السيستاني يعمق البعد الطائفي للاحتجاج ضدّ تدخل الجيش التركي

أين نفس الموقف من إيران؟

بغداد - شجب المرجع الشيعي الكبير اية الله علي السيستاني في خطبة الجمعة دخول قوات تركية الى العراق دون موافقة الحكومة المركزية، وطالب بـ"احترام سيادة" العراق وتطبيق القوانين الدولية.

ويقول مراقبون إن هذا الموقف الذي أعلنه السيستاني يعمق الخلفية الطائفية للاحتجاجات الرسمية العراقية ضد تدخل الجيش التركي في العراق، وهو تدخل كانت مصادر عراقية سنية قد قالت بشأنه في وقت سابق أنه تمّ بالاتفاق مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري.

وقال احمد الصافي ممثل المرجع السيستاني في خطبة الجمعة من مدينة كربلاء جنوب بغداد "ليس لأي دولة ارسال جنودها الى اراضي دولة اخرى بذريعة مساندتها في محاربة الإرهاب مالم يتم الاتفاق على ذلك بين حكومتي البلدين بشكل واضح وصريح".

وأضاف "هناك قوانين ومواثيق دولة تنظم العلاقة بين الدول واحترام السيادة بين الدول، وعدم التجاوز على اراضيها".

وتشهد العلاقات بين بغداد وانقرة توترا متصاعدا بسبب نشر تركيا مئات الجنود والدبابات الاسبوع الماضي في بعشيقة قرب مدينة الموصل، شمال العراق.

ويقول محللون إن لا أحد يمكن أن يلوم أي جهة عراقية تندد بالتدخل التركي في بلدها، في انتهاك واضح لسيادته، لكن المريب في الأمر أن تتصاعد حدة الانتقادات فجأة بعد أعوام من الانتهاك الممنهج لسيادة العراق من أكثر من دولة ـ بينها تركيا ـ أبرزها ايران والولايات المتحدة.

وكان السيستاني نفسه قد بارك التدخل الأميركي في العراق واحتلاله في العام 2003 بدعوى "تحريره من نظام صدام حسين"، وهو تدخل عادت دوائر غربية لتقرّ بانه بني على معلومات ملفقة عن حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل، ولتعبر عن ندمها لأن هذا التدخل هو الذي جلب في النهاية للعراق وللمنطقة تنظيما إرهابيا بدموية تنظيم الدولة الإسلامية المستنسخ أصلا من تنظيم القاعدة.

وافتى السيستاني خلال هذه الحرب للعراقيين بعدم تقويض جهود الدول الغربية وإيران في الحرب لـ"تحرير العراق" من نظام صدام بينما كانت دول عديدة عبر العالم تؤكد أن التدخل لم يكن شرعيا مطلقا لا سيما وانه اتخذ بعيدا عن اروقة مجلس الامن بعد ان هددت فرنسا باستخدام حق النقض ضد اي قرار بإعلان الحرب على العراق.

وذكر ممثل السيستاني بأن "المنطقة تشهد مخاطر عديدة واهمها خطر الإرهاب (...) لزاما على دول المنطقة تنسيق خطواتها وتتعاون فيما بينها للقضاء على العدو المشترك وهو الارهاب وتتفادى التسبب في اي مشاكل تضرّ بتحقيق هذا الهدف المهم".

وقام العراق بدوره بسلسلة اتصالات مع المجتمع الدولي من أجل استصدار قرار من مجلس الأمن يدين "الانتهاك التركي للسيادة العراقية" بهدف معالجة الازمة ودفع تركيا الى سحب قواتها من شمال العراق.

وشدد الصافي على ان "الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية سيادة العراق وعدم التسامح مع اي طرف يتجاوز عليها مهما كانت الدواعي والمبررات وعليها اتباع الأساليب المناسبة في حل ما يحدث من مشاكل لهذا السبب".

ويقول المحللون إن السيستاني يصمت في المقابل على تدخل إيراني سافر في العراق، حيث تبدو ايران اليوم صاحبة اليد الطولى هناك كما تعتمد ايران في سيطرتها على العراق على مليشيات شيعية عديدة تتحرك بحرية تامة على الأراضي العراقية بأوامر من قادة بارزين في الحرس الثوري ودون أن يكون للحكومة العراقية بقيادة العبادي أي قدرة على توجيهها او إعطائها الأوامر.

وقال مراقبون إن تحرك بغداد للضغط على انقرة في مسألة إرسالها جنودا الى شمال العراق، ربما يأتي ردّا على إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية وعلى موقف أنقرة من قضايا الصراع الطائفي التي تجتاح المنطقة وعلى نحو خاص الصراع المحتدم في سوريا.

