السودان: علي الحاج يقيم تجربة حزب الترابي في السلطة، ايجابياتها وسلبياتها

لندن - نور الدين العويديدي
الحاج يرى ان تجربة السلطة أضرت بالاسلاميين

أعلن قيادي بارز في حزب المؤتمر الشعبي السوداني أن محاولات للمصالحة بين حزبه والحكومة السودانية, ومساعي لإعادة توحيد شقي الحركة الإسلامية في السلطة والمعارضة, فشلت, محملا الحكومة مسؤولية هذا الفشل, باعتبار أنها ترفض أن تتم هذه المصالحة في أجواء حريات وديمقراطية.
وقال الدكتور علي الحاج, القيادي البارز في حزب المؤتمر الشعبي, الذي يقوده حسن الترابي, إن محادثات جرت بين الدكتور الترابي رئيس حزب المؤتمر, والدكتور غازي صلاح الدين وزير الإعلام السوداني الحالي, انتهت إلى الفشل, بسبب عدم التوافق على الخيار السياسي, الذي تجري في إطاره المصالحة.
وأكد الدكتور الحاج, أن الترابي رفض مصالحة يكون هدفها فقط توحيد الحركة الإسلامية, وفرض سيطرتها مجددا على السلطة في البلاد, وأنه دعا إلى أن تكون المصالحة على قاعدة إشاعة الديمقراطية في السودان, وتنقية المناخ السياسي في البلاد, وإحداث المصالحة الوطنية, ودفع مسار السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان, التي يقودها العقيد جون قرنق.
واعتبر الدكتور الحاج أن بلاده تعاني من أزمة متعددة الوجوه, سياسية واقتصادية وأمنية, مشيرا إلى أن دخول النفط كمعطى في الحياة الاقتصادية السودانية لم يغير شيئا من معيشة السودانيين, ملمحا إلى أن أموال النفط تذهب في الفساد, وفي تمويل الحرب في الجنوب, مؤكدا أن هذه الحرب فقدت مبررات استمرارها.
واعترف الدكتور الحاج بوقوع الحركة الإسلامية السودانية في أخطاء سياسية عديدة, منها وصولها إلى الحكم في نهاية الثمانينيات, عبر الانقلاب العسكري. ودعا الدكتور الحاج إلى إعمال النقد والمحاسبة, من أجل تنقية المسار السياسي للتيار الإسلامي, حتى لا يقع في أخطاء سياسية, مثل التي وقعت فيها حركته.
وقال الدكتور الحاج الأوضاع السودانية متدنية في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأضاف "هذه كلها متدنية الآن. فسياسيا كما تعلم فالكلام عن الحريات والانفتاح نحو المصالحة والوفاق, وحل قضية الجنوب سلميا، كل هذه المسائل لم تعد مقنعة لأي شخص, وهناك عدد من القادة السياسيين دخلوا السودان, وشعروا أن كل ما يقال ليس فيه الحقيقة كما ينبغي".
وقال "بالنسبة للاقتصاد, كما تعلم, فأهم معطى دخل في الاقتصاد السوداني هو البترول.. وبالنسبة للبترول فلا أحد يعرف بالضبط عن دخل النفط, وكميته, وصرفه, ومن المتصرف فيه؟". وأضاف "هذه مسألة تعتبر من الأسرار.. أسرار الدولة طبعا, وهذه من أكبر المشكلات, لأن موضوع المال هو الموضوع, الذي يجب أن تكون فيه الشفافية في قمتها, وإذا كان هناك شيء واحد يريد الناس أن يعرفوا كيف يسير؟ فهو موضوع المال, وأين هو؟".
وشدد الدكتور الحاج على أن "النفط يضخ وبكمية معقولة, وهناك دخل محترم منه, إلا أن الأوضاع الاقتصادية لازالت متدهورة, فكأنما البترول لم يدخل أساسا في الاقتصاد السوداني, رغم مداخيله الوفيرة.
وأضاف "صحيح أنه يقال إن أموال النفط تنفق في الحرب, لكن هذه الحرب لا معنى لها, وهي تنفق في أشياء أخرى غير الحرب, لكن حتى لو كانت تنفق في الحرب, فالحرب لا معنى لها, ولابد من أن يأتي السلام".
وأكد الدكتور الحاج أن "الأوضاع الأمنية في الجنوب مضطربة, وازدادت اضطرابا, والأوضاع الأمنية الأخرى في كل أنحاء السودان اضطربت الآن". وقال "لعلكم تسمعون عن ما يحدث في الولايات الأخرى, سواء كان في الغرب أو في الشرق.. وكل هذه مسائل صارت معلومة وواضحة", حسب قوله.
