السنة والشيعة في السعودية: تأكيد الذات وإلغاء الآخر (2-2)

بقلم: نضال البيابي

ثمة نزوع متأصل في العقلية الطائفية نحو القديم «الأصل النقي»، أو ما يمكن تسميتها بـ«عبادة البدايات» ويبدو كمحاولة ارتكاسية للدفاع عن الذات، الهوية الطائفية، ضد مصادر التهديد، وأهمها محاولات الأنسنة وشيوع مفاهيم التعددية ونسبية الحقيقة والقبول بالآخر وحرية الضمير والمعتقد.

مفهوم كرامة الإنسان وحريته كقيمة مركزية بصرف النظر عن دينه أو معتقده، يبدو غائباً أو مغيباً في العقلية الطائفية، التي تختزل كرامة الإنسان وحريته وفقاً لأطرٍ طائفية ضيقة، بل تكمن قيمة الإنسان وفق التصور الطائفي من خلال اتصاله، فكراً ووجداناً بالأصول النقية للطائفة.

هذه المفاهيم تشوش رؤيته وتزعزع معتقده وسكينته فينزع تلقائيا إلى إزاحتها عن سياقاتها بحثا ًعن ملاذ آمن يبعث على الطمأنينة في الجذور الدينية العتيقة، وكأنما هي محاولة عبثية لتعزيز الذات من خلال إنعاش وإحياء الموتى وإعادة الاعتبار لهم في مواجهة عصر جعلهم أبطالاً من ورق وصار فيه القابض على«طائفيته» كالقابض على الجمر.

هو إمعانٌ في الهرب، فكيف تواجه ما لا سلطة لك عليه بغير الهرب؟

يمكن تفهم الخوف الكابوسي لدى الطائفي من التجديد، لأن التجديد (في أدوات النقد الديني مثلا، الذي بدوره يهدد مسلمات يقينة لا تُمس كالهوية الطائفية) يخلف صدمات شديدة الوقع والتصدع في هوية الطائفي الذي اعتاد استهلاك قوالب معينة جامدة بالية حتى العظم، حافظت عبر قرون على هويته.

لذا قد يستذئب الحمل الطائفي في صون الهوية ضد أي تجديد، ضد أي اختراق عقلي، داخلياً كان أو خارجيا ً، وكل محاولة للاختراق أو التغير ستجابه بعنف، لأن التغيير«الشيطاني»هنا أو الاختراق يهدد الأصول النقية «موطن المناعة» فعميلة التغيير أوالتحول تعني فطاما ًمؤلما مع الذوات المقدسة.أي سلب للطمأنينة الجمودية المرتبطة بارتباط وثيق بالبدايات البكر، أوهكذا يظنون.

ثمة تداخل بين الحقيقة والوهم ساهم في ضبابية الحقيقة«التاريخية ». فهذا الامتزاج بين الوهم والحقيقة، ولد التناقضات، واللافت الغريب أن يكون الوهم هو عين الحقيقة، بما أنه يدخل في حيز اللامفكر به، وعليه سيكون متعالياً على النقد أو التقصي، ومن هنا سيبرز التشويه، لأن المنتمي وجد ذاته في الوهم تحت قناع تاريخي لا تصل له حواسه أو إدراكه دون أن يعلم، وفَقد الوهم يقتضي بالضرورة اضمحلال الذات.. آه ياوهمي الجميل.

والمفارقة أن «البدايات» أو«الأصول» لا يعرف عنها – غالباً- الأتباع والمقلدون شيئا ذا بال، والأكثرغرابة أن بعض المشايخ وسدنة التشريع الطائفي كان مجرد تابع أعمى يلوك ببغائيا ما تعلمه في حواضنه الدينية دون أن يتجشم عناء التحقق من مدى صدقية أو حقيقة المعلومات التي ضُخت في عقله وخلقت بعد ذلك عقيدته الطائفية.

السؤال الأساسي والأهم: لماذا يصل الطائفي إلى نتائج مغلوطة، عن الواقع، والآخر، والتاريخ؟ جوابي: يكمن الخلل في السؤال، في المنطلقات، في التناقضات التي تتجاهل رغم زخمها، كما ًوكيفاً.وهذا يستدعي سؤلاً أخر: لِم يتم تجاهل التناقضات في العقلية الطائفية؟ ربما لأن الاعتراف بها يهدد الهوية الطائفية.