ويؤكد هؤلاء المراقبون أن هذا التقدير ينبني أساسا على كون أن كلّ الضغوط الصادرة عن بغداد ضد انقرة، تأتي من قوى عراقية شيعية حليفة لإيران وكان الى حد وقت قريب تحض حكومة العبادي على القبول بتدخل روسيا في العراق اسوة بسوريا وذلك لقطع الطريق على تدخل أية قوة أخرى سواء عربية سنية (خليجية بالاساس) أو غربية (أميركية وأطلسية) في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.

كما طالب النجفي ممثل المرجعية السياسيين العراقيين بتوحيد موقفهم بما يخدم "مصلحة العراق وحفظ استقلاله وسيادته ووحدة اراضيه".

ويأتي هذا التصريح ردّا على ما يبدو، على تصريح مقابل للرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد فيه الخميس أنه لن يرضخ لدعوات عراقية من جهات متعددة، تطالبه فيها بسحب قواته من العراق فورا.

وامهلت السلطات العراقية القوات التركية، 48 ساعة للانسحاب من الاراضي العراقية، لكن انقرة لم تسحب قواتها رغم انتهاء المهلة .

وبدوره، طالب وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي السلطات التركية بسحب قواتها "فورا" وبشكل كامل من بلاده داعيا أنقرة إلى مراعاة قواعد القانون الدولي العام ومبادئ حسن الجوار.

وذكرت وزارة الدفاع العراقية في بيان الجمعة أن العبيدي بحث خلال لقاء مساء الخميس مع الممثل الخاص لرئيس الوزراء التركي فريدون اوغلو ورئيس جهاز الاستخبارات التركي هاكان فيدان الازمة القائمة بين البلدين على خلفية توغل القوات التركية في الاراض العراقية .

ونقل البيان عن الوزير العراقي تأكيده ضرورة "ان تبادر الحكومة التركية بموقف ايجابي يراعي قواعد القانون الدولي العام ومبادئ حسن الجوار بين البلدين والعلاقات التاريخية بين شعبيهما"، مشددا على "ضرورة سحب القوات التركية الكامل والفوري والحفاظ على سيادة العراق".

وتشهد العلاقات التركية العراقية توترا على خلفية نشر أنقرة الجمعة نحو 150 جنديا و25 دبابة في مدينة (الموصل) الواقعة في شمال العراق.

ووصفت الحكومة العراقية نشر القوات التركية على أراضيها "بالعمل العدائي" واعتبرته "انتهاكا لسيادة العراق" داعية تركيا الى سحب قواتها فورا وإلا ستلجأ الى مجلس الامن فيما اعتبرت انقرة ان نشر قواتها يهدف الى تدريب قوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق.

وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الخميس إن من غير الوارد في الوقت الحالي سحب بلاده لقواتها من العراق بعدما اتهمتها بغداد بنشر جنود دون موافقتها.

وأضر هذا الخلاف بشدة بالعلاقات بين البلدين وبسببه استدعى العراق سفير تركيا لديه يوم السبت الماضي للمطالبة بانسحاب فوري لمئات الجنود الأتراك الذين تم نشرهم في شمال العراق خلال الأيام القليلة الماضية قرب الموصل التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.

وقالت الخارجية العراقية إن القوات التركية دخلت الأراضي العراقية دون علم بغداد التي تعتبر وجود تلك القوات "عملا عدائيا".

لكن إردوغان قال في مؤتمر صحفي إن القوات التركية موجودة في العراق لتدريب مقاتلي البشمركة وليس لأغراض قتالية. وكرر ما ورد في بيان صدر في وقت سابق بأن نشر القوات جاء بعد دعوة من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي العام 2014.

وقال إردوغان "عدد القوات التركية (في شمال العراق) قد يزيد أو ينقص استنادا على عدد قوات البشمركة الذين يجري تدريبهم.. سحب جنودنا غير وارد في الوقت الحالي".

وقال أيضا إن اجتماعا ثلاثيا بين تركيا والولايات المتحدة والسلطات الكردية في شمال العراق سيعقد في 21 ديسمبر/كانون الأول لكنه لم يذكر أي احتمال للاجتماع مع السلطات في بغداد.

وفي وقت لاحق قالت مصادر برئاسة الوزراء التركية إن رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو قد تحدث عبر الهاتف مع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن بطلب من مسؤولين أميركيين.

وقال داود أوغلو لبادين إن تركيا تنسق مع العراق في جهودها للتصدي للدولة الإسلامية وإن وفدا تركيا رفيع المستوى ضم مدير المخابرات التركية حاقان فيدان قد سلم رسالة بهذا المعنى إلى رئيس الوزراء العراقي للتأكيد على الموقف التركي.

وأضاف أحد المصادر "أكد أن تركيا ستواصل المساهمة مع حكومة العراق الصديق في القتال ضد الدولة الإسلامية بالتنسيق مع بغداد".