وأرجع الدكتور علي الحاج حالة الاضطراب التي تعيشها بلاده إلى غياب النهج السياسي والحريات, متهما الحكومة بأنها تعالج كل الظواهر الاجتماعية والسياسية بالعصا. وقال "لابد من وجود نهج سياسي, ولابد من وجود حريات, والحكومة تعتمد في المقام الأول على الجانب الأمني, وأن كل شيء يمكن أن يدار بالطريقة الأمنية.. السياسة والاقتصاد والحرب.. كله يسير بالعصا, وهذه لا يمكن أن تستمر, وهذه أكبر مشكلة تعاني منها البلاد, وهي أيضا من المشكلات الأساسية, التي كانت خلافية بيننا, وبين الذين في السلطة اليوم".
وحين ووجه بأنه هو وحزبه مسؤولان عن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية السودانية, قال "طبعا لا خلاف". وأضاف "أوضاع الإنقاذ عندما جاءت كثورة وكانقلاب عسكري, رافقتها إجراءات أمنية, ولكن كل ما كانت تقوم به إجراءات أمنية طارئة, وإجراءات أمنية استثنائية", مؤكدا أن "كل هذه الإجراءات الأمنية, عندما تم وضع الدستور, كان القصد أن تنتهي, وأن نبدأ في الإجراءات المدنية والقانونية والدستورية.. وهذا لم يتحقق, وهذا هو سبب الخلاف, الذي حدث بيننا".
وأكد الدكتور الحاج أن الحرب في الجنوب فرضت على التيار الإسلامي السوداني, وأنه خاضها تحت لواء الجهاد, لكنه لم يدخر أي فرصة للحوار مع الحركة الشعبية, منحيا باللائمة على الحكومة القائمة بأنها سبب فشل اتفاقية الخرطوم للسلام.
وقال "نحن في السلطة فرضت علينا الحرب, ودعينا مرارا وتكرارا الحركة الشعبية للسلام, وكانت هذه هي دعوتنا, لكن الحركة لم تستجب لذلك, وإن كان بعض فصائل منها استجابت لدعوتنا".
وأضاف "كنا توصلنا في هذه الاتفاقية إلى سلام مع بعض الفصائل, فهذا يدل على أننا حريصون على إيجاد حل سلمي للقضية, حيثما وجدنا, وكيفما وجدنا الأمر ممكنا, ووجدنا تجاوبا من الطرف الآخر, لكن النكسة التي حدثت, أنه بعد اتفاقية الخرطوم للسلام, فإن الحكومة نفسها نقضت العهد في هذا الجانب, رغم أن الاتفاقية صارت جزء من الدستور, وهنا صارت النكسة كبرى, لأن الفصائل, التي جاءت إلى الحكومة, وصاغت معها هذه الاتفاقية, عادت مرة أخرى إلى الحركة الشعبية".
وحين سئل إن كانت الحركة الشعبية, التي توصل حزبه إلى اتفاق معها, إنما كان هدفها تغذية الخلاف بين حزب المؤتمر الشعبي والسلطة, قال "لا أعتقد أن هدف الحركة كان هذا, لأنه ليست هذه أول مرة نتفاوض فيها مع الحركة الشعبية".
وأكد الدكتور الحاج أن السلطة السودانية "تريد أن تبقي على الترابي رهن الحبس", وأضاف "هذا حكم مطلق, وحكم لا أساس قانونيا ولا دستوريا له, مثله مثل حكم قراقوش.. ألا يقال إن هناك حكما في التاريخ يقال له حكم قراقوش, فيبدو أن الحكم الحالي أشبه به, إن لم يكن أسوأ منه".
وحين سئل عن حقيقة المفاوضات التي جرت بين حزبه والسلطة, من أجل إعادة توحيد شقي الحركة, قال الدكتور الحاج "الحديث والحوار بين الترابي والدكتور غازي", وأضاف أنه "عندما كان الدكتور الترابي في المستشفى, اغتنم الدكتور غازي هذه الفرصة, وأتى لزيارته, وتفاوض معه, وتكلم معه في كثير من القضايا, وتواصل بعد ذلك الحوار.. لكن الحوار وصل إلى نهاياته الآن, بحسب الأوراق, التي بين أيدينا الآن, والتي قدمت لكم نسخة منها".
وقال "في كل الحالات, فكلام غازي في هذا الحوار, لم يخرج عن رجوع الحركة الإسلامية إلى أن تكون وحدة واحدة, وأن تستمر في الحكم, وهذه مسألة طبعا هي بالنسبة لنا غير موجودة, لأن الحركة الإسلامية موحدة حتى الآن.. والذين خرجوا أو فسقوا عن الحركة, هم الذين في السلطة, وهم قلة, والحركة الإسلامية اتخذت رأيا فيهم وفصلتهم, هؤلاء السبعة, أو الخمسة, أو الستة".
