السياسيون الكُرد السوريون في مكان والعمليّة الثوريّة في مكان آخر!

ماذا ينتظر الكُرد بعدُ؟ هذا السؤال يتبادر إلى الذهن، وخاصة ذهن الكُرد كلما يتقدم الائتلاف الوطني للمعارضة السوريّة خطوة نحو الأمام. فعندما أُعلن عن "الائتلاف" بشكل رسمي في الدوحة - قبل أشهرٍ - تقزز الضمير الكُردي، وتأسف على شغر كرسيهم الذي بات واضحاً كم ان سياسييهم بعيدون عن مكان الحدث ومترددون في اتخاذ أي قرار يساعد شعبهم ليكون جزءاً من العمليّة الثوريّة والسياسيّة؟ وكم هم، أي الشعب الكُردي، بحاجة إلى موقف سياسيّ واضح ليكون هذا السياسيّ ذا رأس مرفوعة أمام شارعهم الشعبيّ. حزن (ويحزن) الكُرد لكن من دون جدوى. لم يبلغ أفق المنطق السياسيّ الكُردي إلى حد الشراكة مع الائتلاف بعد، ولم يملأ سياسيّو الكُرد الفراغ الذي تركه الحزن في ضمير شارعهم، ولم يستفيدوا من هذا المكان الذي بقي شاغراً، وبدا إلى هذا الحين أن ليس بوسع سياسيي الكُرد فعل أي شيء ان لم يكن لأجل مكتسبات سياسيّة وترويج وجودهم سياسيّاً بعد أن حصل الائتلاف على الاعتراف شبه الدولي على أنّه "الممثل الشرعيّ والوحيد للشعب السوريّ" فإنهم ولأجل أن لا يُسحب البساط من تحت أقدامهم إقليميّاً ودوليّاً. الكُرد يحتاجون إلى غطاء المعارضة حتى يحصلوا على الغطاء الدوليّ وحتى الإقليميّ والعربيّ معاً.

كان على الطبقة السياسيّة الكُردية معرفة، قبل الجميع، أنّ الغطاء الكُرديّ لا يكفي وأنّه لا يوصلهم إلى بناء شراكة سياسيّة مرحليّة ثم الشراكة الدستوريّة والتي هي الأهم. بل أن هذا الاتكال الكُلي يشكل عبئاً على الطرف الكُردي (المقصود كُرد العراق) الذي يساند الكُرد ويقف إلى جانبهم على الصعيد المعنوي والاغاثي، كون الشراكة السياسيّة مع القوى المحليّة الثوريّة كفيلة ببلورة الصيغ التوافقيّة والتفاهميّة بين مكونات السياسة السوريّة على مختلف مشاربها، ما تهيّئ إلى خلق مناخ سلس ومنعش للتحاور، وثم بلوغ أفق سياسيّ لدى كل مكون، وشعورهم بأن مصلحتهم تكمن في وجود الآخر سواء أكان هذا الآخر كُرداً أو غير كردي.

بيد انّ الكُرد بقوا دون الخوض في العمليّة السياسيّة مع شركائهم السياسيّين منذ أن أُسس ائتلاف المعارضة. حصل الائتلاف على مقعد سوريا لكن بغياب الكُرد. هذا يعني أنّ الكُرد على مصاف آخر وأنّ الائتلاف لا يعبر عن كلّ المكونات المجتمعيّة السوريّة مع أنّها تعبّر عن الحالة السياسيّة للمعارضة، على الأقل بنظر أصحاب القرار إقليّمياً ودوليّاً وعربيّاً، الأمر الذي أفرغ ذاك المقعد (في الجامعة العربيّة) من معناه كُرديّاً وتخلف الكُرد (في هذه المناسبة) عن المواكبة السياسيّة وطنيّاً لذلك كان من المطلوب من الطرفين العمل سويّاً لأجل بناء خيمة وطنيّة سياسيّة (على الأقل على مستوى المعارضة) والوصول إلى أفق سياسي منسجم وموحد، وتاليّاً تعزيز قوة الموقف لدى المعارضة في علاقاتها الدبلوماسيّة ولدى الكُرد في علاقاتهم مع شارعهم بشكل أكثر وثوقاً.

وما يثير الاستغراب الأكثر هو انّ الائتلاف ماض بالإعلان عن حكومة انتقاليّة دون الوصول مع الطرف الكُردي إلى ايّ صيغة تحقق الحضور الكُردي وتسهل عمل الحكومة مستقبلاً في ذلك الجزء الكبير من المدن السوريّة، ما يعني انّ الحكومة التي ينتظر السوريين اعلان اسمائها ستكون مكبلة بأكثر من قيد في خدمة الناس، فمن جهة ستكون معرضة للانتقاد وعدم الشرعيّة وطنيّاً لأنها لا تعبر عن المكون السياسي الكُرديّ، ومن جهة أخرى ستبدأ أعمالها من خلال اطار الضيق ومحاصر في أكثر من مكان.

والحق أنّ الائتلاف الوطني للمعارضة - ونحن هنا نلوم الطبقة السياسية الكُرديّة - مسؤول عن بقاء الكُرد في أماكنهم دون التقدم نحو الائتلاف، أو العمليّة السياسيّة والثوريّة على شكل جامع وطنيّ، في الوقت الذي كان يتطلب فيه من الائتلاف تقديم المبادرات للحوار بين الطرفين اللذين لا يستطيع أي منهما خلق إجماع دون آخر.

على الكُرد مواكبة تطور الثورة السوريّة سياسيّاً ودبلوماسيّاً وشعبيّاً، وذلك لتمكين دورهم بشكل أكثر عمقاً في جسد المعارضة حاليّاً وليكون لهم مكان في الحيّز السياسيّ مستقبلاً. وعلى الائتلاف - وخصوصا بعد أن شغل مقعد النظام السياسي في الجامعة العربيّة - البحث عن الإجماع الوطنيّ وعليه أن يقدّم توضيحات بشأن دور الكُرد وحقوقهم في سوريا المستقبل. ولو قام الطرفان بما يقع على عاتقهما من مسؤوليّة فإنّ ذلك يفيد الثورة ويحسن من أدائها بشكل أكثر زخماً. لعلنا نرد على السؤال المحيّر: لماذا يتعامل الطرفان مع بعضهما بهذا الإهمال؟