السودان يدخل نادي كبار مصدري النفط قريبا

لندن - عبد الكريم حمودي
فرحة تدفق النفط التي انتظرها السودانيون كثيرا

أخذت الضغوط الإعلامية والسياسية والاقتصادية التي يتعرض لها السودان خلال الأشهر القليلة الماضية منعطفا جديداً تمثل في الحملة العنيفة التي تشنها الولايات المتحدة والمنظمات والأطراف الداعمة للتمرد الذي يقوده العقيد جون قرنق، على إنتاج وتصدير النفط السوداني الذي نجحت حكومة الإنقاذ في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير كميات تجارية منه.

وتطالب الحملة بضرورة وقف إنتاج النفط تحت ذريعة أن عائداته المالية تستخدمها الحكومة في تمويل الحرب ضد المتمردين، وقد توسعت الحملة لتطال الشركات النفطية العاملة في السودان وخاصة شركة "تاليسمان" الكندية المهددة بوقف التعامل مع أسهمها في البورصة المالية الأميركية.

الدعوات لوقف إنتاج النفط وتصديره تعد سابقة في العالم، كما أنها تتناقض مع جميع القوانين والأعراف الدولية، علاوة على أنها تمس بحقوق السيادة لأي دولة، فالبحث والتنقيب عن إنتاج الثروات ومنها النفط، حق طبيعي لأي دولة وشعب، كما أن الوصول إلى إنتاج النفط وتصديره تطلب جهوداً تراكمية وأموالاً كثيرة صرفت على مدار سنوات طويلة، فقد بدأ التنقيب الفعلي عن النفط في السودان بعد الاستقلال (1956) مباشرة ، وذلك عقب صدور قانون تنمية الثروة النفطية في عام 1958، ليبدأ بعد ذلك البحث العملي في عام 1959 في حوض البحر الأحمر بواسطة شركة "أجب ميلاريا" الإيطالية التي انضمت إليها شركات أخرى، ولكن دون تحقيق أي نتائج تذكر.

وفي عام 1973 تم تعديل قانون تنمية الثروة النفطية لسنة 1958 وتم الاتفاق مع عدة شركات أجنبية للتنقيب عن النفط أهمها شركة شيفرون الأمريكية التي حصلت على حقوق امتياز استخراج النفط السوداني في نهاية عام 1974 أثناء حكم الرئيس السابق جعفر النميري، وفي عام 1976 أعلنت شركة شيفرون، التي كانت تعمل في منطقة البحر الأحمر، عن اكتشافها للغاز والمكثفات النفطية الخفيفة، واكتشفت شيفرون بئر الوحدة في عام 1980، بيد شركة شفرون الأميركية التي حفرت حوالي 90 بئراً في مساحة قدرها (42 مليون هكتار) كانت ثلاثين منها منتجة وواعدة قامت بتجميد جميع عملياتها لأسباب أمنية تتمثل في بدء التمرد في الجنوب عام 1983، واقتصادية وسياسية فخرجت من السودان منذ عام 1984 وأغلقت الآبار التي حفرتها بالإسمنت، وكان من الواضح أن وراء تعليق أنشطتها دوافع سياسية أميركية ضد السودان.

شركة "كونكورب"

وبقيت الآبار مغلقة حتى جاءت شركة "كونكورب انترناشيونال" التي لعبت دوراً مميزاً في الكشف عن النفط في السودان حيث قامت في كانون ثاني (يناير) عام 1991 بتنظيف منطقة بئر أبو جابرة (3) وأقامت بها محطة كهرباء إلى جانب جلب وتركيب وتشغيل مصفاة أبو جابرة.

كما قام محمد عبد الله جار النبي مالك الشركة في عام 1992 بشراء أسهم شركة شيفرون الأميركية وتحويلها عن طريق البيع إلى الحكومة السودانية وذلك في آب/أغسطس عام 1993. وسبق ذلك بيع شركة كونكورب لمصفاة أبو جابرة للحكومة.