وأضاف أن "الدكتور غازي يطرح ضرورة الإبقاء على الرئيس ونائبه", قائلا "إذا كنت ستبقي على الرئيس ونائبه, فماذا سيتغير من الأوضاع؟.. ستغير الدكتور غازي نفسه, عما قريب, أم ماذا سيحدث؟".
وقال إن رؤية حزبه "للخروج من كل هذا المأزق لا يمكن أن ننكفئ مرة أخرى في إطار الحركة الإسلامية, وإنما ينبغي أن ننفتح, وأن نتجاوز كل هذا, ونصل إلى تدابير انتقالية تخرجنا من هذه المسألة, وتخرجنا إلى جو فيه حريات واسعة لكل الناس, وتخرجنا إلى جو آخر تكون فيه ديمقراطية حقيقة, وتكون فيه انتخابات حرة, وحتى قضية الجنوب نحاول أن نصل فيها إلى حل سلمي بطريقة واضحة جدا, وبتفاوض واضح جدا, ومن دون أي قيود, حتى نقدر أن نتوصل إلى حلول".
وأضاف "واضح من الأوراق, التي ستقرأها, أن هناك تباينا في وجهات النظر في هذه المواقف, وبذلك انتهت المذكرات والمجادلات أو الحوارات بين الدكتور غازي والدكتور الترابي, ولكن من جانبنا, فأي شخص يريد أن يحاور, أو أن يجادل, أو أن يناقش, فنحن نرحب بذلك, وعيب الحكومة أنها لا تود للحوار أن يستمر", حسب قوله.
واتهم الدكتور الحاج الحكومة بأنها أضرت بحزبه, من خلال تنسيقها الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الماضي, وأنها تضطهد حزبه لإرضاء القوى الغربية, متهما الأجهزة الأمنية السودانية بأنها سلمت عددا من الإسلاميين اللاجئين إلى السودان, في فترة وجود حزب المؤتمر الشعبي في السلطة, من دون علم القادة السياسيين للدولة.
وحين ووجه بالسؤال كيف تتصرف المؤسسة الأمنية دون علم السياسيين, قال إن هذا وقع, وأن السياسيين لم يكونوا يعلمون بما يجري. وأضاف أن السياسيين حين اكتشفوا بعض الممارسات الخاطئة نظموا محاكمات, وحكم على البعض بالإعدام, لكن المؤسسة الأمنية هربتهم إلى الخارج, وأعادتهم الآن إلى البلد.
ودعا الدكتور الحاج أبناء الحركة الإسلامية إلى قراءة التجربة السودانية بأخطائها وإيجابياتها, والانطلاق منها إلى تحصين الحركة الإسلامية من الأخطاء. وقال "بالنسبة للتجربة السودانية فما حصل هو جزء من التجربة نفسها.. نحن نعتبر ما حدث جزء من التجربة, وعلينا في المستقبل, وعلى الأجيال المستقبلية في الحركات الإسلامية, وفي الحركة الإسلامية السودانية, أن تحاول أن تنظر بقدر الإمكان, بعين فاحصة للأخطاء, ولكل الأشياء, التي حصلت, حتى تتجاوز هذه النقاط السلبية".
وأكد أن للحكم أثر سلبي على الحركة, قائلا "كون السلطة عندها أثر سلبي على الحركة, فهذه أيضا مسألة واضحة, فالحركة بعيدا عن السلطة, هي بدون شك, حركة زاهية, وفيها طهر كثير جدا, ولما دخلنا في السلطة, كنا دخلنا بنفس النظرة.. نظرة الطهر والأمانة والصدق وكل شيء جميل, واكتشفنا أن بعضنا أصابه ما أصابه من السلطة, وهذه واحدة من أهم الأشياء التي خرجنا بها.. وأهم ما خرجنا به الاستبداد السياسي".
وحين سئل هل جذر المشكلات التي عرفتها التجربة السودانية هو الوصول إلى السلطة بواسطة انقلاب, أجاب الدكتور الحاج "ليست هذه جذر المشكلة.. أساس المشكلة أننا جئنا إلى السلطة, وليس لدينا تجربة إسلامية أمامنا قريبة, حتى نقدر أن نقيس عليها.. هذه أعتقد أنها السبب.. كانت عندنا أفكار نظرية, وعندما أتينا إلى التطبيق حصلت فيها بعض الاختلافات".
ثم استدرك قائلا "المشكل في الانقلاب نعم, لكن أنا أتكلم عن التجربة نفسها. والانقلاب في منطقتنا, وفي السودان, هو نوع من العمل المشروع.. فالسودان منذ الاستقلال وحتى الآن, فالحكومات العسكرية, هي التي حكمته أكثر الوقت, رغم وجود الديمقراطية.. فنحن لسنا أول الانقلابيين".(قدس برس)