جوابه البسيط "إن كلمة (أرنب) الفرنسية (لابين) ليست سوى كلمة ضمن آلاف الكلمات المنتمية إلى لغات أخرى، تستعمل هي أيضا من أجل الإحالة إلى الشيء نفسه في العالم الخارجي. إن العالم الذي نطلق عليه صفة الإنساني ليس كذلك إلا في حدود إحالته إلى معنى ما."
كما تشككت إحدى الدراسات في كون سوسير، وبيرس، هما مؤسسا "السيميائية". حيث أن الفلسفة المعاصرة بمختلف تياراتها أسهمت في عملية التأسيس. بحيث أحيلت اللغة في الفلسفة المعاصرة إلى العالم وإلى حياة العلامة في الحياة الاجتماعية، وإلى وظائفها واستعمالاتها المختلفة، مما فتح آفاق واسعة أمام عمليات التأويل المختلفة. السيد نجم abnegm@gmail.com