جهود الإنقاذ في إنتاج النفط

شكل موضوع إنتاج النفط بالنسبة لثورة الإنقاذ تحد مصيري فقد كانت الفاتورة التي كانت تدفعها الحكومة كثمن للمحروقات المستوردة باهظة حيث تتراوح ما بين 300-350 مليون دولار سنوياً، أي كانت تأكل أكثر من ثلث عائدات البلاد من الصادرات، لذلك عملت الحكومة بكل دأب وعلى كل صعيد لحل هذه القضية الاستراتيجية فأثمرت جهودها ووقعت في عام 1993 عقداً مع شركة "استيت" الكندية للتنقيب عن النفط في مناطق هجليج والوحدة، وبسبب محدودة قدرات شركة استيت الكندية فقد تقرر بعد ذلك الاستعانة بشركات ذات قدرات وإمكانات مالية وفنية أكبر، فباعت شركة استيت أسهمها لشركة كندية أخرى هي شركة تاليسمان. وبعد ذلك تم التعاقد مع أربع شركات كبرى للعمل في منطقة الامتياز المذكورة وهي:

- الهيئة الوطنية الصينية للبترول بنسبة 40 في المائة.

- شركة بترو ناس الماليزية بنسبة 30 في المائة.

- شركة تاليسمان الكندية بنسبة 25 في المائة.

- شركة سودابت المملوكة لوزارة الطاقة والتعدين السودانية بنسبة 5 في المائة.

وقد تم تكون اتحاد لهذه الشركات (كونسورتيوم) باسم "شركة النيل الكبرى لعمليات البترول" واتفق على أن تخصص نسبة من النفط المنتج لاسترداد تكلفة الاستثمار خلال فترة زمنية محدودة، وتسمى هذه النسبة "زيت التكلفة"، وتعتمد البقية كربح وتسمى "زيت الربح" وتقسم العائدات بنسبة متدرجة تصاعدياً لصالح السودان وفق وتيرة الإنتاج. وتتراوح فترة استرداد التكلفة ما بين 4 - 5 سنوات تكون خلالها نسبة زيت التكلفة ما بين (55 في المائة -60 في المائة) على أن يكون نصيب الدولة من زيت الربح ما بين (70 في المائة-80 في المائة) ويضاف الفائض من زيت التكلفة كل سنة إما إلى زيت الربح أو لنصيب الدولة.

وبالإضافة إلى اتحاد الشركات السابقة تم التعاقد مع شركات عديدة أخرى منها شركة O.M.V النمساوية، وشركة "الخليج- سودان" القطرية السودانية، وشركة توتال الفرنسية، كما تشارك في العمل كمقاولين وموردين شركات عالمية أخرى مثل شركة مانسيمان الألمانية وشركة WEIR البريطانية، وشركة ALEN البريطانية، وشركة TECHINT الأرجنتينية، وشركة OGP الماليزية، وشركة ZPEB الصينية.

بدء الإنتاج

في عام 1996 أثمرت جهود الحكومة السودانية في إنتاج النفط وبكميات تجارية، وتدفقت الكميات الأولى –20 ألف برميل- منه لأول مرة في 25 حزيران (يونيو) عام 1996 ثم ازداد الإنتاج فبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً، وخلال ثلاث سنوات ارتفع مستوى الإنتاج من 150 ألف برميل إلى ما بين 205 آلاف برميل يومياً يصدر منها نحو 160 ألف برميل عبر أنبوب للنفط يبلغ طوله 1600 كلم ويمتد من الحقول الجنوبية في هيغليج والوحدة إلى ميناء بورسودان على ساحل البحر الأحمر. ويذهب الباقي للاستهلاك المحلي، ومع مرور الأيام يتزايد تدفق النفط وتتوسع أعمال البحث التي تسفر عن المزيد من الاكتشافات التي تبشر بمستقبل واعد للنفط السوداني وفي هذا السياق يقول وزير المالية السوداني عبد الرحيم حمدي إن السودان يتجه ليصبح دولة بترولية ويصل إنتاجه في السنوات الأربع المقبلة إلى إنتاج نيجريا ودولة الإمارات العربية المتحدة أي نحو مليوني برميل يومياً.

