السيسي يحمل رسالة واضحة لباريس: نحن من يكتوي بنار الأزمة في ليبيا

ربما يفوت الوقت قبل التنبه للحقيقة كما هي

.باريس - تستقبل فرنسا الأربعاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يعتبر طرفا اقليميا هاما رغم الانتقادات الموجهة اليه على صعيد حقوق الانسان، في زيارة تستمر يومين وتهيمن عليها المسائل الامنية ولا سيما الأزمة الليبية.

ويقوم السيسي الذي يصل الى باريس قادما من ايطاليا، بجولته الاوروبية الاولى منذ إطاحته بالرئيس الإخواني محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، ثم فوزه الساحق في الانتخابات الرئاسية في ايار/مايو.

ويقول مراقبون إن باريس ما تزال تعتبر السيسي "شريكا استراتيجيا" لا يمكن الالتفاف عليه كما اكدت روما، وممثلا لـ"بلد كبير وشريك كبير لفرنسا".

وقال مصدر في قصر الاليزيه "نعم، اننا نعتبر السيسي شرعيا.."، واشار إلى وجود "كثير من المآخذ" سيتم التطرق اليها خلال اللقاء المقرر ظهرا بين الرئيس المصري مع الرئيس فرنسوا هولاند، وهي "مآخذ" تبلغت بها باريس من جانب واحد دعائي لتنظيم الإخوان المسلمين ـ كما يقول مراقبون ـ الذين يضيفون أن حضور السيسي إلى باريس والاستماع الى وجهة نظره مباشرة سوف يغير الكثير من المواقف الفرنسية مما يحصل في مصر، كما حدث مع كثير من العواصم الغربية التي تفهمت أخيرا وبوضوح أنه لا يمكن فهم "الوضع المصري وتعقيداته من على الربوة، ومن بوابة بعض الدعايات الحقوقية المغرضة".

ولن تكون السياسة الداخلية لمصر التي تخوض صراعا شرسا مع المنظمات ارهابية من بينها جماعة الإخوان المسلمين، في صلب المحادثات التي تهيمن عليها قضايا الامن الاقليمي والمسائل الاقتصادية.

ويأتي الوضع المتفجر في ليبيا والمخاطر التي يطرحها على المنطقة برمتها في طليعة مصادر القلق المشتركة للبلدين، مع اختلافات في وجهات النظر حول الطريق الواجب اتباعه للخروج من الازمة.

واوضح مصدر حكومي فرنسي ان "المصريين يعتبرون عن حق اننا نتحمل مسؤولية خاصة.. لديهم انطباع بانه لم يتم الاخذ برأيهم عام 2011 حين حذروا من مخاطر تدخل غربي، وياملون ان يتم الاخذ برايهم اليوم.. يرون انه ينبغي التدخل مجددا في ليبيا..".

لكن لدينا شكوك حول امكانية تسوية هذه الازمة بالقوة وحدها".

ويقول محللون إن مصر هي الأقرب جغرافيا للأزمة في ليبيا وهي الأقدر على تفهم خصوصية الوضع الليبي الذي يؤثر بشكل مباشر على امنها القومي كما لا يؤثر على أي بلد آخر لاسيما بعد ان ثبت أن الإرهاب المنتشر في ليبيا والمتنامي بشكل خطير يشكل رافدا اساسيا للإرهاب الذي يتحدى هذه الأيام امن مصر واستقرارها.

وتتقاسم مصر التي تخوض هي نفسها صراعا مع مجموعات جهادية في شمال سيناء، حدودا مشتركة مع ليبيا تمتد على طول الف كلم، وهي تواجه خطرا مباشرا جراء الفوضى التي تعم هذا البلد منذ سقوط العقيد معمر القذافي عام 2011.

وتدعم القاهرة البرلمان الليبي المنتخب الذي يتخذ مقرا له في مدينة طبرق (شرق) في وجه المجموعات والميليشيات الاسلامية المنتشرة في ليبيا. لكن الدعم هو معنوي اساسا ولأسباب مبدئية تتعلق بدعم الشرعية التي كثيرا ما صدع بها العالم الغربي الرؤوس.

وحتى الاتهامات بمساهمة مصر في قصف جوي زعم ان دولة الإمارات هي من نفذه فقد تم تفنيد هذه التهم الباطلة من اساسها حتى من خصوم الحكومة الشرعية والذي يفترض انهم مستهدفون بالهجمات.