********

الإنسان البسيط أيّا تكن عقيدته، الذي اعتاد ممارسة طقوسه الدينية بشكل آلي، وجلّ إيمانه يمكن اختزاله في رغيف العيش والحياة الكريمة الهانئة، ولا يمكن أن يشكل خطرا وجودياً على الآخر، فالآخر، أيا يكن هذا الآخر، لا يعنيه على الإطلاق، لأن إيمانه أو انتماءه مجرد بحث عن الطمأنينة وليس أكثر من ذلك. فليس من طبيعته لا الشك ولا التساؤل ولا الاستقصاء.فهو ليس في حاجة لتبرير المعتقد وليس مسكوناً بهوس إثبات صوابية معتقده.

غايته تحاشي المتاعب والهرب عن محفزات السأم والألم. وجل ما يخشاه الغد، وما يحمل له المستقبل من مفاجآت قد لا تكون على هواه. ويتموضع ضعفه في خوفه من الغد، وهذا المنفذ الذي سوف يُستغل من لدن أرباب الطائفية. فهذا البسيط المسكين سيضخ أولاً بالخطابات التحريضية التي تحذره من خطر الآخر على وجوده، على رزقه، ومن ثم سيوجه ثانياً بعد أن تم تعمّيده بالمخاوف والهواجس، لكي يتحول إلى حارس شرس لمنظومة القيم لحد قد يضحي بنفسه من أجل حماية الذات، من أجل الوجود المهدد بالزوال.

وهذه هي لعبة أرباب الطائفية تدجين العقول ومن ثم توجيهها نحو حماية المقدس والذات. والضحايا هم أوراق اللعبة ووقودها.

********

كيف نؤسس دولة المواطنة، دولة القانون، دولة الحقوق والحريات؟ كيف نسمو بأنفسنا؟ كيف نعالج أزماتنا الأبدية كأزمة البطالة والفقر والسكن واهتراء التعليم؟ كل هذه الإشكاليات ثانوية والأولوية للطائفية – كما يبدو في واقعنا السعودي- والقبلية والعنصرية وصراعاتنا الهامشية حول كرة القدم والمناطقية والسخام الطائفي وأخيرا الانتخابات البلدية الهزلية.

لا يسعني أن أتوقع، أو حتى آمل، أن يتغير الطائفيون (سنة وشيعة) من تلقاء أنفسهم بين ليلة وضحاها، لكني آمل بتشريع قانون يُجرّم كل أبواق الكراهية والعنف في مجتمعنا.. هذا منتهى أملي إزاء المحنة الطائفية وأحسب أن كثيراً من أبناء وبنات مجتمعنا يشاركونني الأمل لعل الستار يسدل على هذه الملهاة البائسة.

أم أن قدر أجيالنا أن تتصارع فيما بينها كالنعاج من أجل النفوس المريضة المسكونة بالحقد والرجعية من ذوي اللحى التعيسة؟

********

الطائفية ياسادة عملية إلهاء للمجتمع عن التفكير في المستقبل وقضاياه الإنسانية، وهي لعبة قذرة لا ينتج منها إلاّ التشظي وشيوع مناخات الكراهية، ولا يقع في فخها إلاّ السذج..!

إن أهم الدروس المستفادة من الصراع الطائفي القذر: إن كل شيء قابل للتدنيس والتزوير حتى الحقيقة. وكل شيء في الطائفية خاضع للتطيِّف، الله والرسول، والتاريخ.

وإن أشد أعداء العرب ضراوة هم العرب أنفسهم. ويمكننا القول إن بغض الصهاينة لنا ليس بقدر ما نبغض نحن أنفسنا. ألا يحدث أحيانا أن يقتل العربي أخاه العربي بشغف لا يخلو من لذة، بل شغف دون ارتواء؟! وكم هو مؤلم الاعتراف بهذه المأساة..!

الطائفية ياسادة لعبة السياسي بحكم الضرورة. قد تختلف العناوين لكن المضامين واحدة.

الطائفية ذريعة لاستعادة الأمجاد التاريخية الوهمية على حطام الأبرياء.

الطائفية كالكاميرا تضخم كل شيء.

الطائفيون لا يقولون الحقيقة أبداً، حتى لو أرادوا.

أشدُّ ما يوجع في الطائفية هو أنها لا تفيد أحداً إلاّ مجموعة من سماسرة الأوطان وجلاديها.

ويظل حلمنا بمجتمع أهلي مدني، حيث الدولة فوق الطوائف، ويصبح الحديث فيه عن الطائفية كالحديث عن الأساطير والعنقاء. ولكنه مع الأسف يبدو لي مؤجلاً، والدليل على تأجيله استسلامنا للتطِّيف.

نضال البيابي