ميزات النفط السوداني

يعتبر خام النفط السوداني المستخرج من أجود الأنواع العالمية حيث يخلو إلى حد كبير من الشوائب الضارة مثل الكبريت والأملاح كما أنه مطابق للمواصفات العالمية، فعلى سبيل المثال تبلغ درجة الوميض فيه ما بين (142-147) فهرنهايت، وتبلغ كثافته أكثر من 0.8 في المائة، ونسبة اللون أقل من 1.5 في المائة. كما أن كلفة التملك والاكتشاف والتطوير تقدر بنحو ثلاثة دولارات للبرميل الواحد وهي تكلفة منخفضة، في حين تبلغ كلفة استخراج البرميل الواحد في الولايات المتحدة نحو 6 دولارات.

العائدات

بدأ تصدير النفط السوداني في 30 آب (أغسطس) عام 1999 وخلال العام الأول وصلت الكمية المصدرة منه إلى نحو 64 مليون برميل حققت عائدات قدرها 1.160 مليار دولار، واستناداً إلى الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية السنوي لعام 2000 الذي أصدره بنك السودان فقد سجلت صادرات النفط بمشتقاته الخام البنزين كيروسين الغاز نسبة 75 في المائة من جملة الصادرات بعائد بلغ حوالي 1.350 مليار دولار. وتتوقع مصادر سودانية أن تبلغ العائدات في مدى عامين نحو ثلاثة مليارات دولار.

وقدر وزير المالية السوداني عبد الرحيم حمدي نصيب الحكومة من العائدات في الوقت الحالي ما بين 500 و600 مليون دولار سنوياً، تقسم إلى نصفين الأول يستخدم لتسديد ديون السودان، فيما يستخدم النصف الثاني من العائدات في عملية التنمية وخاصة في مناطق الإنتاج ودفع الرواتب.

الاحتياطات

تشير كافة التقديرات إلى أن السودان يمتلك احتياطات كبيرة من النفط وهو ما أكد وزير الدولة للصناعة والاستثمار علي أحمد عثمان حيث قال: إن الاحتياطي المؤكد للسودان من النفط مرشح للارتفاع إلى ملياري برميل خلال السنوات الثلاث المقبلة. فالاكتشافات تتواصل باستمرار والشركات العالمية تتسابق للحصول على حقوق امتياز جديدة، فعلى صعيد زيادة الإنتاج أعلن في 28 تموز (يوليو) الماضي عن افتتاح حقل نفط جديد ينتج نحو 15 ألف برميل يومياً من 11 بئراً، وأنه من المتوقع أن يرتفع الإنتاج إلى 30 ألف برميل في كانون أول (ديسمبر) القادم عندما تدخل 15 بئراً أخرى الإنتاج.

الحملة على النفط

تعود أسباب الحملة على النفط السوداني إلى الخوف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سيتركها النفط على مجمل الأوضاع في السودان، ويحرر الحكومة بالتالي من سياسة الابتزاز والضغط الاقتصادي التي تمارسها الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية، ويساعدها على إدارة عجلة النمو الاقتصادي ويمكن الحكومة من الاستثمار والإنتاج في مختلف العمليات الاقتصادية الأخرى دون شروط أو قيود خارجية.

لذلك ومع بدء تدفق النفط السوداني إلى الأسواق العالمية ثارت ثائرة الأطراف المعادية للسودان، وبدأت الحملات الإعلامية المعادية تشن ضد حكومة الخرطوم وتتهمها بأنها تمول حربها ضد المتمردين من عائدات النفط وأنها تنفق ما بين 300 - 400 مليون دولار من هذه العائدات لشراء الأسلحة.

