السيد عبدالرسول يكتب مذكراته كأستاذ جامعي

بقلم: رجب سعد السيد
قراءة أولى

القراءة الأولى، عندي، أشبه ما تكون بالخطوط العامة للوحة، يصنعها الفنان التشكيلي، ثم يعود إلى مساحاتها المختلفة ليضيف إليها ما اختاره من ألوان وتفاصيل تشكيلية. وبالرغم من أن هذه القراءة، والخطوط العامة، ليستا نهاية المطاف، إلاَّ أنهما يمكن التعويل عليهما في استشراف الروح العامة للعمل المقروء واللوحة المنتظرة.

وفي رأيي أن أساتذة الجامعة نوعان: أولهما نموذج (الخُوجة)، وهو رجلٌ يُجيدُ نقل ما تحصَّلَ عليه من معلومات إلى تلاميذه؛ وقد يتميز كباحث في تخصصه العلمي، ويكتفي بذلك. أما الثاني، فأسميه الأستاذ الجامعي الناشط، يؤدي دوره الوظيفي، بشقيه التدريسي والبحثي، ولا يكتفي به، وإنما يخرجُ من بين الجدران الأكاديمية إلى الحياة العامة، مشاركا في معالجة قضايا المجتمع، من خلال تخصصه، أو من خلال تكوينه الثقافي العام.

وينتمي الدكتور السيد عبدالرسول للنوع الثاني. وقد حرصَ الرجلُ، وهو يتخطى العقدَ السابع من عمره، على تسجيل جانب من مسيرته الحياتية والمهنية في كتاب، وهو أمرٌ محمودٌ مشكورٌ، نتمنى أن يحذو آخرون حذوه، فيعطونا خلاصات تجاربهم ورؤاهم في تراجم ذاتية، تحفظ هذه الخبرات من الضياع، لعلها تفيد الأجيال القادمة.

وقد أعطانا الدكتور السيد عبدالرسول كتابا طيبا، ينتمي لأدب التراجم، وهو جنس أدبي شائع في آداب العالم، ويعرفه الأدب العربي منذ أمد بعيد، وإن كان إنتاج العرب فيه، والمحدثون منهم على نحو خاص، محدود نسبياً؛ وربما كان السبب وراء ذلك عاملٌ نفسيٌّ يؤدي إلى الإحجام عن الإفصاح والمكاشفة.

وتنقسم التراجم إلى قسمين: عامة، تكتب (عن) شخصيات (وتعرف بالبيوجرافي)؛ وذاتية، يكتبها صاحب الترجمة بنفسه (الأوتوبيوجرافي). و(مذكرات أستاذ جامعي) من النوع الثاني.

ويغطي الكتاب ترجمة لحياة الكاتب في عقد واحد من الزمان (63/1974)؛ وهو اختيار له دلالته، فقد شهد هذا العقدُ تحولاتٍ دراماتيكية كان لها وقعها الهائل على كافة أوجه الحياة في بلادنا (وربما كانت توابعها لا تزال فاعلة فيما يجرى الآن في بر مصر)، ويمكن أن تسمى فترة التطلعات والأحلام والانكسارات والتراجعات؛ وقد تصادف أن شهدت هذه الفترة التكوين الأكاديمي للدكتور السيد عبدالرسول، وحصوله على درجة الدكتوراه في الهندسة من الاتحاد السوفييتي، وبداية تفاعله مع الحياة العامة بعد عودته ليعمل مدرسا في جامعة أسيوط.

وللكتاب مفتاحان، يردُ أولُهما في صلب العنوان، متمثلا في العنوان تحت الرئيسي: "المقاومة والصمود والتغيير"؛ وقد يبدو غريبا أن ترد هذه الكلمات تحت العنوان الرئيسي: مذكرات أستاذ جامعة، فهي أولى بمذكرات زعيم سياسي. وحقيقة الأمر أن الدكتور سيد عبدالرسول كان أقرب ذلك، كما تشير الأحداث المثبتة بهذه السيرة، فهو – بلغة هذه الأيام – أحد أبرز النشطاء السياسيين بالجامعات المصرية في تلك الفترة، التي كان الاشتغال بالسياسة فيها، أو الاقتراب من مجالها، نوعا من المغامرة، وربما المخاطرة.

أما المفتاح الثاني، فيردُ في صلب مقدمة المؤلف لكتابه (ص 7)، حيث يقول : "لم أفكر لحظة في إرضاء القارئ أو كسب تأييده، مهما كانت هويته"؛ ويترجم ذلك في متن الكتاب إلى آراء شديدة الصراحة، وانتقادات مريرة لظواهر وسلبيات يرصدها على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من خلال عمله المتصل بحركة التصنيع في مصر، ومن خلال نشاطه داخل الجامعة وفي المجتمع العام؛ فبالرغم من انتمائه الواضح للزمن الناصري والتجربة الاشتراكية الناصرية، إلا أنه لا يتردد في توجيه أقسى الانتقادات للنظام، وبخاصة عيبه الأساسي المتمثل بالدرجة الأولى في غياب الديموقراطية.

ويصعب التعرض لكل القضايا التي توقف عندها الدكتور سيد عبدالرسول متأملا وشارحا ومنتقدا ومعارضا، فهي في معظمها لا تزال قضايا ومسائل خلافية، تتعدد الآراء فيها بعدد الحضور في أي محفل يتناولها، فلا تزال حقائق كثيرة مخفية أو منقوصة. ولكن ما يبقى للكتاب أنه محاولة لإضفاء بعض الرتوش لصورة الوطن في حقبة تاريخية مهمة؛ وهي محاولة توفر لها عنصر الإمتاع، فالكتابة المفتقدة للمتعة هي كتابة فاسدة، يمجها القارئ. ومن مصادر المتعة في هذا الكتاب قدرة الكاتب الكبيرة على الحكي، تشي بقدرات كامنة فيه كروائي، فهو يسردُ الأحداث والوقائع بطريقة تختلف عن العرض المحايد لآلات التسجيل، فيأتي بها مرتبطة بنواحي ذاتية، تضفي عليها حيوية، مستخدما لغة بسيطة، سليمة بنائياً، فيها ملامح كثيرة من اللغة الفنية التي يستخدمها كتّاب القصة. ومن مصادر المتعة أيضاً أنه ينقل لنا جانبا من خبراته العلمية والعملية، ورؤاه السياسية، ويكشف بعض الملامح لشخصيات أثرت في حياتنا وفي مسيرة الوطن.