السودان: اطفال مرغمون على العمل بالمجان

لا مدارس ولا غذاء

كادقلي (السودان) - في كل مساء يزداد النشاط في سوق مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كُردفان مع بدء النساء بنصب أكشاك بيع الشاي في أرجاء السوق. وفي هذا الوقت كذلك يبدأ عمل عبدي الذي لا يزيد عمره عن 10 سنوات حيث يقوم بشطف أكواب الشاي في السوق.

"إنه يومي الأول هنا"، قال الطفل وهو منهمك في عمله الذي يستمر حتى وقت متأخر من الليل.

ويجبر الكثير من الأطفال على العمل في ولاية جنوب كُردفان التي تأثرت بشدة بالنزاع الذي دام 21 عاماً في السودان وهي تواجه الآن تحديات إعادة الإعمار. ومعظم سكان الولاية هم من النوبة (قبائل مرتفعات الوسط) وعرب البقّارة (الحوازمة والمسيرية).

كما يثير انعدام التطور الكثير من الاستياء في أوساط السكان، اذ قالت سارا بانتوليانو، الباحثة في مجموعة السياسات الإنسانية التابعة لـ"معهد التنمية فيما وراء البحار" في لندن "تنتشر علامات انعدام الأمن في المنطقة الغربية حيث أدت المظالم بسبب عدم حصول الناس على الخدمات وانتشار البطالة ومنع المعتمدين على المراعي من الاتجاه جنوباً إلى الدفع بعدد من شباب المسيرية إلى العنف المسلح".

من جانبها، قالت ناتالي ماكولي، مسؤولة حماية الأطفال في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في ولايات كُردفان "تزيد بيئة النزاعات وما بعد النزاعات وحالات الطوارئ الإنسانية من تعرض الأطفال لخطر العنف والاستغلال".

وأضافت أنه "لا يوجد سوى خيارات قليلة في مجال التعليم بالنسبة للأطفال والشباب الذين تركوا المدرسة أو لم ينتظموا فيها (منذ البداية) بينما تدفع صعوبة الحصول على الغذاء والوقود والماء بآلاف النساء والفتيات إلى الانخراط في 'الجنس من أجل العيش' بالإضافة إلى ذلك، يتوجب على الكثير من الأطفال العمل من أجل كسب لقمة العيش".

خطوات إلى الوراء؟

وقالت أندريا ناليتو، من برنامج التعليم في كادقلي التابع للمجلس النرويجي للاجئين أن "معظم العائدين يشعرون بأنهم عادوا خطوات إلى الوراء". ويوفر هذا البرنامج خدمات محو الأمية وتعليم الحساب ومهارات الحياة والتدريب المهني للنازحين والعائدين من الشباب.

ويعود معظم اللاجئين السابقين من كاكوما، وهو مخيم في شمال غرب كينيا يقدم أكثر بكثير للاجئين مما يتوفر في ولايات كُردفان من حيث التعليم والتدريب على المهارات والوظائف.

ولهذا السبب لا يرغب العمال المهرة بالعودة إلى موطنهم، وتساءلت ناليتو "كيف يعقل أن يترك المرء كاكوما وينتقل للعيش في كادقلي للعمل بالمجان؟". وتعتمد العديد من المدارس في الولاية على المتطوعين لإدارتها.

وقالت زينب بالاندية، مديرة "رويا"، وهي منظمة غير حكومية محلية ان بعض الأطفال العاملين هم من العائدين الذين افترقوا عن أسرهم. وأوضحت قائلة "يأتي الأطفال الذين لا يستطيعون دخول المدرسة إلى المدن، فالمكان الأفضل بالنسبة لأطفال الشوارع هو السوق حيث يمكنهم الحصول على الطعام".

وقالت منظمة الهجرة الدولية أن 25 بالمائة على الأقل من العائدين إلى الولاية هم أطفال تتراوح أعمارهم بين عام وأربعة أعوام و34 بالمائة منهم في سن المدرسة (5-17 عاماً).

وقالت بالاندية "حتى الأطفال الصغار جداً في السن يسكنون الشارع وهذه مشكلة حقيقية" مضيفة أن الأطفال يتعرضون أحياناً للضرب والسجن. "كما أنهم في بعض الأوقات يعملون دون أن يحصلوا على الأجر".

واوضحت حواء تيّة، وهي مطلقة وأم لثلاثة أطفال، أنها أرسلت ابنها للعمل كملمع أحذية، وقالت "يعود طفلي إلى المنزل بعد يومين أو ثلاثة ويحضر معه بعض المال".

وقد عاد ابن حواء إلى المنزل آخر مرة بعد أن أنقذه مرشدون اجتماعيون ولكنها ليست سوى مسألة وقت حتى يعود الطفل مجدداً إلى الشارع. وقالت الأم التي تعمل في بيع الفحم "المال الذي يحضره إلى المنزل كان مساعدة كبيرة بالنسبة لنا".

خيارات قليلة

ووفقاً لعلي دفع الله علي، مدير "مبادرون" وهي منظمة غير حكومية محلية تعمل في المجتمعات المتأثرة بالحرب، فإن الأسر العائدة تملك القليل جداً لتقدمه لأبنائها. كما أن المدارس القليلة المتوفرة لا تقبل تسجيل الأطفال القادمين من الشارع "لأسباب تتعلق بفرض النظام".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، صادقت الحكومة على قانون يمنع تجريم الأطفال دون سن الثانية عشر ويوفر المزيد من الحماية للأطفال العاملين وأطفال الشوارع. وقبل عام 2008 لم تكن مناطق مثل أبيي والفلّة وبابنوسة وميرام والمجلد، غرب الولاية، تتضمن برامج للرعاية الاجتماعية.

وقالت ماكولي أنه يجري حالياً تنفيذ مشروع مشترك بين وزارة الرعاية الاجتماعية ومجلس رعاية الطفولة واليونيسف لتقليل عدد أطفال الشوارع في كادقلي. وقد نجح المشروع بلم شمل 900 طفل بأسرهم ويقدم حالياً المساعدة لحوالي 3200 غيرهم من خلال مسؤولي الرعاية الاجتماعية.

وختمت ماكولي "تقدم هذه المبادرة الفائدة للكثير من الأطفال المستضعفين ولكن هناك حاجة كذلك لتقوية أنظمة الرعاية الاجتماعية بالإضافة إلى خلق الوعي وتنفيذ قانون الطفل الجديد". (إيرين)