كما ترافقت هذه الحملة مع عمليات عسكرية يشنها المتمردون بين فترة وأخرى على الحقول النفطية وتهديدات الشركات بضرورة وقف عملياتها في السودان.

وقد اشتد أوار الحملة الدولية ضد النفط في السودان منذ مطلع حزيران (يونيو) الماضي وبشكل لم يسبق لها مثيل، فقد أطلق إشارة البدء لهذه الحملة العقيد المتمرد جون قرنق في مؤتمر الإيقاد الذي عقد في الثاني من حزيران (يونيو) الماضي حينما خاطب رؤساء دول الإيقاد بقوله: "إذا كنتم تريدون وقفاً شاملاً للقتال فيجب على الحكومة السودانية أن توقف إنتاج هذا القاتل (النفط)، لا معنى لوقف النار في الجنوب طالما بقي النفط يتدفق ويقتل شعبنا".

وقد ساندت حملة قرنق نحو 50 من المنظمات الإنسانية التي أطلقت في 4/6/2001 حملة مسعورة تطالب بوقف فوري للنشاطات النفطية في جنوب السودان، وطالبت المنظمات الإنسانية في بيان صدر في باريس الشركات بالامتناع عن أي نشاط حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام في السودان، كما تم تنظيم مظاهرات في كندا ضد شركة تليسمان لإجبارها على وقف استثماراتها النفطية في السودان.

وقامت مجموعات الضغط المؤيدة لحركة التمرد بتحريض الكونغرس والإدارة الأميركية لتكثيف ضغوطهما على الشركات العاملة في المشروع السوداني، وبخاصة الشركات الكندية والأوروبية لوقف العمل والانسحاب من المشروع جملة واحدة وإلا خضعت لعقوبات منها الحرمان من تداول الأسهم في بورصة نيويورك، كما جاءت بذلك قرارات صادرة عن الكونغرس للإدارة الأميركية التي طالبت بدورها بتجميد عائدات النفط ووضعها في حساب خاص بدعوى أن الحكومة السودانية تستغل تلك الأموال في تسليح الجيش، وشن عمليات عسكرية ضد الجنوبيين. إلى جانب ذلك رصدت الأموال من قبل الكونغرس ووزارة الخارجية الأميركية لحركة التمرد، باعترافهما وفي وثائق مشهورة ومنشورة، ليصبح بإمكانها تحديد آبار النفط في ولاية الوحدة إحدى ولايات بحر الغزال الكبرى، وبالفعل تم الهجوم على ولاية بحر الغزال في الأسابيع القليلة الماضية. ولكن تم احتواء الهجوم وتمكنت الحكومة من صده ورد المتمردين على أعقابهم كما جرى في المحاولات السابقة.

ما يمكن قوله: إن السودان حقق إنجازات ضخمة في مجال النفط جاءت بعد جهود مكثفة قامت بها حكومة الإنقاذ فحققت الاكتفاء الذاتي، وساهمت عائدات النفط في حل العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها السودان، وستتعزز هذه المساهمة في المستقبل مع زيادة العائدات بما في ذلك تحجيم مشكلة التمرد في الجنوب، حيث رصدت الحكومة جزءاً من عائدات النفط لتنمية المناطق الجنوبية ومناطق الإنتاج فأقامت العديد من المشاريع الخدمية للسكان، وهو ما ساهم في تعزيز الاستقرار والأمن وقلل من الدعم الذي كان يتلقاه المتمردون هناك بسبب حاجة السكان وظروفهم المعيشية الصعبة، كم سيساهم النفط في تحسين علاقات السودان مع دول الجوار الإقليمي وخاصة إثيوبيا من خلال مدها بالنفط الذي تحتاجه علاوة على تحسن علاقات السودان مع المجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة والذي ظهرت العديد من مؤشراته مؤخراً.(ق.ب)