ويزيد تصريح رئيس الوزراء الليبي عبدالله الثني الذي اعلن بوضوح ان القصف تنفذه القوات الجوية الليبية من كشف بطلان هذه المزاعم نهائيا.

وومن جهتها، ومن دون ان تؤكد باريس هذا التدخل الجوي المباشر، حذرت من "مبادرات خارجية" من شأنها ان "تعقد الوضع اكثر"، مقرة في الوقت نفسه بـ"رهان امني مباشر" لمصر في ليبيا.

ويقول المحللون إن الحديث الفرنسي عن "تدخل" خارجي في ليبيا مردود على باريس التي تدخلت هي نفسها في ليبيا كما تدخلت في افريقيا تبعا لمصالح لا تدعمها تحليلات معمقة للواقع الشيء الذي جعل من هذه التدخلات أشبه بالتحركات الفوضوية مادامت باريس قد اشعلت حروبا بدعوى نصرة حقوق الإنسان ومقاومة الإرهاب لكن النتيجة النهائية لحروبها تبدو عكسية تماما وكارثية.

ويضيف هؤلاء أن الأخطر من ذلك أن ما تعانيه ليبيا اليوم من فوضى هو بالمحصلة نتيجة مباشرة لحماسة باريس الزائدة عن اللزوم عندما هبت للانقضاض على نظام هذا البلد الشمال إفريقي دون استراتيجية واضحة المعالم لما بعد سقوطه، الأمر الذي يجعل الفشل في ليبيا هو تقريبا فشل استراتيجي فرنسي واضح في فهم طبيعة الأوضاع الليبية وفشل الاحتمالات الممكنة وربما في شمال افريقيا بأكملها.

وقال المصدر في الاليزيه "اننا بحاجة الى الاتفاق حول ليبيا حيث لا يمكننا الاستغناء عن حلّ سياسي".

لكن حتى الحديث عن فرضية الحلّ السياسي أصبحت بمثابة حق يراد به باطل خاصة أمام ما اصبحت عليه الأوضاع. فقد حدثت انتخابات انهزم فيها الاسلاميون وانبثق عنها برلمان وحكومة شرعيان اعترف بهما العالم كما ان الجهات الاسلامية المنهزمة والمتمرسة اليوم وراء المليشيات المتشددة قد تظاهرت في البدء بقبول النتائج قبل ان تنقلب على الشرعية وتختار الحل العسكري في اغتصاب السلطة، ثم هاهي اليوم ترفض التفاوض على الاساس الذي حدده رئيس الوزراء الليبي عبدالله الثني بالتخلي عن استخدام السلاح وإخراج المليشيات العسكرية من طرابلس وتخليها عن السلاح إضافة الى الاعتراف بالمؤسسات الشرعية في البلاد.

وتشكل المسائل الاقتصادية شقا اخر مهما من هذه المحادثات في وقت تعتزم القاهرة تنظيم مؤتمر اقتصادي دولي في الفصل الاول من العام 2015 لتحريك عجلة اقتصادها المنهار. وسيلتقي الوفد المصري صباح الخميس ممثلين عن ارباب العمل الفرنسيين.

غير ان الملفات الكبرى الآنية ستبحث بين السيسي ومحاوريه الفرنسيين في جلسات مغلقة.

ووقعت شركة دي سي ان اس الفرنسية لبناء السفن في مطلع الصيف عقدا بقيمة مليار يورو مع مصر لتزويد البحرية المصرية باربع سفن كورفيت من طراز "غويند" وقال المصدر الحكومي الفرنسي بهذا الصدد ان "هذا المشروع يفتح ابوابا لانه يثير ايضا الكثير من الاهتمام لدى دول الخليج"، مضيفا انه سيتم التطرق خلال المحادثات الى امكانية شراء سفينتين اضافيتين.

كما اورد المصدر انه يجري البحث في تجديد الاسطول المصري من الطائرات الحربية من طراز ميراج 2000.

وبعد حفل الغداء الذي سيجمع السيسي مع هولاند سيتم توقيع عقود تتعلق بمترو القاهرة ومع وكالة التنمية الفرنسية.

وطالبت منظمة العفو الدولية فرنسا في بيان صدر الثلاثاء بتعليق جميع عمليات تسليم الاسلحة الجارية بسبب الوضع "المقلق" لحقوق الانسان في مصر.